قال: أبشروا فقد استعدنا الخارجية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 7 يوليو 2011 - 9:11 ص بتوقيت القاهرة

 أرحب مع التحفظ بالسفير محمد العرابى وزيرا جديدا للخارجية المصرية. أرحب به لأنه كان الأصغر سنا بين المرشحين لخلافة الوزير العربى، فالدبلوماسية المصرية مثلها مثل جميع أنشطة الدولة فى حاجة إلى دماء جديدة وأفكار جديدة وأساليب عمل جديدة. أرحب به لأن له أيضا خبرة فى العمل مديرا لمكتب وزير الخارجية، وهى الخبرة التى يجب أن نعتبرها إضافة مهمة فى سيرة حياته فهى إحدى المهام، التى توفر لشاغلها إطلالة مستمرة على أوجه العمل فى جميع فروع الدبلوماسية وتطور دور مصر الخارجى وتفاصيل عمليات التنسيق مع الوزارات الأخرى. إضافة لا شك فيها، ولكنها ليست الإضافة، التى تعوض عن افتقار الوزير الجديد إلى خبرة المفاوضات متعددة الأطراف، التى يكتسبها قلة من الدبلوماسيين من خلال العمل فى بعثات مصر لدى الأمم المتحدة وغيرها من الوكالات الدولية، حتى كادت هذه الخبرة تحسب شرطا من شروط تعيين وزراء الخارجية.

<<<
يعلق أحد دارسى السياسة الخارجية المصرية على اختيار الوزير الجديد بأنه الوحيد بين وزراء خارجية مصر فى الثلاثين عاما الماضية، الذى يستطيع أن يتباهى على كل سابقيه بأنه قضى فى إسرائيل سنوات كافية لأن تجعله يبدو خبيرا فى الشأن الإسرائيلى، وهو أيضا الوزير الوحيد بينهم الذى يعرف عن قرب أطراف شبكة العلاقات التى تربط بعض كبار رجال الأعمال والمسئولين المصريين بالمسئولين فى مراكز صناعة القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية فى إسرائيل. يحق للوزير الجديد أن يزهو بهذا الرصيد لأنه الرصيد الذى يمنحه مكانه بارزة، ليس فقط بين زملاء نافذين فى البيروقراطية المصرية وقياديين فى قطاع رجال الأعمال ولكن أيضا بين أقرانه فى الحكومات العربية المتلهفة على إقامة علاقات مع إسرائيل، أو على الأقل التشبيك مع بعض أفرعها فى الداخل وفى الولايات المتحدة.

هذه الميزة التى لم تتوافر لوزير خارجية سابق تسمح للوزير الجديد بأن يقدم النصيحة لرؤسائه فى الجيش وخارجه وللرأى العام المصرى حول المكائد، التى تدبرها فى الوقت الحالى الأجهزة الإسرائيلية لتضييق الخناق على الثورة المصرية، ويستطيع، فيما نأمل، أن يستثمر خلاصة تجاربه وعلاقاته بزعماء الجالية الصهيونية فى الولايات المتحدة وقادة إسرائيل ليكشف للرأى العام العربى والعالمى بعض خفايا الدور، الذى لعبته إسرائيل فى السودان خاصة وأفريقيا عامة، ويحذر أجهزة الأمن المصرية من أشخاص أو جهات مصرية وعربية ربما تعاملت بشكل غير لائق وطنيا مع شخصيات وأجهزة إسرائيلية. يستطيع بدون شك الإسهام فى حل لغز صفقة الغاز واتفاقيات الكويز وربما استطاع فى مرحلة لاحقة تقديم تقرير «وطنى» شامل إلى الأمة المصرية عن تفاصيل الأسباب والظروف، التى دفعت بعض الإسرائيليين إلى اطلاق صفة كنز إسرائيل الاستراتيجى على نظام حسنى مبارك، وتقرير وطنى آخر عن عمالقة قطاع الأعمال، الذين تسببوا فى أضرار جسيمة لحقت بالاقتصاد المصرى خلال السنوات العشر الأخيرة.

أرحب به إن جاء كاشفا لخطط إسرائيل أو مستعدا لمشروع «ثورى» يهدف إلى إعادة النظر فى مجمل العلاقة المصرية الإسرائيلية. هذا الترحيب لا يحرمنى من حق تأييد تحفظ الزميل فهمى هويدى على تصريحات الوزير الجديد فى شأن ما يسعى لتحقيقه فى السياسة الخارجية المصرية. يقول الوزير إنه سيركز على رعاية مصالح المصريين فى الخارج، وإنه سيركز أيضا على الاستفادة من مصادر القوة الرخوة أو الناعمة فى ترسانة القوة المصرية. وبلغة الصحافة، يسمح لى الوزير الجديد، بأن ألفت نظره إلى أن الهدفين، الذين اختار الوزير التركيز عليهما قبل غيرهما ليسا «انفرادا مصريا» فى عالم الدبلوماسية. بمعنى آخر لا يستطيع الوزير أن يزعم أن مصر فى عهده ستنفرد بين أمم العالم بسياسة خارجية قوامها تقديم الرعاية لمواطنيها فى الخارج، وستنفرد بالاستخدام الأمثل لمصادر القوة الناعمة. ليسمح لى السيد الوزير أن أكرر هنا ما كتبت فيه مرارا عن أن رعاية المواطنين فى الخارج تصدرت منذ القدم قائمة مهام المبعوث الدبلوماسى. الفارق الوحيد بين وزارة خارجية فى دولة ووزارة خارجية فى دولة أخرى هو فى كفاءة أداء هذه الوظيفة. هى ليست من المهام، التى يمكن أن توجد فى عهد وتختفى فى عهد تال، وهى ليست بالمهام التى يمكن أن تؤديها وزارة أخرى غير وزارة الخارجية.

المنطق نفسه ينطبق على جزء آخر من تصريحات الوزير، وهو الجزء المتعلق باستخدامات القوة الناعمة المصرية. كان رأيى منذ أن إطلعت لأول مرة على الورقة، قبل أن تصبح مقالا، التى طور فيها البروفيسور جوزيف ناى فكرة القوة الرخوة فى السياسة الخارجية، وتقضى الأمانة القول بأن آخرين سبقوا ناى إلى الكتابة عن «مصادر القوة غير الملموسة» فى حسابات توازن القوى الدولى، ومنهم باحثون ومفكرون فى مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية كتبوا وتخصصوا بل تعمقوا فيها خلال عقد السبعينيات، أى قبل ناى بعقد أو أكثر.. وقد استهوت الفكرة كثيرين صاروا يستخدمونها لتبرير تقاعس الحكومات فى تقديم أفضل أداء للقوة المتكاملة، أى القوة الرخوة والصلبة معا، ويضعون على عاتق القوة الناعمة مسئولية تحقيق أهداف لا تقوى باى حال عن تحقيقها لوحدها، أى بدون دعم كامل من جانب مصادر القوة الصلبة.

تبقى حقيقة ناصعة ولا يصح تجاهلها أو الالتفاف حولها. إن مصادر القوة الناعمة لا توجد فى مخازن وزارة الخارجية ليسحب منها الوزير ما يشاء وقتما يشاء لتحقيق هدف أو آخر. هذه المصادر جميعها يخضع إنتاجها وتوليدها لظروف خارجة عن إرادة الدبلوماسية المصرية، بدءا بالمزاج الشعبى السائد فى مرحلة معينة وانتهاء بكفاءة منظومات القيم والثقافة والفن والبيئة والسلام الاجتماعى ووضع المرأة والاستقرار. السيد وزير الخارجية لا يستطيع مثلا أن يأمر بإرسال مائة أو أكثر من المدرسين أو الأطباء إلى دولة عربية لسبب بسيط يعرفه العامة قبل الخاصة، لتدنى مستوى الخريجين فى مصر. ولذلك يصبح تصرفا غير جائز أن يقوم وزير خارجية جاء إلى منصبه فى ظل عهد «ثورى» فيدلى بتصريح قد يدغدغ بعض المشاعر، ولكنه بالتأكيد لا ينفع فى تطوير سياستنا الخارجية لأنه لا يستند إلى الحقيقة.

أرحب بالوزير الجديد مع التحفظ، أما وقد رحبت ثم أيدت تحفظ آخرين يأتى الآن دور الإعلان عن تحفظى. أعرف أن الوقت مبكر للحكم على الوزير فقط من خلال رصيده السابق فى العمل الدبلوماسى. هذا الرصيد يجب أن يكون فى الحسبان ولكنه ليس كل شىء ولا يجب أن يكون.

إن ما يهمنا جميعا هو ان نسمع إجابة واضحة على سؤال معلق فى أذهان عديد من أفراد النخب السياسية ليس فقط فى مصر ولكن أيضا فى الإقليم وخارجه. أدعوه لأن يدلى ببيان واضح يحدد فيه المعالم الأساسية لسياسة مصر الخارجية، التى ينوى تنفيذها. أعرف أنه لا يوجد مجلس يسمى مجلس شعب يعود إليه ليأخذ موافقة ولا يوجد مجلس للأمن القومى يأخذ بتوصياته واقتراحاته وتعديلاته، وأعرف أنه توجد حالة «غير عادية» تفرض على الوزير الجديد مثله مثل غيره بالوزارة والمسئولين، العودة إلى الشعب ليخاطبه مباشرة ويشرح له سياسة بلده بكلمات واضحة وقليلة وصريحة، ويعلن فيه استعداده لتقبل النقد إذا أساء اختيار المواقف أو إذا كان قد وافق على مواقف هو غير مستعد لها بسبب خلفيته الدبلوماسية أو معتقداته السياسية أو علاقاته الاجتماعية بفئة معينة أو بأخرى.

أدعو الوزير الجديد للرد على سؤال يتردد فى كل مكان عن مدى إلتزامه بالمبادئ أو الأفكار أو السياسات التى أعلنها الوزير السابق فور تسلمه منصبه، وهى المبادئ والأفكار التى حصلت على دعم واسع وتلقائى من القطاع الشعبى الواسع الذى يصنع «الحالة غير العادية»، التى تعيش فيها مصر والعالم العربى الآن، وليت الوزير يضيف من عنده مبادئ وأفكار أخرى يرى أنها ضرورية لإقناع هذا القطاع، وهو الغالب بين الناس والحكم النهائى مهما طال الوقت بأنه سيكون خلفا جيدا لسلف جيد أو يراها ضرورية إلى حد استعداده للاصطدام بهذا القطاع وهذه الحالة.

<<<
سنكون فى انتظار رد الوزير، واقترح عليه أن يسرع، فهناك، فى قطاع يناضل سرا وعلنا من أجل عودة كل الأمور إلى ما كانت عليه، من غلبته الحماسة فكشف عن فرحته أمام حشد من جماعته فور إذاعة خبر تعيين الوزير الجديد بالقول: أبشروا فقد استرجعنا الخارجية.

أدعو الوزير ليسرع، فأخبار الحماسة التى الهبت قطاعا ضد الثورة كان الظن أنه انهزم وانحسرت قواه، تنتشر بسرعة وبانتشارها يتفاقم القلق وتزداد الأسئلة وتشتد الحاجة إلى إجابات عاجلة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved