ثقافات أبيدت

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 7 يونيو 2016 - 10:05 م بتوقيت القاهرة

كنت كلما زرت أهرامات الجيزة ومعبد الكرنك فى الأقصر ومختلف مدن وقرى الصعيد أتساءل بينى وبين نفسى عن نوع الحياة التى كان يعيشها قدماء المصريين.

أتخيلهم فى أعيادهم وعباداتهم وجنازاتهم. فعلت الشىء نفسه خلال زياراتى قصور أمراء الحرب والاباطرة فى الصين، وخلال تأملاتى الفاحصة للأثاثات الخشبية المحفورة واللوحات «المرسومة» بخيوط الحرير الطبيعى وقطع الخزف المبهرة. كذلك لم أستطع، ولعلنى لم أرغب فى، قمع خيالى وهو يمرح مخترقا شبابيك قطار «امتراك» الذى نقلنى من بوسطن إلى نيويورك ومنها إلى واشنطن عبر فيلادلفيا، وشباك طائرة شركة «دلتا» ونحن على ارتفاع عشرات الألوف من الأقدام نطير فوق سهول وبحيرات وأنهار وتلال وجبال، رحت أتخيل هذه الأرض وقد عاشت فيها شعوب، كان لها تقاليدها وأعرافها، تأكل وتشرب وتتزاوج وتتقاتل وتتكاثر، قبل أن يأتى من يبيدها.


***


قضيت ساعات عديدة، سواء فى القطارات أو الطائرات أو الحافلات والسيارات، أتخيل كيف عاش «الهنود الحمر». لم أصدق ونحن صغار أن هوليوود كانت تنقل إلينا بصدق حقيقة هؤلاء الناس، حين كانت أفلام رعاة البقر المصدر الوحيد لمعلوماتنا عن الهنود الحمر. رأيناهم فى الغالب متوحشين ينزعون عن الرأس فروته أو سذجا يشتريهم الأوروبى بالخمر والبنادق والحلى الرخيصة.

عشت سنين المراهقة أشك فى الرواية «الهوليوودية» ولم تتح لى إلا أخيرا جدا الفرصة للبحث عن الحقيقة؛ عندما عثرت على مجموعة كتب ألفها كتاب أمريكيون متعاطفون مع التاريخ الحقيقى والشعبى للهنود الحمر أو كتاب منحدرون من أصول هندية. بفضل هذه الكتب أصبحت أكثر معرفة بالهنود الحمر، وتكونت فى ذهنى صور عديدة وجديدة تختلف جذريا عن الصور السينمائية، وأكثرها حقا بديع.


* * *


أعرف الآن مثلا أن الرجل المحارب، وغالبية الرجال محاربون، إذا حانت ساعته كان يدفن ومعه حصانه. كانوا يعتقدون أن روح الفرس لا يجوز أن تتخلى عن روح الفارس، وأن الإنسان يجب أن يدخل السماء مكرما كما كان على الأرض، ولا شك أنه سوف يحتاج إلى حصانه لتسهيل تنقلاته فى العالم الآخر.


أعرف أيضا أن المستوطن الأوروبى اكتشف مبكرا طبائع الشعوب الأصلية فى الأمريكتين، واستغل اكتشافه هذا للسيطرة ثم القضاء عليها.

عرف أن حياة «الهندى الأحمر» وأخلاقه وقيمه وثقافته مرتبطة ارتباطا وثيقا بصيد الجاموس، تماما كما ارتبط الفلسطينى فى وقت من الأوقات بشجرة الزيتون. إن أنت فصلت بينهما قضيت عليهما.

قيل، وإن لم يحسم بعد هذا القول، إن «إبادة» شعوب الهنود الحمر لم تتحقق بالقتل والحرب بقدر ما تحققت بحروب شنها الرجل الأبيض على قطعان الجاموس فأباد غالبيتها.

عندها استكانت الشعوب صاحبة الأرض. بدون صيد الجاموس فقد الإنسان الأصلى فرصة اثبات شجاعته، هذه الشجاعة التى تدرب عليها صغيرا منذ أن تركه أهله وحيدا فى البرارى بين الوحوش، ومنذ أن بدأ يخرج إلى الصيد مع محاربى القبيلة.

الشجاعة صفة يجب أن يتصف بها الشاب ليحظى بشرف الانتساب إلى أبيه. كانت الحروب ضرورة من أجل وحدة القبيلة وتماسكها ومن أجل تحسين النسل ولتحديد مكانة الفرد ومراتب الناس فى القبيلة، كان التدريب على القيادة، وبخاصة قيادة قطعان الجاموس، واجبا مقدسا.


قرأت منبهرا تفاصيل عن أساليب اصطياد الجاموس. تشرح إحدى الروايات كيف كان يقوم أحد المحاربين الشجعان بارتداء جلد جاموس، وينضم إلى قطعان الجاموس كواحد من القطيع ويتسلل إلى صفوفها الأولى.

هناك يحتل موقع القيادة ويتولى مهمة توجيه مسيرة القطيع نحو أهداف مناسبة تسمح لبقية المحاربين بالاصطياد السهل. لا أخفى أننى وأنا أقرأ هذه الرواية لاحت أمامى صورة دونالد ترامب المرشح للرئاسة الأمريكية وشريط مسيرته.

لاحت صور أخرى من التاريخ عن زعماء ارتدوا جلود أفراد عاديين فى شعوبهم قبل أن يتقدموا الصفوف ليقودوا. قرأت أيضا ولكن بغضب عن أن المحاربين «الشجعان» كانوا يدفعون القطيع نحو حافة الهضبة فلا يجد مناصا من التوقف أو السقوط فى الوديان السحيقة والأنهار الصاخبة.


***



كذلك كانت مصدر متعة قراءة تفاصيل عن طقوس احتفالات القبيلة بمناسبة وقوع فرد من الجاموس الأبيض المقدس نوعا ما والنادر فى الأسر. يتولى «حارس الأرواح» وهو الكاهن الأكبر مهمة ذبح الجاموس وسلخه ثم يذهب بالجلد إلى «السر الأعظم» فى أعالى الجبال أو بين الشلالات، ليحصل من الآلهة على التبريكات اللازمة ليعود الجلد إلى مضارب القبيلة محمولا على حصان يقوده الكاهن الأكبر الذى يسلمه بنفسه إلى عذراء من عذارى القبيلة ويأمرها بارتدائه بعد أن تتطهر بدخان «الحكمة»، ثم تخلعه ليعلق فى مكان الصدارة بين غيره من علامات ورموز أعمال الشجاعة التى أقدم عليها محاربو القبيلة.


***



بحثت عن المرأة وعن الحب والزواج فى ثقافة الهنود الحمر. اتضح لى أن تقاليد غير قليلة فى ثقافة الهنود الحمر لا تختلف عن تقاليد رأيتها تمارس فى قبائل أفريقية. الشاب فى القبيلة يجب أن يثبت أولا قدراته البطولية وشجاعته فإن هو فعل ذلك أصبح من حقه السعى للزواج.

شردت للحظة وأنا أقرأ هذا الشرط وتخيلت أن الفتيات فى مصر قررن أن يشترطن من الآن فصاعدا إثبات الشجاعة قبل أن يتقدم الشاب للزواج.

وللزواج طقوس. يخرج الشاب فى الليل إلى الوديان القريبة من مضارب القبيلة وينتظر مرور الفتاة التى يريدها، وعند اقترابها يخرج إليها مرتديا بطانية تغطى كل جسده باستثناء عينيه، فإذا لم يرق لها أو قصر فى إعلان اعجابه بها أو أخفق فى إقناعها بسجل بطولاته، تستمر فى طريقها ولا تتوقف.

قد تمر مواسم جديدة كثيرة قبل أن تجد الفتاة الشاب الذى يعجبها. وعندما تجده فتروق له ويروق لها، يذهب إليها فى مرقدها، ويلمسها وهى نائمة، فتننهض من فراشها وتذهب معه إلى أهله. وفى الصباح يخرج الأب ليعلن على الملأ زواج ابنته.


للرجل عند معظم قبائل الهنود الحمر الحق فى زوجات عديدات، كثرتهن تجلب الثروة والجاه لما ينتجن من مشغولات جلدية وحلى الزينة تعود بالمال الوفير. وقد جرى العرف على أنه لا مكان فى البيت لزوجة غيور إذ تقوم الزوجات الأخريات بإعادتها إلى بيت أهلها. جرى العرف أيضا على أن تقوم الأمهات بلف بناتهن بلفائف عديدة ومحكمة تغطى الجسم من أسفل البطن وحتى الساقين لحمايتهن من تحرش الرجال.


* * *


من هواياتى القديمة مقارنة صيغ الدعاء للآلهة عند الشعوب، وقد وجدت فى أدعية بعض قبائل الهنود الحمر دعاء أثار انتباهى وإعجابى أكثر من غيره، إذ يتوجه المؤمن إلى ربه قائلا «أيها السر الأعظم، أعطنى أحصنة عديدة ونساء كثيرات وجميلات ومنتجات.. أعطنى بيتا يكون ملتقى لكبار القوم... أيها السر الأعظم أنا فقير، أعطنى هذه الأشياء ليصبح الناس أقوياء بقوتى وأكون درعا يحميهم».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved