الابنة الشرعية للطبقة الراقية

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الجمعة 8 مايو 2015 - 9:15 ص بتوقيت القاهرة

غالبية المصريين تقريبا علقوا على فيديو السيدة ياسمين النرش فى مطار القاهرة وتهجمها على ضابط شرطة السياحة «الوديع». كنت قررت ألا أكتب فى الموضوع لأن الجميع أشبعه كتابة وسخرية.

لكنى فوجئت أن كثيرين مندهشون جدا من تصرفها الذى اعتبروه سوقيا. معظمهم يسأل: كيف تتصرف سيدة تنتمى إلى طبقة راقية بهذه الطريقة التى رأيناها فى الفيديو ؟!.

المدهش هو دهشة هؤلاء المندهشين، لأنهم يتصرفون وكأنهم مستشرقون، لا يعيشون بيننا حينما يتحدثون عن الشعب.

لست عالما للاجتماع، أو خبير استطلاعات رأى عام، لكن أزعم أننى أعيش وسط الناس، واختلطت بنماذج متعددة من المجتمع.

هؤلاء المندهشون يبدو انهم لم يقرأوا ما كتبه أساتذة علم الاجتماع أو الدكتور جلال أمين، عن التغيرات الجذرية التى عصفت بالمجتمع منذ أكثر من ٤٠ عاما وحتى هذه اللحظة.

أغلب الظن أن لدينا تمنيات للصورة النموذجية التى نتمناها لمصر وطبقاتها. لدينا صورة نمطية تخيلية للطبقة الراقية مستمدة من الصورة التى كانت سائدة فى الأربعينيات والخمسينيات، وإلى حد ما فى الستينيات. هذه الصورة كنا نقرأها فى الروايات ونشاهدها فى الأفلام، حتى جاء الانفتاح الاقتصادى فى عام ١٩٧٤، وقلب كل المعادلات والمصطلحات رأسا على عقب.

ورغم ذلك فإن الانهيار الذى ضرب ويضرب منظومة القيم الآن جعل البعض يتحسر على ما كنا ننتقده فى السبعينيات والثمانينيات للدرجة التى جعلت البعض يعتذر للمطرب الشعبى أحمد عدوية، عندما رأوا النماذج الفجة فى الثمانينيات، ثم يعتذرون لحسن الأسمر لأنهم رأوا ما هو اكثر ايغالا فى الشعبية بعد الألفية الجديدة.

أكره التعميم والتنميط، لكن هناك مؤشرات كثيرة تقول ان فيروس العشوائية الذى ضرب المجتمع المصرى فى كل شىء ــ من المأكل والملبس إلى المسكن والسلوك ــ وصل إلى الطبقة الراقية، وبالتالى فإن الفروق فى السلوك الاجتماعى صارت ضئيلة بين معظم الطبقات.

جرب ان تستمع أو تشاهد بعض سلوكيات المجتمع الذى نطلق عليه راقيا، ستكتشف انه لا يختلف كثيرا عما يجرى فى أشد الحارات العشوائية فجاجة، لكن الأخيرة لا تخلو أحيانا من جدعنة وشهامة أولاد البلد.

لدينا بقايا طبقة وسطى تجاهد لتحافظ على نفسها، ولدينا افراد يمكن ان نصفهم بالرقى، لكن لا توجد لدينا طبقة راقية بالمفهوم الاجتماعى.

فى الخناقات التى تحدث أحيانا فى كافيتريات وأندية وكباريهات الكبار، لا تشعر بالمرة أنهم كبار، صاروا ينافسون الأكثر وضاعة وانحطاطا، والسبب ان معظمهم فى الأصل ليسوا كبارا وكل ما يملكونه من صفات الكبار هو المال الذى جاء سهلا.

كنا نسمع فى الماضى لقب «ده ابن وزير أو مستشار أو رجل اعمال» دلالة على الرقى، لكن فى عصر مبارك رأينا بعض هؤلاء ينافسون سلوكيات أبناء حوش بردق سابقا، يسبون ويشتمون ويتعاطون المخدرات ويضربون بعض مساعديهم أو العمال فى الشارع أو أثناء الجولات الميدانية بـ«الشلوت»، ولو جلست معهم لدقائق فلن تتصور للحظة أن هذا الشخص كان وزيرا.

كانت صورة المستشار لدينا مرادفة لكل ما هو محترم ومهذب، صرنا نرى نماذج، لم تقرأ كتابا حتى فى القانون، لا يعرفون كيف ينطقون جملة سليمة أو يكتبون مرافعة، والأخطر حينما يتشاجرون لا يمكنك ان تتصور للحظة أنه مستشار.

المسألة ببساطة ان نوعية التعليم الذى نتعلمه حتى لو كان فى اغلى المدارس، والإعلام الذى نقرأه أو نشاهده، والأفلام التى نراها، لا يمكنها ــ فى معظمها ــ إلا أن تنتج هذه النوعية من المواطنين العشوائيين.

وبالتالى فإن الحقيقة المجردة تقول إن السيدة ياسمين النرش هى ابنة شرعية لمرحلة مبارك التى عشناها ونعيشها، وهى ابنة شرعية جدا للطبقة التى نقول انها راقية والحقيقة انها ليست كذلك.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved