لاس مـالـفيـناس

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الإثنين 9 أبريل 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

جزيرتان كبيرتان تحيط بهما 776 جزيرة صغيرة، ألقت بها الطبيعة فى مياه جنوب المحيط الأطلسى على مسافة من شاطئ الأرجنتين الشرقى تبلغ 250 ميلا بحريا، يقيم عليها ما يزيد قليلا على ثلاثة آلاف نسمة من أصول بريطانية وفرنسية واسكندنافية، يشتغلون بتربية الأغنام وصيد الأسماك، فى طقس شديد البرودة. هاتان الجزيرتان والجزر التى تجرى فى فلكيهما تصدرت الصفحات الأولى فى الصحافة البريطانية والأرجنتينية وعديد الصحف الإسبانية والأمريكية، بمناسبة الذكرى الثلاثين لحرب نشبت بين بريطانيا والأرجنتين فى عام 1982، وخرجت منها القوات الأرجنتينية بهزيمة ساحقة بعد أن فقد البريطانيون 255 جنديا ومات 649 جنديا أرجنتينيا بالإضافة إلى ثلاثة مدنيين من سكان الجزر.

 

●●●

 

عشت قريبا من هذه الجزر حين كان النضال ضد الاستعمار على أشده فى جميع قارات العالم الجنوبى، وشاركت مرات فى مهرجانات خطابية، نقابية وحزبية، نددت فيها كما كان يندد المتظاهرون، بالسياسات الاستعمارية التى دأبت على انتهاجها بريطانيا والولايات المتحدة، وأيدت مطالب الغالبية العظمى من شعب الأرجنتين بعودة هذه الجزر إلى الوطن الأم، إلى الأرجنتين.

 

لم تشغلنى كثيرا حقيقة أن هذه الجزر لم يستوطنها أرجنتينيون، بينما استوطنها برتغاليون وإسبان وفرنسيون وعدد من سكان جبل طارق وشبه جزيرة اسكندينافيا. كان أول من نزل فيها، حسب أساطير عصر الاستكشاف، قبطان إنجليزى يدعى جون سترونج فى عام 1690، وهو الذى أطلق اسم «صوت الفولكلاند» على القناة البحرية التى تفصل بين الجزيرتين الكبيرتين نسبة إلى كونت إقليم فولكلاند الذى تحمل تكلفة رحلة سترونج الاستكشافية. وعندما وصل المستوطنون الفرنسيون فى عام 1764 أطلقوا على الجزر اسم Malouines Lesنسبة إلى جزيرة فرنسية أتوا منها واسمها Melo. St. ومن الاسم الفرنسى اشتق المستكشفون الإسبان تعبير Malvinas Las وهو الاسم الذى يعشقه الأرجنتينيون، ويكرهه البريطانيون ويعتبرونه «دعاية خبيثة ودعابة سخيفة» ويفضلون عليه اسم جزر الفولكلاند.

 

●●●

 

التاريخ لا يسند مطلب الأرجنتين «استعادة» الجزر، وإن كان هناك طرف يسنده التاريخ فهو الطرف البريطانى الذى يستطيع إثبات أنه أدار شئون الجزر بصفة مستمرة وبدون انقطاع منذ عام 1833، وأنه استخدم ميناء ستانلى عاصمة الجزر كقاعدة بحرية كان لها الفضل الكبير فى النصر الذى حققته البحرية البريطانية فى معركة نهر الفضة Rio de la Plata، أحد أهم معارك الحرب العالمية الثانية.

 

أما الجغرافيا، فهى بالتأكيد لا تسند مطلب أى من طرفى النزاع. إذ ان الجزر تقع بعيدة عن الجزر البريطانية بآلاف الأميال، وتقع خارج حيز المائتى ميل بحرى من شاطئ الأرجنتين. كذلك لا تخدم الأرجنتين الطبيعة الديموغرافية للجزر، حيث لا يوجد من السكان إلا نفر ضئيل من أصول إسبانية أو أرجنتينية، والأغلبية الساحقة اختارت فى استفتاء أن تظل خاضعة للتاج البريطانى.

 

●●●

 

الاحتفالات الجارية فى كلتا الدولتين، بريطانيا والأرجنتين، بالذكرى الثلاثين لحرب الفوكلاند، أتاحت لى مرة أخرى فرصة التفكير فى خطورة الدور الذى يمكن أن يلعبه نظام حكم فاشل لتغطية فشله، وفرصة لتجديد اقتناعى بأن مهنة القادة العسكريين هى الحرب ولا شىء آخر. السياسة والاقتصاد وإدارة المحليات والشركات لا تقع ضمن برامج تدريبهم وحقول تجاربهم. ولن تقع.

 

كان العسكريون يتولون الحكم فى الأرجنتين عندما قرر الرئيس الجنرال «ليوبولدو جالتيرى» غزو جزر المالفيناس اعتمادا ربما على أن امرأة كانت تجلس فى مقعد رئيس الوزراء فى بريطانيا، وأن هذه المرأة قررت فرض التقشف فى الإنفاق وسحب قوات من قواعد عسكرية فى الخارج. تصور الرئيس الجنرال أنه لو احتل الجزر وفرض الأمر الواقع لحقق لنفسه شعبية تعوض عن سوء أداء النظام العسكرى الحاكم.

 

كان الغضب فى الشارع الأرجنتينى قد بلغ مدى بعيدا بسبب الحملة الوحشية التى شنها العسكريون على الطلبة والشباب وعديد المثقفين وراح ضحيتها عشرة آلاف من الشبان، اتهمهم النظام بخيانة الوطن وممارسة الإرهاب لمجرد أنهم طالبوا بالديمقراطية ومحاربة الفساد وعودة القادة العسكريين إلى جنودهم وثكناتهم.. وقد أخطأ جالتيرى وزملاؤه حين تصوروا أنهم بهذا العمل الجنونى، غزو جزر المالفيناس (الفولكلاند) سيشعلون نيران الوطنية فى نفوس الشعب فيكسبون سنوات إضافية فى الحكم.

 

هناك ما يقترب من الإجماع بين المؤرخين وعلماء الحرب والسياسة على أن القوات المسلحة الأرجنتينية لم تكن مؤهلة لحرب من أى نوع وبخاصة مع بريطانيا وقت التخطيط لغزو الجزر. دفعتهم لهذه القناعة عوامل كثيرة من بينها على سبيل المثال، أولا، أن القادة العسكريين قضوا سنوات عديدة سابقة على الغزو فى العمل السياسى بعيدا عن ممارسة مهنة الحرب والدفاع. هذه المهنة تحتاج من العاملين فيها التفرغ المطلق للتدريب العسكرى والتجديد فى علوم القتال. مهنة بحكم طبيعتها تتطلب العمل أربع وعشرين ساعة فى كل يوم من أيام الأسبوع السبعة. ثانيا: دخلت القوات المسلحة فى عمليات هى من اختصاص الأمن الداخلى حين نزلت إلى شوارع المدن وحواريها وعشوائياتها تطارد الشبان وتغتصب الفتيات وارتكبت جرائم أشد وحشية من الجرائم التى ارتكبها الحكام العسكريون فى شيلى. ثالثا: لم يهتم العسكريون بتحسين صورتهم، وهى الصورة التى انعكست فى نفسية الجنود وصغار الضباط والرأى العام، الأمر الذى عجل بالهزيمة.

 

●●●

 

أراقب منذ فترة أداء السيدة كريستينا فرنانديز رئيسة الأرجنتين، أراقبها منذ كانت زوجة رئيس جمهورية وقفت إلى جانبه خلال مرضه الطويل، ثم بعد أن فازت بجدارة فى الانتخابات للرئاسة. تابعت خطتها للاحتفال بالذكرى الثلاثين للحرب مع بريطانيا منبهرا بكفاءتها وقدرتها على حشد التأييد الدولى وراء الدعوة لاستئناف المفاوضات السلمية مع حكومة بريطانيا للتوصل إلى حل يلبى مشاعر الأرجنتين الوطنية ويحفظ كرامة البريطانيين ويحقق السلام فى جنوب المحيط الأطلسى.

 

أدت كريستينا أداء حسنا إلا أنها بالغت، هى ومن سبقوها فى منصب الرئاسة مثل كارلوس منعم وزوجها كيرشنر، فى معاقبة الجيش على ما فعله بالشعب الأرجنتينى خلال سنوات هيمنته على الحكم. إذ بينما رأينا حكومات ما بعد بينوشيه فى شيلى وما بعد الديكتاتورية العسكرية فى البرازيل تعمل لتحسين صورة الجيشين وتعيد تسليحهما نكتشف خلال الاحتفالات الجارية حاليا بذكر حرب المالفيناس أن الجيش الأرجنتينى ما زال منذ هزيمته فى أسوأ حال. قرأت لمن يكتب فى هذه المناسبة عن أن الجيش الأرجنتينى يشكو أنه لم يتمكن من الاشتراك فى العرض العسكرى الذى كان مزمعا إقامته بمناسبة مرور مائتى عام على الاستقلال خشية أن تتعطل دباباته العتيقة فى الطريق العام. أسوأ من هذه الشكوى ما جاء على لسان ضابط كبير فى سلاح الطيران حين قال إن طائرات السلاح الجوى لا تصلح إلا «لتدريب الطيارين على العمليات الانتحارية Kamikaz». لا غرابة، خاصة إذا عرفنا أن الحكومات المدنية التى جاءت إلى الحكم بعد هزيمة الجيش الأرجنتينى، أى بعد عام 1982، انتقمت من القوات المسلحة بتخفيض ميزانية الدفاع مما يعادل 3% من الدخل القومى إلى ما لا يزيد عما يعادل 21.0.%.

 

●●●

 

تصالحت شعوب فى أمريكا اللاتينية مع جيوشها ولم يتصالح شعب الأرجنتين مع جيشه. وفى اعتقادى أنه وضع لن يطول ويجب ألا يطول رغم تفهمى لأسبابه وتعاطفى مع عائلات الضحايا ومع شعب عاش مقهورا. يجب ألا يطول هذا الوضع لأن استمرار تدهور حالة المؤسسة العسكرية الأرجنتينية يعنى تفاقم أوضاع الأمن على الحدود التى وقعت بالفعل تحت سيطرة عصابات الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والأسلحة. ويعنى أيضا، وهو الأخطر، خلخلة ميزان القوى العسكرية فى جنوب القارة حيث استعاد جيشا البرازيل وشيلى قوتهما بينما يستمر تدهور قوة الجيش الأرجنتينى.

 

مازال هناك فى معين أمريكا اللاتينية كنوز من الدروس المفيدة للشرق الأوسط.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved