أحلام دولية: أمريكا ومصر نموذجان

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 7 يونيو 2017 - 8:51 م بتوقيت القاهرة

أعادت صورة لرئيس الوزراء الصينى فى ألمانيا وصورة للرئيس فلاديمير بوتين فى فرنسا إلى الذاكرة أحلاما كثيرا ما راودت حكام الصين وروسيا وأوروبا فى الماضى. كان من أغلى أحلام امبراطوريات الصين فى أوج عظمتها الوصول بتجارتها إلى أوروبا. جربت فأقامت منظومة اتصال ومواصلات وأمن إقليمى. الحلم نفسه راود كثيرين من تجار أوروبا منذ عودة ماركوبولو يحمل خريطة للطرق وعينات من منتجات الصين ومعلومات عنها. بدت أوروبا دائما الحلم الأعظم فى المخيلة الصينية بالرغم من المآسى التى تسببت فيها أوروبا الاستعمارية والخراب الذى أصاب الصين بسبب جشع ووحشية المستعمرين الأوروبيين. غريب جدا أن تحظى أوروبا باحتلال مكانة فى خيال الصين وواقعها الاستراتيجى لم تحتلها اليابان ولا كوريا، وهما الأقرب إلى الصين حضاريا وثقافيا والأهم أمنيا.

كذلك احتلت أوروبا الغربية فى الخيال الروسى مكانة سجلها المؤرخون والأدباء والسياسيون. اختلف حلم الروس عن حلم الصينيين. كان الأمن وتوازنات القوة العنصر الغالب فى تكوين هذا الحلم، إلا أن هذه الغلبة لم تمنع قياصرة القرون الماضية وقادة الحزب الشيوعى فى معظم عقود القرن العشرين، بل وقادة ما بعد بريستيرويكا، من الاستغراق فى التمنى أن تكون مدن روسيا ومزارعها وجامعاتها فى أناقة وتميز مثيلاتها الأوروبيات. سقط النظام الشيوعى فى روسيا وقام نظام حكم جديد قصير عمره دعمته أمريكا وشجعته على خصخصة مؤسسات الدولة بعد هدمها وتغيير معالمها.

 

اتفق الحلمان فى أشياء واختلفا فى أشياء أخرى. اتفقا فى الأمل أن تكون أوروبا مزدهرة اقتصاديا. ففى ازدهار أوروبا فرصة لتجارة أكبر وتكنولوجيا جديدة لتقليدها أو تطويرها ومواقع وفيرة لاستثمار الفوائض والأموال الهاربة. واتفقا فى التمنى أن تكون أوروبا مستقلة عن أمريكا. اختلفا فى رؤية لمستقبل الاتحاد الاوروبى. الصين تريد الاتحاد الاوروبى كتلة موحدة ليس فقط لحاجتها ذات يوم إلى من يشاركها وضع قواعد لنظام اقتصادى عالمى جديد ألمح إليه الرئيس تشى فى خطابه الشهير فى مؤتمر دافوس فى مطلع العام الحالى، تريدها أيضا لاحتمال ظهور حاجة صينية لاقامة تحالفات مصالح فى نظام دولى بات من المؤكد أنه الآن فى مرحلة النشأة أو قبل النشأة بقليل.
أما الحلم الروسى فيطمع فى مستقبل يكون فيه الاتحاد الأوروبى مفككا. معروف للكثيرين أن الصين لا تمانع فى منظومة أوروبية تقودها ألمانيا منفردة أو يقودها ثنائى ألمانى فرنسى قوى. روسيا، على العكس، لا ترى هذا المستقبل. روسيا ترى، أو تعمل من أجل، مستقبل لا تكون فيه ألمانيا قائدا لتجمع أوروبى أيا كان اسمه وشكله، وهى بالتأكيد لا تريد أن ترى ألمانيا وفرنسا وقد توحدتا فى منظومة قيادة جديدة لأوروبا.
كلاهما، ولا شك، سعيدان بمشاهدة أمريكا تخرج تدريجيا من معادلة علاقتيهما بأوروبا. روسيا بطبيعة الحال أسعد كثيرا. انسحاب أمريكا من أوروبا كان دائما حلم روسيا، ولعله الآن دخل حيز التطبيق بشهادة التحقيقات الجارية فى واشنطن حول قضية التدخل الروسى فى انتخابات الرئاسة الأمريكية لصالح المرشح الانعزالى دونالد ترامب. يؤكد مراقبون عديدون أن جهدا روسيا هائلا بذلته موسكو البوتينية خلال العام المنصرم والعام الحالى فى كل من أمريكا وأوروبا بغرض تشجيع تيارات انفصالية وانعزالية وشعبوية تتصدى لمبادئ أساسية فى الفكر السياسى الغربى وتطبيقاته. تتصدى مثلا لمبدأ حرية التجارة متجسدا فى اتفاقيات التجارة الحرة وقواعد منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الاقتصادية، وتتصدى لمشاريع ومؤسسات الأمن الغربى ممثلة فى حلف الناتو وبرامج توسعه فى شرق أوروبا ثم فى الشرق الأوسط. تتصدى أيضا لحملات التبشير بالديمقراطية الغربية وغيرها من الأفكار الليبرالية. هنا، تلتقى الصين وروسيا مرة أخرى فى مواجهة هذا العدو المقيت، ليبرالية الغرب.. للصين، كما نعرف، مصلحة مؤكدة وتاريخية فى العولمة الاقتصادية ولعلها تحلم للقرن القادم بعولمة على النمط الصينى تحل محل العولمة على النمط الغربى أو بالأصح النمط الأمريكى، وهو النمط الذى تجاهل تماما جانب العدالة الاجتماعية ونهضة إفريقيا.

 

•••

 

«وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض يحقق للصين وروسيا أحلامهما». أخشى أن تكون هذه العبارة قد أسىء فهمها حتى صار الناس يستخدمونها فى غير محلها وبأكثر مما تستحق. التطورات الجارية عند القمة الدولية تذكرنى بما ذهب إليه صديقى الراحل السيد ياسين من أن بعض التطورات الدولية تتجاوز كونها مجرد تغيرات هنا وهناك بل ترقى إلى مستوى تغيير«البارادايم». أظن أننا نقترب من هذا التوصيف. النظام الدولى الذى عايشناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ما زال «يرفس» كما يقول الانجليز، أى ما زال يتنفس ويعمل. لن يسقط تماما ويختفى إلا إذا سقطت تماما أو اختفت إحدى القوى الأعظم القائدة فيه. سقط نظام توازن القوى عندما سقطت ألمانيا بل واختفت كدولة موحدة وقام نظام دولى آخر. بهذا المعنى لا نستطيع الادعاء بأن تحولا جوهريا حدث فى منظومة القيادة الدولية.
أمريكا لم تسقط حتى نسارع فنقول إن النظام الدولى يتحول أو يتغير. أمريكا كقائد هى الأقوى بين آخرين فى مجموعة القيادة. صحيح أنها تنحدر ولكن بتدرج أظنه محسوبا ومعترفا به عند الخبراء والمسئولين. لا يهم الآن القول بأن الانحدار لا يعود فقط لظروف وأسباب ذاتية وهو ليس انحدارا بالمعنى المطلق، ولكنه انحدار نسبى، أى انحدار بالنظر إلى صعود آخر أو آخرين. وفى كل الأحوال، ولأنه متدرج وسلمى الطابع إلى حد كبير، فإنه لا يبرر ادعاء الحاجة إلى نظام دولى جديد. بمعنى آخر، الانسحاب الأمريكى من أوروبا وخروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبى وانسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ وموقف أمريكا من حلفها العسكرى، كلها أو أغلبها تطورات وإن أسعدت الرئيس بوتين فى موسكو وشجعت الرئيس تشى فى بكين إلا أنها لا تمثل بعد السبب الكافى والضرورى لإعلان سقوط نظام دولى.

 

•••

 

يذكرنى هذا النقاش الدائر بعيدا عنا بنقاش خافت الصوت دائر قريبا منا ومنذ فترة غير قصيرة. يناقشون، بالهمس، مظاهر سقوط نظام إقليمى عربى وأسباب هذا السقوط وشكل البديل المحتمل. السؤال الجوهرى الذى يلف حوله ويدور المتناقشون يتعلق بتوصيف حال مصر كقائد منفرد أو عضو فى منظومة قيادة. مصر لم تخرج من النظام وبالتأكيد لم تسقط ولكنها انحدرت فى القوة بكافة أشكالها وفى المكانة وفى النفوذ. تختلف عن أمريكا فى أن انحدارها لم يأت متدرجا بل على فجاءات وبتراكم ملحوظ. شاهدنا وتابعنا تداعيات هذا الانحدار وفقدان المكانة على أمن وتكامل النظام العربى، ونشاهد ونتابع بالاهتمام الممكن صراعات دائرة بقسوة أحيانا وارتباك فى أحيان أخرى واستدعاء الدعم من قوى من خارج الإقليم العربى، صراعات من أجل احتلال مواقع على قمة نظام إقليمى لا يوجد إلا فى مخيلات وأحلام قادة ومفكرين.
أتمنى أن أكون مخطئا، ولكنى أكاد أكون واثقا من أن العنف الذى نشهده ويعيشه بعضنا أو كلنا ممتدا ومتمددا من الريف المغربى غربا إلى سواحل هورموز شرقا ومن اليمن جنوبا إلى الموصل والرقة هو أحد أهم مظاهر صراع الصعود نحو القمة، قمة نظام إقليمى مجدد أو نظام إقليمى جديد تماما. لهذه الثقة الكبيرة فى صحة ما أقول ولأن أمورا كثيرة ومنها قيادة النظامين الدولى والاقليمى وحروب الارهاب، ما تزال بعيدة عن الحسم، أتصور، وللأسف، أن المنطقة مرشحة لعنف أشد وصراعات أكثر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved