جيل القلق

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 8 يناير 2014 - 8:25 ص بتوقيت القاهرة

قال لى متخصص فى قضايا التربية إننا يجب ان نتوقع جيلا جديدا من الشباب شديد القلق. هذا القلق سوف ينعكس على السلوك الاجتماعى والسياسى للشباب، وبالتالى يؤثر على اختيارات المستقبل، لا اقصد فقط اختيارات كل شاب على حدة، ولكن، وهو الأهم، اختيارات الدولة والمجتمع لدور يؤديه هذا الجيل فى التنمية والريادة وحماية الوطن.

•••

يؤكد الصديق المتخصص أن قضية الجيل ــ القلق ــ التى يحذر من تفاقمها ليست مقصورة على مصر. هى إحدى أهم قضايا كل المجتمعات العربية وبخاصة الخليجية، وهى أيضا قضية الصين، وقضية كثير من المجتمعات الغربية. تهددنا فى مصر بأن تصبح قضيتنا الأساسية وبخاصة بعد ان استفحلت مؤشراتها وتعددت بوادرها، وبعد أن امتد العبث إلى كل ركن من أركان المجتمع المصرى وتوغل فى حياة كل فرد فيه.

•••

أسباب القلق عديدة ولا تحتاج إلى متخصصين وعلماء لسردها وشرحها. سبب واحد من هذه الأسباب كاف لتقدير حجم المشكلة فى المستقبل، وهو ان أطفال هذا الجيل لا يحصلون على انتباه الأهل الذى كان يحصل عليه آباؤهم وأجدادهم. نعرف عن تجربة شخصية أو مشاهدة عن بعد كم يعنى انتباه الأهل عن الأطفال، حتى الرضع منهم. لم أقابل طفلا أو اشتركت فى تربية طفل لم يصرخ بألم وحرقة فى اللحظة التى يشعر فيها بأن أمه توقفت عن الانتباه إليه. يبكى إذا تركته لتعد له طعاما أو ترتب فراشه أو تتحدث مع الهاتف. أذكر كيف كان أطفالنا يتأففون إذا تركناهم وانشغلنا زوجا وزوجة بالحديث فى أمر من أمور حياتنا، أو ركزنا اهتمامنا خلال الاستماع إلى الاذاعة أو لمشاهدة التليفزيون. أتحدث عن أيام لم يكن الآيباد والكمبيوتر قد دخلا بعد إلى غرف النوم وزاحما الأطفال باحتلالهما أو أيهما المكان الآمن بين أمه وأبيه أو فى حضنيهما.

•••

تغيرت عاداتنا وكان لابد ان يترك التغيير أثره على شخصيات أطفالنا وسلوكياتهم وطرق تفكيرهم. عندما يقضى الآباء والأمهات معظم ساعات فراغهم وجل انتباههم منصب على الفيسبوك والتويتر، فلا شك أن هذا القدر المبالغ فيه من الانتباه يأتى على حساب الأطفال. ولعل اسوأ ما يفعله الآباء والأمهات للتكفير عن هذا التعسف والظلم والأنانية المفرطة وهدرهم لحق أساسى من حقوق الطفل هو رشوة أطفالهم بإغراقهم بألعاب وأشغال الكترونية صنعت خصيصا لإشغالهم عن أهلهم والتعبير عن احتجاجهم بالصراخ أو التمرد وأحيانا بالامتناع عن تناول الطعام.

يزعم الأهل بأن هذه الأجهزة والألعاب الالكترونية تفيد عقول الأطفال وتشد انتباههم بعيدا عن مواطن الخطر فى البيت كالنوافذ والأبواب وأفران الغاز، ويزعم آخرون بأن الانشغال بالألعاب الالكترونية يعفى الأطفال من مشاهدة أو الاستماع إلى الاشتباكات السياسية والحامية غالبا التى صارت عادة من عادات العائلات المصرية ومصدرا جديدًا لخلافاتها. صارت هكذا منذ نشوب الثورة قبل ثلاث سنوات. هذه الاشتباكات اليومية بين الكبار قد تنتهى بدون خسائر جسيمة على اطرافها المباشرين ولكنها بالتأكيد تترك فى نفوس الأطفال جروحا لا تندمل بسهولة، مثل الميل فى سن المراهقة وما بعده للعنف الكلامى وأحيانا الجسدى والتعود على الصراخ عند النقاش، فضلا عن الآثار السلبية الناتجة عن هيمنة التوتر على أجواء العائلة بأكملها.

•••

اعترفت لى أم لطفلين، أنه بالرغم من أنها تقضى أوقاتا أطول فى المنزل بسبب مخاطر الخروج إلى الشارع ومظاهرات الإخوان ومشكلات المرور وتغول اللصوص من راكبى الدراجات البخارية وتجاوزات المتحرشين لجميع الأعراف المتحضرة لهذا النوع من النشاط الانسانى القديم قدم الخليقة، فإنها اكتشفت أنها تقضى وهى فى المنزل وقتا أطول مع الأجهزة الإلكترونية من الوقت الذى تقضيه مع أطفالها. صارت وزوجها كالغرباء بالنسبة لأطفالهما، لا يلتقون جماعة إلا لماما. وحين يحين موعد الالتقاء يدخل كل منهم وفى يده جهازه الإلكترونى. وعلى امتداد اللقاء لا أحد منهم منتبه حقيقة إلى وجود الآخرين.

كنت اسأل، ومازلت اسأل، عن نوع وطبيعة وحقيقة الأهل الذين ألقوا بأطفالهم فى الميادين والشوارع يلقون بالحجارة ويصابون بالخرطوش وضيق التنفس. هؤلاء الأطفال هم اليوم أكبر سنا، أى أن بعضهم أصبح من المراهقين اليافعين. هم، ومئات جدد، خرجوا ويخرجون إلى الشارع لأسباب عديدة بينها الفقر وتدهور حال المسكن وسوء المعاملة، ولكن فى صدارتها انعدام أو نقص فى انتباه الأهل إلى وجود أطفال فى العائلة فى حاجة للرعاية والعطف وأحضان بريئة.

•••

انبهرت، أكثر من مرة، بالجهود التى تقوم بها جمعيات أهلية لتعويض بعض أطفال الشوارع عن الحرمان من الانتباه والعطف. يراهن القائمون على هذه الجمعيات على ما تبقى لدى الاطفال من براءة. وأكثرهم يعترف ان المهمة شاقة، فطبقات القسوة التى تكونت ثم تراكمت فى نفسية هؤلاء الأطفال قضت أو كادت تقضى على أى رصيد متبقٍ من براءة لم يحاول الآباء والأمهات تنميتها.

•••

جرت تجارب، يقال إن بعضها نجح، لتحل الدولة محل الأهل بالنسبة لهؤلاء الأطفال. نجحت نسبيا فى تونس ودول بأمريكا الجنوبية تجربة تجنيد المراهقين فى مهنة الأمن بنوعيه الداخلى والخارجى بإدخالهم مدارس فنية شبه عسكرية أو بتدريبهم على حفظ الأمن وتنظيم المرور. قد لا يكون الحنان والعطف بين السمات الطيبة التى يتمتع بها القائمون على هذه المدارس والمعسكرات، ولكن المؤكد أن بعض هذه التجارب اثبت كفاءة فى التعامل مع جوانب القسوة والشذوذ والعنف التى خلفها تقصير الأهل فى الاهتمام بأطفالهم وعدم الانتباه إلى حاجتهم إلى الحب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved