خلجنة ولبننة وبلقنة!!

عبد العظيم حماد
عبد العظيم حماد

آخر تحديث: الخميس 7 ديسمبر 2017 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

يا له من أسبوع!! فى مصر وعموم العالم العربى.

الفريق أحمد شفيق يعلن ترشحه لانتخابات الرئاسة المصرية المقبلة، وما هى إلا ثمانى وأربعون ساعة حتى يأتى بصورة غامضة إلى القاهرة، فيما تبقى أسرته فى الإمارات الشقيقة.. إلى آخر القصة.

وفى يوم ترشح شفيق يصدر الرئيس الأسبق حسنى مبارك بيانا ينفى فيه أنه وافق على توطين الفلسطينيين فى سيناء، وذلك ردا على وثائق بريطانية، فيما قيل.

وبعد ثلاثة أيام تعلن وزارة الداخلية العثور على وزيرها الأسبق حبيب العادلى، الهارب من تنفيذ حكم بسجنه، منذ ستة أشهر، أو أكثر.

وفى العالم العربى: يفاجئنا الرئيس اليمنى المخلوع – والمقتول لاحقا ــ على عبدالله صالح بإذاعة وثيقة تثبت تحريض ملك السعودية الراحل فيصل البيت الأبيض الأمريكى على تشجيع إسرائيل على غزو سيناء واحتلالها، لإجبار الرئيس المصرى جمال عبدالناصر على سحب قواته من اليمن، وبعدها بأيام ينشق صالح على حلفائه الحوثيين داخل اليمن، ويعلن العودة للتحالف مع السعودية، ثم لم يكد يمضى يومان حتى يصرعه الحوثيون فى مشهد أذيع على العالم كله.

وسط ذلك كله يمضى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب (أحب الرؤساء الأمريكيين إلى قلوب معظم الحكام العرب) قدما فى خطة الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لاسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، فى سابقة سوف تقتدى بها بقية دول العالم المهمة وغير المهمة، ثم لا تجد الدول العربية ردا غير بيانات التحذير، وسط شعور بفرح كثير من حكامنا «فى عبهم» لأن سيد البيت الأبيض كلف خاطره الاتصال هاتفيا بكل منهم لإبلاغه بالقرار، حتى لا يسمعوه من وسائل الإعلام، مثلهم مثل بقية مواطنيهم، أما دعوة وزراء الخارجية للاجتماع فلن يسفر إلا عن بيان إبراء ذمة (أمام شعوبهم فقط لاغير)، أو لعله – وهذا هو الأصح – سيكون حيلة العاجز، ليس لأن اليد قصيرة فقط، ولكن لأن العين نفسها أصبحت غير بصيرة.

ما الذى يربط بين هذه الأحداث من القاهرة إلى أبوظبى و صنعاء، وواشنطن وبقية العواصم العربية، وكلها منغمس، إن لم يكن بالفعل المباشر الآنى، فبالأفعال السابقة واللاحقة؟

للإجابة نبدأ بنسبة الفضل لصاحبه، وهو السفير فتحى الشاذلى سفير مصر فى الرياض (فى تسعينيات القرن الماضى)، فهذا الدبلوماسى المثقف الشجاع هو القائل من قلب الرياض مركز خدمته «إن أخوف ما يخافه على مصر هو خلجنتها».

وقد كانت هذه العبارة أو النبوءة أو التحذير هى سبب إنهاء خدمته بأمر مباشر من حسنى مبارك شخصيا.

لعل الشاذلى كان يقصد بحديثه عن خلجنة مصر سيادة القيم الخليجية على ثقافتها، وهذا ما أتصوره، أى سيادة قيمة الثروة الريعية على قيمة العمل والانتاج والابتكار، أو سيادة قانون السلطة هى مصدر الثروة، باعتبار أن الحاكم هو «ولى النعم»، وربما كان يقصد أيضا نزول مصر عن مكانتها الريادية فى الإقليم، واستمتاعها بالتبعية لمركز ريادة أو قيادة جديد فى السعودية على وجه الخصوص، ومن يطمح من بقية حكام الخليج، أو لعل السفير الشاذلى كان يقصد كل ذلك، ومعانى أخرى، لم يسعفه قرار إنهاء خدمته لتوضيحها.

غير أن خلجنة مصر – التى حذر منها الرجل – كانت قد امتدت بالفعل إلى كثير من جوانب الحياه المصرية، وكانت متأهبة – فى الوقت الذى أطلق فيه هذا التحذير – للامتداد أكثر و أكثر فى بقية الجوانب.

فبالإضافة إلى مظاهر تلك الخلجنة التى ذكرناها توا، تبنت السياسة المصرية (منذ عصر السادات) الرؤية السعودية للعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولئن كان السادات يريد توظيف هذه الرؤية لتحرير سيناء، وتحقيق شىء من التوازن فى مواجهة التفوق الاستراتيجى الاسرائيلى المضمون أمريكيا، فقد أصبحت هذه الرؤية عقيدة مترسخة لسياسة حسنى مبارك، وبمقتضاها أصبح لواشنطن دور فى كل ما يجرى فى الداخل المصرى، تماما مثل بقية دول الخليج.

من مظاهر خلجنة مصر أيضا، استغراق السياسة فيها فى «المسرحة» أو اللقطة الاعلامية، حيث يغنى المظهر عن الجوهر، ومع أننا نعترف أن «المسرحة» هى جزء من اللعبة السياسية فى جميع دول العالم، بما فى ذلك أقوى الدول وأكثرها ديمقراطية، إلا أن المسرحة هنا تكون إخراجا انتقائيا فى الزمان والمكان والإيقاع والتكنيك لإنجاز حقيقى، أما المسرحة فى الحالة الخليجية التى امتدت إلى مصر، فإنها فى الأغلب الأعم بديل للإنجاز الحقيقى، ولا أظن القارئ اللبيب فى حاجة إلى ذكر أمثلة.

ومن هذه المظاهر أيضا الاعتقاد بقدرة المال على حل كل المشكلات، وبالطبع فقد قرأ كثيرون مثلما قرأت
ما هو منسوب لمبارك بانه كان يعتقد أن «رشوة» بعض رؤساء دول حوض النيل ببضعة ملايين من الدولارات تكفى لمنع إقرار اتفاقية عنتيبى، التى أسقطت شرط الإخطار والموافقة المسبقين من دول الحوض المعنية على أية مشروعات للرى تقيمها دولة أخرى فى أراضيها، وتؤثر على تلك الدول المعنية، وبالطبع أيضا نتذكر أن تلك الرشاوى لم تغن عن مصر شيئا عندما جد الجد.

فى هذه النقطة بالذات قد يكون مستساغا لنا ولغيرنا أن لا يعرف بعض أشقاءنا الخليجيين سلاحا فى سياستهم الخارجية (والداخلية) سلاحا غير المال والصفقات، لأنهم ببساطة لا يملكون من وسائل القوة الناعمة غيره، كما أنهم لا يملكون قوة خشنة يعتد بها، ولكن كيف يستساغ لمصر التى تملك (أو كانت تملك) رصيدا هائلا من القوة الناعمة بجميع صورها وغير المال طبعا، ورصيدا معتبرا من القوة الخشنة أن تدير سياستها الخارجية بمثل هذه الأداة البائسة، وأين؟ فى حوض النيل سبب وجودها، ومصدر حياتها.

يضاف إلى كل تلك المظاهر هذه الهيمنة الخليجية على كثير من أكشاك البحث ومنابر الاعلام والصحافة، ومراكز التأثير السياسى، بدءا من تحالف قطر مع جماعة الاخوان المسلمين، واستمرارا بالتحالفات الوطيدة حاليا على كل المستويات بين مصر الرسمية وغير الرسمية، وبين كل من السعودية والإمارات، وهذا هو السياق الذى تندرج فيه زوبعة ترشح الفريق أحمد شفيق، ومنعه من السفر إلى أوروبا، وعودته الغامضة إلى مصر، مع بقاء أو استبقاء أسرته، والمعنى أن الخلجنة فى مصر لم تبق فقط قيما منقولة بالعدوى أو بالاستيراد، أو مناهج عمل مستوحاة بالتقليد، ولكنها أصبحت فى صميم إدارة اللعبة السياسية فى مصر، بل وتفاصيل حياة يومية، فما أشبه قصة أحمد شفيق وعائلته بين أبوظبى والقاهرة، بقصة سعد الحريرى وعائلته بين الرياض وبيروت، مع فارق واحد هو أن الحريرى كان مرغوبا فيه فى لبنان، أما أحمد شفيق فليس مرغوبا فيه من بلده، ولم يعد مرغوبا فيه فى الإمارات.

ثم يأتى بيان مبارك الذى اعتبر كيديا، والعثور على العادلى ليطرحا سؤالا حول ما إذا كان تحرك شفيق منسقا مع رجال الرئيس الأسبق، دون اعتداد بحق الرأى العام فى معرفة ما يجرى، وكأنه صراع بين جناحين فى أسرة حاكمة. 

وعلى ذكر لبنان، فها هى الخلجنة قد جرت وراءها اللبننة، حيث يضعف مفهوم الدولة والقانون، ويسود الاستقطاب الطائفى أو المذهبى أو الفئوى أو العائلى، وتكون القوة المجردة من القانون هى صاحبة القول الفصل فى كثير من الأحيان، مع الاقرار الضمنى بهذا الوضع، فيكون لكل جماعة ميلشياتها وسلاحها، ولئن كان هذا هو الحال الآن فى سوريا وليبيا واليمن (التى تلاعب بها وبثورتها الخليجيون والمقتول على عبدالله صالح طويلا فاتحين أبوابها الخلفية للنفوذ الإيرانى)، وكذلك العراق المتماسك نسبيا الآن تحت هيمنة إيران، فالأخطر أن تقوم حكومات رسمية فى دولنا العربية الأخرى بهذا الدور الميلشياوى!!! وصولا إلى احتجاز رهائن.

هل يبقى بعد الخلجنة واللبننة إلا البلقنة؟

والبلقنة ليست فقط الاحتراب الداخلى، والصراع بين دول صغيرة متجاورة، والتقسيم وإعادة التقسيم، كما كان الحال فى شبه جزيرة البلقان قبيل الحرب العالمية الأولى، ولكنه أيضا تصادم مصالح ونفوذ وأطماع القوى الكبرى الإقليمية والدولية فى الاقليم نفسه، وهذا بالضبط حال مشرق العالم العربى وخليجه وجنوبه، حتى ليبيا، حيث تتصادم المصالح والمطامع ودوائر النفوذ الأمريكية والروسية والأوروبية، والإيرانية والتركية والاسرائيلية!! فوق كل شبر فى تلك المناطق.

أليست هذه هى أكثر لحظة مواتية لكى يفى دونالد ترامب بتعهداته لناخبيه فى اليمين الصهيوــ أمريكى بنقل السفارة إلى القدس، للانتقال إلى صفقة القرن.

إنها اللحظة التى اجتمعت فيها الخلجنة واللبننة والبلقنة لتجهز نهائيا على ما كان قد تولد من روح جديدة فى البلدان العربية فى شتاء وربيع 2011، وهى لحظة أندر وأثمن من أن يفرط فيها من يعرفون مصالحهم وطريقهم فى تل أبيب وواشنطن، وذلك قبل أن يستدير الزمان فتعصف ثورة جديدة بالاستبداد

العربيين، اللذين تخلقت منهما هذه الفرصة وغيرها، بل وتخلق منهما التطرف الدينى كنقيض أسوأ.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2017 ShoroukNews. All rights reserved