مقهى على طريق الشام

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 7 سبتمبر 2011 - 12:49 م بتوقيت القاهرة

أعرفه منذ أيام رحلات الشباب المبكر. كنا فى تلك الأيام ننتهز كل فرصة تتيح لنا التعرف على تفاصيل وخصائص حياة الشعوب وبخاصة الشقيقة منها. كنا، بعد كل رحلة، نكتشف أننا لم نحصل على ما فيه الكفاية من كل شىء ومن أى شىء، فنقرر أن نعود.

 

كان الطريق الذى يربط بين بيروت ودمشق، والمعروف بطريق الشام، مسلكنا نسلكه فى رحلاتنا إلى حلب ودير الزور ودرعا وإربد أو هبوطا إلى عمان وميناء العقبة، أو انحرافا فى اتجاه الشرق إلى بغداد والبصرة.

 

 على جانب هذا الطريق، طريق الشام، وفى منتصفه تقريبا، تصطف مقاعد وطاولات أمام فرن يقدم فيه صاحبه للزائرين خبزا رقيقا مدهونا باللبنة الأصلية التى تشتهر بها سهول منطقة البقاع، وبعده القهوة المغلية، ليعود بعد دقائق فيضع عينات من الحلوى تفتح الشهية فيحلو الحديث ويتشعب وينضم للجلسة مشاركا بالكلام عابر سبيل من أهل البلدة ومسافر قادم من بيروت وآخر صاعد من دمشق.

 

عدت إلى المكان. توقفت ونزلت واخترت طاولة على طرف المدخل وجلست أنتظر. كنت اعرف أنها دقائق معدودة ويصل الخبز المرقوق المحشو باللبنة الرائعة، وكنت اعرف أيضا أن جلستى قد تطول فى انتظار مسافرين قادمين من سوريا عبر بوابة «المصنع» فى الطريق إلى بيروت. لم أذهب إلى هناك هذه المرة لارتاح من عناء سفر لم يكتمل، أو للتزود بقنينة مياه معدنية ترطب الفم أو لشراء أنواع نادرة من الزيتون حبا وزيتا، بل ذهبت لأقابل أصدقاء سوريين تواعدنا على لقاء، وكنا،  هم وأنا، فى شوق بالغ متبادل بيننا، خبرته وعززته السنون والعقود، وازداد عمقا ودفئا خلال شهور شهدت ارتطام طموح ثوار بوحشية حكام.

 

وقع اللقاء وتوسعت دوائره وتعددت الروايات، ومع كل رواية تحكى تسرى قشعريرة وتنهمر دموع غزيرة وتتشنج أصابع وترتعش شفاه. اكتشفت أن ما يصل إلينا من أخبار عن الوحشية التى تعامل بها النظام مع الشعب السورى لا تحكى القصة كاملة. عرفت أن جروحا كان فى ظنى أنها اندملت أو كادت تندمل، عادت فانفتحت وبعضها غائر وأكثرها امتلأ بالسم، سم الكراهية والغضب.

 

سعيت لهذه اللقاءات بحثا عن إجابات عن أسئلة لم أجدها عند كل من قابلت من السوريين ومن المتخصصين فى الشأن السورى وأفلحت فلاحا معقولا. فمن بين مظاهر الغضب والألم وتعابير خيبة الألم والرغبة فى الانتقام، استطعت أن أحصل على اجتهادات تكاد تشفى حاجتى إلى إجابات تمنيت أن تكون أوضح وأدق.

 

فباجتهادى الشخصى كان قد تنامى عندى الشك فى أن سكوت عقلاء العلويين لن يستمر طويلا. إن كل نقطة دم ينزفها مواطن على يد جندى أو «شبيح» تتحول الآن إلى كرة نار فى قلبه ضد نظام صفته أنه يمالئ العلويين ويخضع لسيطرتهم. خرجت من لقاء المقهى باجتهاد يكاد يرقى إلى مستوى اليقين، إذ قيل لى إن بعض أعضاء الحرس القديم من قيادات الجيش والاستخبارات الذين تركوا الخدمة فى آخر أيام حافظ الأسد أو بعد وفاته مباشرة، حاولوا أكثر من مرة إبلاغ القيادة السورية الراهنة أنها بممارساتها الوحشية وعنادها وجهلها بطبيعة السوريين والوضع الإقليمى، تمهد لكارثة بشرية تهدد سلامة السكان العلويين القاطنين فى جبال الشمال الغربى، وتهدد حياة ومصالح طبقة وسطى من النازحين العلويين الذين استطاعوا الاندماج فى الطبقة الوسطى العتيدة فى دمشق، سمعت عن جهود يبذلها قادة أعرفهم وأعرف تفاصيل العلاقات فيما بينهم، وأعرف عن امتداداتها الإقليمية والدولية، وسمعت أنه جرى قمع البعض منهم وتهديدهم بالطرد من حظيرة المنافع الاستثنائية.

 

ذهبت إلى اللقاء باجتهاد آخر كنت قد طرحته للاختبار على أصدقاء سوريين ولبنانيين، وهو أن أحد الأطراف الخاسرة بسبب الثورة السورية هو حزب الله اللبنانى. اختبرت الاجتهاد فى بيروت وخرجت مقتنعا بأن حزب الله لا يعيش أزهى عصوره هذه الأيام، لأسباب لا تتعلق مباشرة بالأزمة السورية، مثل الاتهام الموجه من المحكمة الدولية لأربعة من أعضائه فى قضية مقتل الحريرى، ومثل تحمله مسئولية فشل الإدارة الحكومية فى حل مشكلات المواطنين باعتباره حزبا مشاركا فى الحكومة، بل هو قائد لها وولى أمرها. يقول القادمون من دمشق أن جانبا كبيرا من دعم الشعب السورى للحزب تبخر عندما اكتشف مواطنون سوريون أن أفرادا من الحزب يقدمون العون القمعى والنصيحة لحكومة بشار الأسد ضد الثوار.

 

كنت أيضا قد اجتهدت فى أكثر من محاولة منذ نشوب الثورة فى درعا لفهم موقف الطبقة الوسطى الدمشقية، وإلى حد ما الحلبية، من ثورة الشعب فى سوريا وكدت أقتنع بأن الحكم البعثى فى سوريا نجح فى أن يكسب إلى صفه عائلات وجماعات فى هذه الطبقة عندما شجعها على تنمية ثرواتها بكل الأساليب المشروعة وكذلك الاستفادة من جميع سبل الالتواء والتهريب والعملات والانتفاع بعلاقات مع أفراد فى العائلة الحاكمة. هناك فى المقهى عرفت وتأكدت أن خلاصة اجتهادى لم تبتعد كثيرا عن الواقع خلال مرحلة بدايات الثورة، إلا أن الأيام الأخيرة تؤكد أن أفراد هذه الطبقة مثلها مثل أفراد عديدين من الحرس العلوى القديم باتوا يخشون على مستقبلهم ومصير ثرواتهم وعائلاتهم وعلى مستقبل سوريا بأسرها.

 

غابت الشمس، وكان لابد أن يواصل المسافرون سفرهم قبل حلول المساء خاصة وأن سحب منخفضة كثيفة بدأت تظهر على البعد وهى تهبط على الجبال الشامخة لتخيم على الطرق الجبلية الوعرة الموصلة إلى بيروت. ودعت صاحب المقهى وحملت زادى المعتاد وعدت إلى موقعى فى قرية من قرى الجبل فى انتظار زوار جدد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved