«حبا فى فينسينت».. الفن أطول من العمر!

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: الخميس 7 ديسمبر 2017 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

تعود الحياة من جديد إلى لوحات فان جوخ، تطير الغربان السود فى حقول القمح الذهبية، لا نرى اللوحات تشهد على عبقريته، أو تتحدث نيابة عنه فحسب، ولكنها تتحرك لتحكى قصة غيابه بالجسد، يصبح الفن شاهدا ورسولا فى الفيلم البديع «حبا فى فينسينت»، الذى عرض فى بانوراما الفيلم الأوروبى بدورتها العاشرة، فيلم تحريك بريطانى بولندى مشترك، يحمل طاقة حب لا نهاية لها، للفنان الهولندى الراحل.

مائة فنان انهمكوا فى رسم لوحات فان جوخ الزيتية بدقة مذهلة، صارت الأماكن المرسومة خلفية للأحداث، وأصبح أصحاب البورتريهات التى رسمها فان جوخ أبطال الحكاية، تحركت الصور الزيتية، فكان هذا العمل الاستثنائى، من إخراج دوروتا كوبيلا، وهيو ويلشمان.

إننا بالضبط أمام قصة وفاة فان جوخ، كما تحكيها وتعبر عنها لوحاته، وكأن التحقيق فى غيابه هو الحضور الكامل له من خلال أهم ما تركه: فنه الذى تعذب من أجل إنتاجه، ترك 800 لوحة لم يبع منها سوى لوحة واحدة فى حياته، بدأ الرسم فى الثامنة العشرين بتشجيع من شقيقه «ثيو»، دفع فان جوخ الثمن مرتين: مرة لأنه موهبة خارقة سبقت زمنها، بدأ فنانا تأثيريا ثم انطلق إلى حدود التعبيرية، ومرة ثانية لأنه عانى اضطرابا نفسيا دفعه إلى قطع أذنه، وإهدائها إلى إحدى الغانيات، كان فى الأصل شخصية حساسة، وحيدة، وتريد أن تكون شيئا، ظل دوما أسير فنه وموهبته من ناحية، ومرضه وحياته النفسية والاجتماعية المضطربة من ناحية أخرى.

فيلمنا الذكى، الذى يمكن اعتباره معرضا متحركا للوحات فان جوخ، يذكرنا فى بنائه بفيلم «المواطن كين»، حيث تتوالى الشهادات حول رجل غائب وصولا إلى ما يقترب من حقيقة ما جرى، ذلك أن ساعى البريد الذى تعود على نقل خطابات «فان جوخ» إلى أخيه «ثيو»، وهى خطابات عظيمة وملهمة، تبقى عنده خطاب وحيد لم يرسل، فبعث ابنه المتمرد العنيف حاملا الخطاب للبحث عن «ثيو» بعد وفاة «فينسينت»، ستكون هذه الحيلة الدرامية وسيلة للابن لكى يكتشف حقيقة «فان جوخ»، وكان الابن يراه طوال الوقت نكرة لا قيمة له، ولا يساوى اهتمام والده؛ ساعى البريد، به كفنان وإنسان.

يتركز البحث حول سر وفاة فاة فان جوخ، يتشكك ابن ساعى البريد فى حكاية انتحار فان جوخ، البعض يقول إنه شفى من اضطرابه، وصار هادئا ومستقرا، وكانت لديه رغبة حتى آخر لحظة قبل إطلاق النار على نفسه فى أن يرسم مزيدا من اللوحات، علاقة «فينسينت» المعقدة بطبيبه جوشيه ستحل لغز الوفاة.

الشخصيات الحقيقية التى رسمها فينسينت ستشهد على أيامه الأخيرة، أحداث الحاضر ملونة، ولقطات العودة إلى الماضى بالأبيض والأسود، نرى فينسينت مع «جوجان»، ومع شقيقه وصديقه وداعمه «ثيو»، نراه يتعرض للسخرية من أصدقائه، ونراه أيضا وهو طريح الفراش، بعد أن أطلق النار على نفسه، شاعرا أخيرا بأن غيابه قد يريح الجميع، ويريحه هو أولا، وقبل الجميع.
اللعبة هنا أقرب إلى الفحص البوليسى والإنسانى معا، وهى اكتشاف لفان جوخ من خلال عيون شاب لديه طاقة يبددها، ستتغير نظرة ابن ساعى البريد لهذا الفنان الذى أراد أن يكون شيئا، والذى عانى دائما شعورا بالإهمال والإحباط العاطفى، ساعى البريد أصر على إرسال آخر خطاب «حبا فى فينسينت»، وصناع الفيلم صنعوا من اللوحات حكاية «حبا فى فينسينت».

يبدو (الخطاب/الرسالة) أكثر من مجرد ورقة كتب عليها «فان جوخ» كلماته، تتحول هنا إلى تلخيص لرحلته بأكملها، لرؤيته عن الفن، ولإيمانه رغم الإحباط بأنه سيحقق ما يجعله أبعد ما يكون عن النكرات.

فى الفيلم سينوب الفن عن الفنان، وسيصبح الفن أطول بكثير من العمر، وسنكتشف أن معاناة الجسد والروح، رغم قسوتهما، كانتا قربانا بسيطا ومتواضعا فى معبد الخلود.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2017 ShoroukNews. All rights reserved