نحو مؤتمر أول للسياسة الخارجية المصرية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 8 يناير 2015 - 7:55 ص بتوقيت القاهرة

فى قمة الأمريكيتين التى انعقدت فى قرطاجنة بكولومبيا فى عام 2012، صوتت جميع دول أمريكا اللاتينية والكاريبية باستثناء الولايات المتحدة لصالح حضور كوبا القمة التالية. وقبل أسابيع قليلة أعلنت بنما الدولة المضيفة للقمة القادمة أنها بدأت التحضيرات لعقد هذه القمة فى أبريل 2015.

وبعد صدور الإعلان بأيام صرح نورييجا رئيس نيكاراجوا بأنه لن يشارك فى قمة بنما إذا لم تشارك فيها كوبا. وفى تصريح مثير خرج خوان مانويل سانتوس رئيس دولة كولومبيا عن عادته إدلاء تصريحات هادئة، قائلا «لا كوبا.. لا قمة»، وعلى ضوء هذه المواقف الجادة والحازمة وافقت أمريكا على حضور كوبا لأول مرة أعمال قمة الدول الأمريكية.

•••

كان 17 ديسمبر يوما استثنائيا فى تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية. ففى ذلك اليوم عقد الرئيس باراك أوباما مؤتمرا صحفيا ليعلن بنص كلماته فشل السياسة الأمريكية المتعلقة بكوبا. كان يقصد فشل سياسات الحصار الاقتصادى والدبلوماسى، وسياسات عزل كوبا عن محيطها الإقليمى.

قرار أوباما ليس قرارا عاديا فى السياسة الخارجية الأمريكية. وصفه أحد المعلقين بأنه أقرب شبها بقرار الرئيس رتشارد نيكسون الانفتاح على الصين الشعبية وإقامة علاقات كاملة معها. لم يحدث فى الحالتين أن قدم الطرف الآخر، أى الصين وكوبا، تنازلات فى مواقفه أو سياساته. كان أمل المسئولين الأمريكيين هو أن يدفع الحصار الدولتين إلى تغيير عقيدتهما السياسية والانصياع التام للإرادة والهيمنة الأمريكية. بالنسبة لكوبا كان هناك قصد آخر وهو أن تكون كوبا درسا ماثلا لكل دول أمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبى.

•••

لا تشغلنى كثيرا التطورات الإقليمية التى اجتمعت لتفرض على الرئيس أوباما تغيير سياسته الخارجية فى شأن كوبا. يشغلنى أكثر السياق الدولى الذى جرى فيه اتخاذ هذا القرار. القرار فى أبسط صوره يعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية صارت أكثر استعدادا من أى وقت مضى لإدخال تغييرات مهمة على سياساتها الخارجية. يحدث هذا فى وقت تشهد فيه دول كثيرة فى العالم تغييرات مهمة فى توجهاتها الخارجية.

كنا قبل أيام قليلة نناقش أعمال المؤتمر الثانى للسياسة الخارجية الذى عقده الحزب الشيوعى الصينى. ناقشنا أيضا احتمالات التغيير والبدائل المطروحة على المسئولين عن صنع السياسة الخارجية الصينية فى السنوات القليلة المقبلة. كنت ومازلت عند رأيى بضرورة أن تولى المؤسسات البحثية والأكاديمية فى مصر، ناهيك عن وزارات الخارجية وأجهزة الاستخبارات والتحليل السياسى، اهتماما خاصا للتطورات التى تحدث فى السياسة الخارجية للصين. أدعوها كذلك للاهتمام ببدائل رد الفعل لدى الأطراف الدولية الأخرى. ليس سرا أن كثيرين صاروا يتوقعون تغييرات قد يؤدى بعضها إلى تحولات جذرية فى النظام الدولى عموما وتحولات عميقة فى وظائف وأساليب عمل المؤسسات الدولية المختلفة، وفى مقدمتها منظمة الأمم المتحدة.

لم تكن الصين الدولة الوحيدة التى قررت إدخال تغييرات على سياساتها الخارجية. نعرف أن الولايات المتحدة سبقت الصين فى هذا المجال. بل أن إدارة أوباما تستحق أن يسجل لصالحها، أو ربما ضد صالحها، إنه العهد الذى حمل على عاتقه مسئولية إعداد أمريكا لمرحلة ما بعد «هيمنة الغرب». يصعب على متخصص فى دراسة العلاقات بين الدول إنكار حجم وعمق التغيرات فى السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، ابتداء من تخفيض المسئوليات الخارجية الكبرى وتقليل الإنفاق العسكرى والتراوح الفاضح بين قضايا التزام الديمقراطية وحقوق الإنسان من ناحية وقضايا الأمن والاستقرار من ناحية أخرى، هذا بالإضافة إلى الانسحابات المتدرجة ولكن الواسعة من منطقة الشرق الأوسط، وانتهاء بجهود تصعيد إيران دولة إقليمية يعتد بها فى صنع توازن أمنى إقليمى جديد.

•••

تابعنا صعود مودى إلى سدة الحكم فى نيودلهى. أعترف أننى كنت أحد الناس الذين لم يتصوروا أن الهند بمؤسساتها العريقة، وبخاصة فى السياسة الخارجية، سوف تقبل ببساطة، أن يقوم مودى وتحالفاته الدينية بإدخال تغييرات جوهرية فى هذه السياسة. تشير مؤشرات عديدة إلى أن مودى حقق فى شهور قليلة من التغيير فى السياسة الخارجية الهندية ما لم تجرؤ على تحقيقه حكومات حزب المؤتمر التى حكمت الهند على امتداد عقود. جرى هذا التغيير فى سياق ما صار يعرف بالقرن الآسيوى. أصبحت أغلب دول آسيا، ومعها استراليا، تفكر بعقل مختلف وبرؤى مستنيرة وشديدة الواقعية إلى وضع إقليمى ودولى سريع التغيير. كثيرة هى التغييرات فى سياسات دول آسيا وبخاصة الهند وكثير من هذه السياسات نضج عبر السنين فى غرف البحث والعصف الفكرى، وأنا هنا لا أتجاوز الحقيقة عندما أقرر أنه بفضل هذا النشاط المتميز لعقول متخصصة فى صنع السياسة الخارجية أن الهند استطاعت فى عهد الرئيس مودى أن تتصرف «كدولة كبرى محتملة»، وأن العالم الخارجى صار يعترف لها بهذه الصفة.

•••

هذا عن السياسة الخارجية للصين وأمريكا والهند وكوبا، والقائمة تطول. إذ تتغير مثلا السياسة الخارجية الإيرانية بأسرع كثيرا مما تصور الأمريكيون فى بداية مفاوضاتهم أنه سيحدث. وتتغير السياسة الخارجية التركية بإيقاع غير منتظم أساء إلى مكانتها الدولية، أكثر مما أساء إلى مكانتها الإقليمية، تلك المكانة التى خطط لها الحزب الإسلامى الحاكم لتكون أساس شعار «صفر مشاكل». ولا شك عندى فى أن أطرافا مهمة فى الحزب الحاكم تضغط من أجل سياسة خارجية واقعية، وأن التغيير قادم.

•••

كذلك فإن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل التغيير الملموس الذى شمل أوجه العديد من دبلوماسيات دول مجلس التعاون الخليجى. لا أريد أن أبالغ بالقول بأن ثورات الربيع كانت دافعا للتغيير فى كثير من منظومات السياسة الخارجية فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولكن أعتقد أنها مازالت تشكل الركن الأساسى وراء الجهود المبذولة حاليا لرسم مستقبلات للعمل السياسى الإقليمى والدولى، وأصر على أنها تقف وراء الحركة المحمومة فى مجال تنظيم علاقات مصر الدولية.

•••

لا أستطيع مجرد تصور أن يستمر العمل بأساليب وأدوات السياسة الخارجية المصرية فى عهد مبارك. لا أستطيع أن أحلم بالعودة إلى أهداف وأساليب عهود انقضت وأنسى أن السياسة المصرية الراهنة محاطة، وأيضا مخترقة، ببؤر ثورية، وبتغيرات جوهرية فى مكانة دول فى الجوار وفى توازنات القوة داخل النظام العربى. لا أستطيع أن أمكث ساكنا بينما ينهض فريق آسيوى على درجة مثلى من الكفاءة والحداثة والعلم وعلى رأس أهدافه إزاحة الغرب عن كاهل الشعوب وإعلان نهاية تاريخه العتيد فى السيطرة والهيمنة.

من هنا، يزداد اقتناعى بأنه تنتظر مصر ثورة فى منظومة السياسة الخارجية المصرية. تنتظرها ثورة أرادت أو رفضت أجهزتها التقليدية ومؤسساتها المتشبثة بعهود واساليب انتهت جميع آجالها الافتراضية. لا تكفى المعالجة الدقيقة والتغييرات الشكلية والجهود الصادقة إذا لم يوجد رابط يربطها ورؤية تلم أطرافها. ستبقى السياسة الخارجية المصرية، إن استمر الوضع على ما هو عليه، مجرد حاصل جمع جهود طيبة، لعلاج أوضاع متفرقة أو مواجهة حالات بعينها. هذه الجهود يستنزف أغلبها فى خلافات بين أجهزة ومؤسسات وتدخلات مدمرة أحيانا من جانب عناصر ومصالح وولاءات فى وسائط الإعلام.

سيبقى الجهد مبعثرا ما لم تتشكل منظومة حديثة للسياسة الخارجية، نواتها رؤية ناضجة وواقعية لمصر والإقليم والعالم، وتديرها خبرات دبلوماسية مدربة تدريبا عاليا كما فى الصين والهند والبرازيل وكفاءات استخباراتية راقية المستوى وقيادات مجتمع مدنى متطور ذهنيا وسياسيا، ومنفتح على العالم الخارجى.

•••

سياسة مصر الخارجية فى حاجة ماسة إلى مؤتمر عام يعلو فيه صوت الخبرة والنقد على أصوات الدعم والتأييد، صادقة كانت أم منافقة. يحتاج المؤتمر إلى تحضير جيد، مستبعدا من المشاركة فيه عناصر التهويل والتطرف الفكرى وأصحاب الأيدى المرتعشة بحكم السن أو الخوف من الجهر بالرأى، ومرحبا بكل رأى من متخصص، وحريصا على أن تنتهى أعماله بترسيم واضح للحدود بين مؤسسات الدولة، لمنع تكرار حالات «الموت السريرى» الذى دخلت فيه بعض أجهزة الدولة وسياساتها فى عصر مبارك. هذه المأساة سببها التدخلات غير الصحية من جانب أفراد ومؤسسات لا علاقة مباشرة لهم أو لها بالسياسة الدولية.

•••

فليكن المؤتمر المصرى الأول للسياسة الخارجية إنجازا آخر من إنجازات ثورة يناير، تنتقل به مصر من عصر إلى عصر، وتنضم به، كخطوة أولى، إلى قائمة القوى الاقليمية المحتملة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved