رسالة إلى الأمين العام نبيل العربى: ذهبت الجامعة العربية إلى نيويورك ولم تعد

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 8 فبراير 2012 - 9:05 ص بتوقيت القاهرة

لا بد من التأكيد، بداية، على أن الكتابة عن رحلة الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى مجلس الأمن، الأسبوع الماضى، لكى يقدم شهادته حول المأساة الدموية التى تعصف بسوريا، لا تقصد التشهير بالسيد نبيل العربى، وإن أكدت الاعتراض على المهمة ذاتها، بظروفها وملابساتها و«رئيس الوفد» الذى اقترحها وقادها فى الذهاب من القاهرة والإياب إليها.

 

فالرحلة، أصلا، فى تقدير جمهور المهتمين بكرامة الأمة، وكرامة الجامعة كمؤسسة، ثم أمينها العام، لم يكن لها ما يبررها، وبالتالى ما يعود بالنفع على الجامعة ذاتها.. بل إن الشواهد جميعا، وأخطرها السابقة التى تورط فى إنجازها «السلف الصالح» السيد عمرو موسى، كانت تؤكد أن الرحلة مصدر أذى بالغ، ولعله مدمر، على دور جامعة الدول العربية، أو ما تبقى لها من دور..

 

فذهاب الجامعة بشخص أمينها العام إلى نيويورك سيفضح عجزها عن أداء مهمتها، وسيحولها بالتالى إلى شاهد زور، بل وإلى مدعٍ عام بلا وكالة فعلية عن طرف غير ذى صفة، لا يملك أن يفوضه، خصوصا بعدما أثبت عجزه عن أن يكون مرجعية لحل يجترحه ويفرضه بما له سلطة معنوية، فكيف وقد تحول إلى طرف فى الخصومة عندما أخرج «الدولة السورية» من مقعدها فيها، وهى بين مؤسسيها يوم لم يكن للشيخ حمد دولة من غاز.

 

ثم إن السيد الأمين العام، الذى لا موقع له فى المنظمة الدولية، ولا دور له فى الاجتماع الاستثنائى الذى نظم من دون الحاجة إلى موافقته، قد تحدث بوصفه ضيفا إنما جاء ليؤكد ــ بصفته المعنوية ــ مطالعة الاتهامات التى أدلى بها رئيس الدورة القطرى، وبالتالى فقد تبدى فى موقع التابع لا المتبوع، خصوصا أنه ــ بروتوكوليا ــ بموقع وزير، فى حين أن القطرى هو برتبة رئيس وزراء، فضلا عن كونه رئيس الدورة.

 

هذا كله فى الشكل، أما فى المضمون فليس مجلس الأمن المرجعية الرسمية للأمة العربية، سياسيا وثقافيا وأمنيا واقتصاديا، يذهب إليه من هو فى موقع المرجع ليرفع إليه تقريره!

 

وفى المضمون أيضا فليس مجلس الأمن الدولى هو المرجعية الشرعية المعتمدة لأى نزاع داخلى، أو ظهور تمرد شعبى، أو طغيان نظام، وإلا لما وجد مجلس الأمن فائض وقت يكفى للنظر فى الصراعات شبه المتواترة بين أنظمة الحكم العربية وشعوبها، والتى بلغت ذروتها فتفجرت ثورات شعبية متلاحقة على مدىالعام، فأسقطت أنظمة عاتية بعضها تجاوز فى الحكم أربعة عقود، وبعضها ثلاثة عقود وأكثر، وبعضها عقدان ونصف العقد.. قبل أن نصل إلى النظام السورى.

 

●●●

 

ونأتى إلى مجلس الأمن والمواقع الحاكمة فيه: هل من الضرورى شرح مدى التعاطف مع الأمة العربية جميعا، ومع قضاياها، على امتداد تاريخ عرض تلك القضايا على هذا المجلس، منذ عرض قضية فلسطين لأول مرة 1948، وحتى الأمس القريب وحين بلغ التهافت بالمسئولين عن القضية حد المطالبة بإعلان ما تبقى من فلسطين مشروع «دولة» لمن تبقى من أهلها فوق ما تبقى من أرضهم لهم فيها؟!

 

وهل كان يتخيل الدكتور نبيل العربى، وهو الأخبر بالمنظمات الدولية، وأحد المميزين من المفاوضين بالقانون لاستنقاذ الحق التاريخى لمصر فى حدودها مع فلسطين التى لم تعد فلسطين، انه كان يذهب إلى «مجلس حقوق الإنسان» ــ مثلا ــ لكى يطالب لشعب سوريا بشىء من حرية العمل والزواج والهجرة؟

 

لا يمكن أن يوجه إلى هذا الخبير المميز فى القانون الدولى، وفى المؤسسات الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة، الاتهام بأنه لا يعرف صلاحيات مجلس الأمن.

 

كذلك فلا يمكن لأحد أن يتهم الأمين العام بأنه لا يعرف مواقع القوى الحاكمة فى هذا المجلس، فضلا عن «عواطف» هذه القوى تجاه العرب عموما، وبالذات منهم من مازال يرفض عقد صلح منفرد مع العدو الإسرائيلى، بمعزل عن قراءة النوايا لتبرير هذا الرفض.

 

وإذا ما كانت لحمد بن جاسم ودولته العظمى، ولأطراف عربية أخرى، حسابات خصومة أو منافسة أو عداوة مستجدة مع سوريا، فالمؤكد أن الأمين العام لجامعة الدول العربية ليس مثقلا بمثل هذه الخصومة او العداوة، بل المؤكد أن الأمين العام قد بذل جهدا طيبا فى محاولة إيجاد مدخل إلى الحل، وكانت ملامحه قد بدأت تؤشر إلى احتمال أن يتطور فى الاتجاه الصح، حين وقع الهجوم الخليجى المضاد وتم سحب المراقبين الخليجيين، ثم اندفعت السعودية بشخص وزير خارجيتها إلى لقاء وفد المعارضة، فى القاهرة، وان أخّرت الاعتراف لأنه «يكون بين دول».

 

●●●

 

فى المقابل، فإن النظام السورى قد توغل فى استخدام العنف ضد مواطنيه بأكثر مما يجوز، ولا ينفع فى تبرير ذلك كل ما قيل ويقال الآن عن عصابات مسلحة تزودها جهات خارجية بالسلاح والمال والمعلومات والصور الميدانية، وتوفر لها تسهيلات حيوية عند حدود سوريا مع الأردن ولبنان وبعض العراق، إضافة إلى الرعاية التركية الرسمية لمؤتمرات المعارضة ولبعض المنشقين من الضباط والجنود السوريين، وبذرائع طائفية.

 

ثم إن النظام السورى قد أكثر من الوعود بالإصلاح ثم صار يرجئ مواعيد التنفيذ او يقدم مقترحات جزئية، أو يعيد ربط كل بند بشرط لا تملك جامعة الدول العربية القدرة على الإيفاء به إلا عبر رعايتها موضوع الحوار، وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحه التى يفترض أن يقدمها النظام.

 

وبالتأكيد فإن مسئولية النظام عما آلت إليه الأحوال فى سوريا خطيرة جدا، ويمكن للأمين العام لجامعة الدول العربية أن يتهمه بأنه لم يسهل له شروط نجاح مهمته.

 

كل ذلك يمكن أن يكون مفهوما، ويمكن أن يزيد من تقدير الجهد الذى بذله الأمين العام، شخصيا، فى مناخ غير ودى تجاه النظام السورى، بعضه لأسباب سياسية مفهومة ولها مقدمات علنية (معظم دول الخليج، لاسيما بعدما جهرت السعودية بموقف الاعتراض على استمرار النظام).. لكن ثمة دولا أخرى بدلت موقفها بغير سابق إنذار، ولأسباب لا تتصل من قريب أو بعيد بمشاهد القتل اليومى أو تدمير المؤسسات. فإذا أضفنا إلى هؤلاء تلك الدول الفقيرة إلى حد الإملاق والتى ترى فى «أصواتها» مصدرا للثروة، فتبيعها بالثمن لمن يدفع، لتأكدت «هوية» الأكثرية وطبيعة القرار «العربى».

 

لكن تلك الملاحظات جميعا تتهاوى أمام منظر الأمين العام فى مجلس الأمن، وهو يدلى بمرافعة يفترض أنه يعرف جيدا أن المستفيدين الأساسيين منها لن يكونوا ضحايا بطش النظام فى سوريا، بل الذين انقلبوا ــ ذات ليل ــ من موقع حلفائه وأصدقائه الحميمين بناة القصور فى حماة إلى خصوم الدار، تصيب عداوتهم سوريا بشعبها ودولتها، قبل أن تصيب النظام وأهله.

 

لقد أطلق السيد الأمين العام رصاصة الرحمة على جامعة الدول العربية.

 

وقف أمام مجلس الأمن الدولى ليعلن نهاية هذه المؤسسة العريقة التى تعكس حال دولها، كل بقدرتها على التأثير، والأغنى أعظم تأثيرا حتى لو كان شعبها الأصغر.

 

●●●

 

والحقيقة أن الجامعة العربية قد فقدت بل أفقدت هذا الدور منذ أن أعجزها خروج دولها عليها منذ عهد بعيد، ربما يمكن التأريخ لها بلحظة خروج النظام المصرى على ميثاقها وعلى دورها الجامع، عندما اختار أن يذهب إلى الصلح المنفرد مع العدو الإسرائيلى، مفتتحا تاريخا جديدا من الانفراد بالقرار، سرعان ما التحق به أعضاء آخرون.

 

ثم تكرر الخروج من الجامعة وعليها، فكان غزو صدام حسين الكويت، فى صيف 1990، ثم الانشقاق العربى عبر حرب الخليج الثانية، التى مهدت بالنتيجة للاحتلال الأمريكى للعراق 2003.

 

وكانت تلك بالذات لحظة خروج دول مجلس التعاون الخليجى من الجامعة، التى لم تعد هذه الدول تلتزم بمرجعيتها.. بل هى صارت تستخدمها لتمرير سياساتها المحكومة بمصالحها وخصوماتها وعداواتها التى لم تكن دائما بريئة، ولا هى كانت تستهدف إعادة صياغة الغد العربى بما يتناسب مع طموحات أهل هذه الأرض.

 

صار مجلس التعاون الخليجى يتعامل مع الجامعة كدائرة تصديق على قراراته، أما سياساته فقد استقل بها تماما، مفضلا الارتباط بمراكز مصالحه، وهى الولايات المتحدة الأمريكية أساسا، ومن بعدها أوروبا.. ولا مانع من تخفيف العداء مع إسرائيل طالما تم تظهير عدو مهيب جديد هو إيران الإسلامية.

 

وإلى ما قبل سنة واحدة كان النظام السورى، طالما أن الحديث عن سوريا، يكاد يكون «الصديق الحميم»، يتناوب القادة الخليجيون على زيارة دمشق، وأحيانا يقصدون حلب، وبعضهم اللاذقية.. وثمة من اشترى بيوتا أو قبل بيوتا هدية.

 

●●●

 

وصحيح أن المسئولية عن حالة الفوضى الدموية السائدة فى سوريا الآن، والتى تتهددها فى وحدتها الوطنية، والتى ضربت إمكان تقدمها إلى حيث تستحق، إنما يتحملها النظام، أولا وأساسا، لكن الذهاب إلى مجلس الأمن قد أضر بالأمة العربية جميعا، وأساء إلى صورة جامعتها، من غير أن يقدم أى نفع لقضية سوريا الدولة والشعب.

 

ومن أسف أن الخطوة الناقصة التى أقدم عليها الدكتور نبيل العربى قد أساءت إلى دور الجامعة العربية وصورتها، من دون أن تقدم نفعا لسوريا، الدولة والشعب.. والمعارضة ضمنا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved