11 سبتمبر وأخطاء أمريكا المتكررة

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الخميس 7 سبتمبر 2017 - 10:05 م بتوقيت القاهرة

بعد 16 عاما على وقوع أحداث 11 سبتمبر ومقتل ما يقرب من 3 ألاف أمريكى على يد متطرفى تنظيم القاعدة، تبنى الرئيس دونالد ترامب استراتيجية تجاه أفغانستان لا تختلف جذريا عما تبناه الرئيس جورج بوش أو باراك أوباما خلال سنوات حكمهما الستة عشر. 
ادعى ترامب تبنى استراتيجية مختلفة بعدما أبدى فى البداية اعتراضه على أى انسحاب سريع من أطول حرب مسلحة تخوضها الولايات المتحدة. وقال ترامب قبل أسابيع قليلة إن موقفه الجديد يهدف إلى الحيلولة دون تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للمتشددين الإسلاميين الراغبين فى مهاجمة الولايات المتحدة، وأن تعزيز الوجود الأمريكى هناك كفيل بمنع حركة طالبان من الإطاحة بالحكومة التى تدعمها واشنطن فى كابول. واليوم تفقد واشنطن أى تعاطف عالمى معها فيما يتعلق بأفغانستان. 
وعلى الرغم من وجود تعاطف عالمى غير مسبوق مع الولايات المتحدة فور وقوع هجمات 11 سبتمبر، كان من مظاهره خروج عناوين الكثير من الصحف الأوروبية تقول «كلنا أمريكيون»، ولم يقتصر التعاطف العالمى على الأصدقاء فى القارة الأوروبية، بل امتد هذا التعاطف لمختلف أنحاء العالم، وخرجت جموع من الشعب الكوبى للتبرع بالدم للأمريكيين رغم الحصار الأمريكى، وتراث العداء بين الدولتين، كذلك قام الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات بالتبرع بدمه أمام شاشات التليفزيون رغم مرضه وكبر سنه.
إلا أن حظ أمريكا كان شديد السوء، فبدلا من وجود إدارة تستغل هذا التعاطف غير المسبوق من أجل تشكيل تحالف دولى لمواجهة تهديد تنظيم القاعدة حول العالم، كان هناك إدارة على رأسها جورج بوش وديك تشينى ودونالد رامسفيلد وجون أشكروفت فى البيت الأبيض، وقامت بدلا من ذلك بتخيير العالم إما مع أمريكا أو ضدها. وردا على هجمات 11 سبتمبر، اعتمدت إدارة بوش على استراتيجيتين أساسيتين سببتا عداء الكثير من الشعوب؛ الأولى تتعلق بمحاربة الإرهاب العالمى، وتمثل ذلك مع جر الشعب الأمريكى لحرب، رآها أغلبه مبررة، فى أفغانستان، وبعد أقل من ثلاث سنوات أوقعتهم ذات الإدارة فى حرب أخرى، رأتها الأغلبية غير مبررة، فى العراق. ومازالت أمريكا متورطة فى احتلال الدولتين بدون تحقيق أى مكاسب استراتيجية بخلاف القضاء على تنظيم القاعدة ككيان مؤسسى، وإن سمح ذلك بظهور وتمدد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».
ويعتقد الرئيس الحالى ترامب ودائرته المقربة أن بلادهم تقف منتصرة فى حربها العالمية على الإرهاب! إلا أن نظرة على حقائق الأوضاع داخل أفغانستان، وفشل حلف الناتو ومن أمامه واشنطن فى فرض الاستقرار والتنمية هناك، لا يشير إلى أى نجاح. أما العراق فقد أصبح يخضع لنفوذ إيرانى غير مسبوق، كما لم يسمح العراقيون للشركات الأمريكية بالسيطرة على قطاع النقط، واستغلال خيرات البلاد، كما كان يأمل الكثير من ساسة الولايات المتحدة. 
***
بعد رحيل إدارة بوش، جاء انتخاب رجل من أصول أفريقية وأصول مسلمة بمثابة أمل وخلاص للكثيرين داخل وخارج الولايات المتحدة. إلا أن واقع السياسة المر وقف مانعا أمام تحقيق وعد أوباما بإغلاق معتقل جوانتانامو، الذى قطعه على نفسه فى أول أيام حكمه، كما لم يستطع أوباما إنهاء الحرب فى أفغانستان ولا سحب كل القوات الأمريكية من العراق.
ويقف ادعاء الانتصار الأمريكى قاصرا عن تبرير ما آل إليه وضع الداخل الأمريكى، فحال الديمقراطية الأمريكية يجعلك تشعر أن هناك خطرا حقيقيا على هذه الأمة العظيمة. ولطالما افتخر الأمريكيون بديمقراطية بلادهم كونها أحد أنجح الديمقراطيات فى العالم، إلا أن انتخاب دونالد ترامب، ومن قبله رسوخ سجل ملفات التعذيب والسجون السرية ونقل المعتقلين قصرا، وهى أساليب تتبع منذ 11 سبتمبر، وهو ما يعارض نص التعديلين الخامس والسادس من وثيقة الحقوق التى تعتبر جزءا أساسيا من الدستور الأمريكى، وتقضى بعدم قانونية احتجاز أى شخص للاستجواب حول أى جريمة كبرى أو جريمة شائنة إلا بتقديم أو توجيه اتهام من هيئة المحلفين العليا.
سلوك واشنطن بعد 11 سبتمبر أضاع تعاطف العالم مع الولايات المتحدة، إلا أن واشنطن ضحت بذلك طمعا فى خدمة مصالح خارجية، ورغبتها فى تحقيق أمان داخلى. إلا أن انتخاب ترامب وسياساته الفاشية العنصرية، ومؤخرا استراتيجيته تجاه أفغانستان تؤكد الجزم بعدم تفهم واشنطن لطبيعة أفغانستان ولا لتاريخها، ولا لعقلية شعبها. 
من ناحية أخرى ترتبط أحداث 11 سبتمبر لدى ترامب بدور مزعوم للمملكة السعودية فيها على خلفية وجود 15 سعوديا ضمن الإرهابيين الـ 19 ممن نفذوا الهجمات. وقال ترامب إن مقتطفات تقرير لجنة تحقيق 11 سبتمبر، والذى أبقاه سريا الرئيس جورج بوش وأوباما من بعده قبل نشره قبل أسابيع، يظهر أن المملكة العربية السعودية، حليفة الولايات المتحدة، لعبت دورا مهما فى الهجمات الإرهابية على مركز التجارة العالمى. ثم أضاف فى حوار تليفزيونى مع محطة فوكس الإخبارية «لقد هاجمنا العراق ونحن كنا نعلم أنهم ليسوا من أسقط مركز التجارة العالمى». وذلك قبل أن يجعل ترامب السعودية ووجهته الخارجية الأولى بعد وصوله البيت الأبيض. وخلال الزيارة أغدق ترامب بالمديح على دور السعودية فى مكافحة الإرهاب.
***
وتجىء ذكرى 11 سبتمبر هذه العام والعالم يحبس أنفاسه بسبب السلوك غير المسئول من الرئيس ترامب تجاه أزمة كوريا الشمالية. ويصمم ترامب على ضرورة نزع الأسلحة النووية فى شبه الجزيرة الكورية كأولوية فى التعامل مع كوريا الشمالية. ولا يترك ترامب مناسبة إلا ويؤكد أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة» للتعامل مع كوريا الشمالية بما فيها العمل العسكرى، وتؤكد إدارة ترامب أن التفاوض مع نظام بيونج يانج ليس من ضمن أولوياتها الآن. تدرك واشنطن أن خيار الحرب والتدخل العسكرى ضد كوريا الشمالية غير مطروح وذلك لاستحالة تطبيقه دون وقوع مئات الآلاف من الضحايا من مواطنى كوريا الجنوبية واليابان. ورغم ذلك لا يتوقف ترامب عن التصعيد إما لأنه يسترضى قاعدته من القوميين الأمريكيين المتعصبة، أو أنه يخدم شركات السلاح الأمريكية التى ستبيع كوريا الجنوبية واليابان على أثرها أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات.
لكن فى النهاية على ترامب الاتعاظ من ذكرى 11 سبتمبر حيث إن جوهر السياسات التى أُتبعت بعدها توضح أن التدخل العسكرى الأمريكى فى افغانستان والعراق، لم يؤد إلا لمزيد من الفوضى والدمار مع عدم انتصار الولايات المتحدة فيهما.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved