قمتان فى غياب مصر.. والضحية قضية فلسطين

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 7 أبريل 2009 - 8:58 م بتوقيت القاهرة

 لم تعد القمة العربية «حدثا» ينتظره الناس، متوقعين أن يكون موعدها فاصلا بين تاريخين، أو نقطة تحول ما بعدها مختلف عما قبلها، صارت «القمة» محطة لتجمع الأزمات فى العلاقات العربية ــ العربية، وكلها ملتهب ويهدد بنسف القمة قبل أن تعقد، أو بإفراغها من مضمونها إذا ما عقدت، حتى لا تتفاقم الخلافات المعلقة أو تنفجر فتفجر ما تبقى من روابط أو علائق أو مصالح متبادلة فى ما بين أقطار القادة الذين قد يأخذهم تمسكهم بالشخص إلى ما يهدد العام المتصل بشؤون دولهم ومواطنيها.

ولقد تسنى لى أن أشهد، الأسبوع الماضى، قمتين دفعة واحدة خلال أقل من ثمان وأربعين ساعة فى الصالة نفسها من الفندق فى العاصمة ذاتها للدولة الصغيرة التى منحها غناها بالموارد الطبيعية ودهاء حاكمها وقدرته على الحركة المتحررة من أى ضوابط مألوفة أو معتمدة فى السياسات العربية، هامش مناورة فسيح يتسع لانقلابات متوالية فى التحالفات والمخاصمات من غير خشية من أى مساءلة فكيف بالمحاسبة؟

فأما القمة الأولى فى الدوحة فهى القمة العربية الحادية والعشرون التى خسرت الكثير من قيمتها نتيجة غياب مصر عنها، خصوصا وأن هذا الغياب قد عطل البحث الجدى فى شأن القضية الفلسطينية التى أعطت المبرر الفعلى لانعقاد القمة العربية دوريا.

وأما القمة الثانية، والمتصلة بالأولى اتصالا وثيقا، فهى القمة الثانية للدول العربية مع دول أمريكا الجنوبية والتى وإن غلب عليها الطابع الاقتصادى، فلقد كان مقدرا لها أن تكون مناسبة مهمة لتلاق تاريخى بين شعوب تحاول استعادة مقدراتها وقرارها فيما يتصل بمكانتها وبدورها فى هذا العالم المخضع لمصدر أوحد للقرار (أمريكى).

وكانت أولى المفارقات الساطعة أن قادة أمريكا الجنوبية (أو اللاتينية) يأتون إلى لقاء مع العرب فى محاولة للتخفيف من الضغوط الأمريكية التى تسعى لتأبيد الهيمنة الأمريكية على تلك الدول بمقدراتها وطموحات شعبها إلى التحرر واستعادة القرار الوطنى المستقل، فى حين أن الدول العربية بمجموعها مندفعة ــ بضعفها وعجزها عن القرار ــ إلى حيث يمكن أن تشملها الهيمنة الأمريكية بنعمها، متنازلة عن قرارها مسلمة بأن الإدارة الأمريكية فى واشنطن أدرى منها وأعرف بمصالح شعوبها وأقدر على تحقيقها.

وفى حين جاء الأصدقاء من القارة الأمريكية الجنوبية على جناح حماستهم لنصرة العرب، فى فلسطين خاصة، وللتضامن معهم وتعزيز النضال المشترك من أجل التحرر واستعادة القرار الوطنى، فإن معظم القادة العرب الذين استقبلوهم كانوا فى شغل شاغل بيأسهم من ذواتهم عن شعارات الزمن الجميل الذى مضى وانقضى ولن يعود.. وربما لهذا تطلع البعض إلى هؤلاء الضيوف الممتلئين حماسة بكثير من الدهشة وقليل من التعاطف، وإن ظل الإشفاق ــ منهم وعليهم ــ هو الغالب، بلغت الدهشة حدها الأقصى حين رفع الرئيس البوليفى تشافيز كتابا عن الثورة العربية يحمل غلافه صورة جمال عبدالناصر، قائلا: إن هذا القائد العربى هو النموذج الذى يقتدى به ثوار أمريكا اللاتينية فى سعيهم إلى التحرر وإلى بناء أوطانهم بقدراتها المستعادة من أيدى مستعبديهم « اليانكى».

تحولت الدهشة إلى مفارقة محزنة، فمعظم القادة العرب المتلاقين فى الدوحة كان يفترض أن هذا النموذج ينتسب إلى الماضى، وأن لا مكان له فى الحاضر، فكيف بأن يكون فى المستقبل... خصوصا وأنه يعنى المواجهة إلى حد القتال مع قوى الهيمنة الخارجية، والأمريكية تحديدا، التى باتت مصدر الحماية والأمان فى مواجهة «التطرف» و«الأصوليات» وأحلام المراهقين القائلين بالمواجهة طريقا إلى الحرية.

فأما القمة الأولى، العربية، فقد انتهت مع إعلان افتتاحها، وإن هى حفلت بمجموعة من الطرائف واللطائف التى كان بطلها العقيد الليبى معمر القذافى.. ذلك أن غياب مصر، بشخص رئيسها، أفقد القمة «نصابها»، ثم إن هذا الغياب قد شمل ــ بالضرورة ــ تغيب الموضوع الفلسطينى الذى بات، منذ ما قبل الحرب الإسرائيلية على أهل فلسطين فى غزة، من اختصاص المخابرات المصرية... وطالما أن اللواء عمر سليمان ما زال يعالج شئون المصالحات وشروط التسويات واتفاقات أنصاف الحلول بين الفصائل الفلسطينية، ومستقبل «السلطة» التى لا تملك من أمرها شيئا، ونصيب كل من «فتح» و«حماس»... وبالتالى فإن أى حديث فى الموضوع الفلسطينى فى ظل هذا الغياب المفجع سيكون نكأ للجراح، بالمزايدة والمناقصة... بل إن مصر قد ترى فيه تجاوزا لدورها وتخريبا لجهودها. وبالتالى فأفضل ما يفعله المؤتمرون أن يعلقوا البحث فى الأمر، مكتفين بتعابير عامة وجمل مبهمة.

بالمقابل، فإن إسرائيل قد شهدت اكتمالا للانقلاب نحو يمين اليمين، أو بتعبير أدق نحو العنصرية المطلقة التى جاءت انتخابات الكنيست لتسبغ عليها «الشرعية» مع كل ما ارتكبته عصابات المستعمرين المستقدمين من أربع رياح الأرض «ليرثوا» أرض فلسطين بطرد شعبها من مدنه وقراه التى بناها أجداد الأجداد بعرق الجباه والزنود، وبمواجهات مفتوحة عبر التاريخ مع غزوات الفرنجة والصليبيين ثم مع الإسرائيليين الذين جاءوا لينتزعوها منهم بقوة الغرب و(الشرق) وبالمجازر وحملات الإبادة والهدم والطرد والتشريد بقوة السلاح.

لم تجد القمة من أسباب القوة ما يمكنها من اتخاذ الموقف الطبيعى الذى لا بد من اتخاذه فى مواجهة هذا الجموح العنصرى فى إسرائيل الذى يعطى للحرب على غزة وأهلها دلالات إضافية أخطرها أنها «جولة فى حرب مفتوحة على شعب فلسطين» وليست بأى حال ردا على صواريخ يدوية الصنع كان يطلقها الفتية المتحمسون ردا على الغارات الجوية وضربات المدفعية لمختلف أنحاء القطاع المحاصر، قبل أن تعلن إسرائيل الحرب الشاملة على المليون ونصف المليون من النساء والرجال والأطفال والشيوخ، فى ذلك الشريط الساحلى من أرض فلسطين، المكتظ بسكانه الذين هم بالأكثرية الساحقة «لاجئون» للمرة الثانية أو الثالثة..

على هذا فقد مرت القمة العربية الحادية والعشرون على قضية الحرب الإسرائيلية على غزة، بكل الدمار والقتل الجماعى وتشريد عشرات الآلاف بعد هدم بيوتهم بالغارات الجوية والقصف المدفعى وقنابل الفسفور الأزرق مرور الكرام... وظلت الوعود بإعادة الإعمار وفك الحصار عن هذا القطاع المجوع أهله، مجرد وعود، تنتظر إخضاع الفلسطينيين للشروط الإسرائيلية المحصنة بالتأييد الدولى والمموهة بالتغطية العربية المذهبة.

هذا يعنى أن فك الحصار بات يخضع للشروط الإسرائيلية، حتى وإن أبلغت للفلسطينيين بلسان عربى...

لقد تم تبنى الشروط الإسرائيلية من طرف الغرب، بدوله العظمى، أمريكا بداية، ثم الاتحاد الأوروبى، ثم قام العرب بترجمتها إلى العربى الفصيح، وعهد إلى المخابرات المصرية بأن تتولى تسويقها، مع التحذير من مخاطر رفضها بل حتى تعديلها... ولعل هذا ما يفسر أن يدور الحوار بين رفاق السلاح (سابقا) فى حلقة مفرغة، فالشروط المفروضة تتجاوز القدرة على قبولها، وبالمقابل فإن التورط فى رفضها ينذر بمخاطر مصيرية ليس من السهل على أى طرف أن يتحمل مسئوليتها، تاريخيا....

إنه خيار بين الموت رميا بالرصاص أو الموت جوعا وعطشا وسط البيوت المدمرة والتى أقام أهلها الخيام على أنقاضها دليلا على تمسكهم بأرضهم التى هى بعض البعض من وطنهم المهدد بأن يؤخذ منهم كله، بعدما أخذت حتى الآن معظم أرضه (علينا ألا ننسى، للحظة إن ثمة مليونا من المستعمرين الذين استقدمتهم إسرائيل من أربع جهات الأرض، باتوا الآن يقيمون فى المستعمرات التى بنيت منازلها المركبة على عجل، على أنقاض المدن والقرى والأرض الزراعية التى كان يعيش فيها ومنها أهلها الفلسطينيون الذين طردوا إلى جهات أخرى داخل فلسطينهم، تمهيدا لطردهم إلى ديار الشتات... بعد حين!)....

* * * * *

نخلص إلى بعض الاستنتاجات البديهية:

أولا: لا قمة عربية من دون فلسطين، أى من دون اتفاق عربى جدى على تصور واضح لمستقبل الصراع العربى الإسرائيلى وأدوار مختلف الدول العربية التى يفترض أن تتكامل فى سياسة واحدة معتمدة، وبصيغة واحدة، فى الداخل والخارج، فلا تكون لكل نظام عربى سياستان إزاء فلسطين، واحدة خطابية ومفرغة من المضمون للداخل، وثانية «واقعية» إلى حد التخلى أو التفريط بذريعة أن أهل القضية أنفسهم مختلفون، والمنطق الواقعى يفرض أن يقادوا إلى الحل الأدنى «لأنهم لا يملكون شرف الرفض..

ثانيا: لا قمة عربية من دون توافق عربى جدى على جدول أعمال محدد، ولو على قاعدة الحد الأدنى الذى لا يحرج بعض الأطراف فيغيبها فإذا غابت تعطل القرار، ولا هو يلغى القضية فتصبح القمة مجرد مناسبة «لتتويج» التنازلات بالتواقيع العربية المحرجة لشعب فلسطين لأنها تلغى قضيته...

الأخطر أن الشعب الفلسطينى يصبح فى هذه الحالة محاصرا بخيار من اثنين أحلاهما مر: إما أن يتمسك بحقوقه فى أرضه لإقامة دولته، فيبدو مهددا ــ بتطرفه ــ للتوافق العربى، أو أن «يتنازل» مرغما فيتهم بالتفريط بأرضه وحقوقه فيها ويعفى العرب من مسئولياتهم فيتبنون المنطق الاستسلامى القائل: لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين ونحن سنكون خلفهم لا أمامهم!

ثالثا: لا قمة عربية من دون مصر، ليس لأن مصر هى أكبر دولة عربية فحسب، بل لأن مصر بالتاريخ والجغرافيا، بالوزن والدور، هى مركز الثقل العربى.. إن هى خرجت أو أُخرجت تفكك العرب معسكرات، وكانت القضية الفلسطينية الضحية الأولى والأخطر، باعتبارها الجامع المشترك بين العرب وملتقى آمالهم وطموحاتهم..

لكن السؤال يبقى مشروعا: هل تقوم مصر بدورها الذى يؤكد شرعيتها كمرجعية عربية عامة، وكراع وضامن وحام لفلسطين قضية وشعبا له حقه البديهى فى دولة له على بعض أرضه؟.

إن مصر تلعب، منذ حين، دور صاحبة حق النقض، ولكن ما يحتاجه العرب ومنها بالذات دور صاحبة القضية المؤهلة لاستنقاذها مما يتهددها من مخاطر.
وسيبقى الأمل أن تعود مصر إلى روحها فتعود إلى دورها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved