قبل وثائق ويكيليكس وبعدها.. أهل النظام العربى (يحتمون) بالفتنة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 8 ديسمبر 2010 - 9:29 ص بتوقيت القاهرة

 لم يفاجأ الرعايا العرب كثيرا بما كشفته الوثائق التى أذاعها موقع ويكيليكس من فضائح وانحرافات وتورط يدانى الخيانة ارتكبها معظم أهل النظام العربى، مشرقا ومغربا، فى ما يتصل بقضاياهم القومية وأولها وأعظمها قداسة فلسطين، وكذلك بمسائلهم الداخلية وعلى رأسها الموقف من نظام الحكم واستطرادا الديمقراطية وسائر حقوق الإنسان.

كان الرعايا العرب يقرأون فى واقعهم ما هو أبشع وأفظع مما كشفته تلك الوثائق التى تجلت فيها الغطرسة الإمبراطورية عند الإدارة الأمريكية واستهانتها ليس فقط بالأعراف والتقاليد والأصول فى العلاقات بين «الدول الأخرى» كبيرة وصغيرة، صديقة ومحايدة، فضلا عن تلك المصنفة فى «محور الشر»، بل احتقارها للشعوب عموما وشطبها من دائرة التأثير والتعامل معها بمنطق أردأ من ذلك الذى تعتمده معها أنظمة البطش التى تحكمها وتتحكم فى حاضرها ومستقبلها.

لم يكن أى من الرعايا العرب بحاجة إلى أدلة، من خارج ما يعرف، عن الخضوع المطلق لأهل النظام العربى للقرار الأمريكى.. فقد تعاظم التقارب بين التابع والمتبوع حتى تماهت المواقف تماما مع القرار الإسرائيلى فى سنوات ما بعد معاهدات الصلح المنفرد و«الانفتاح» العربى الرسمى على دولة العدو.

وليس سرا إن نفوذ إسرائيل قد تمدد موسعا المدى أمام شبكة هيمنتها العالمية نتيجة انقلاب حقيقى فى الموقف العربى، إذ تحول العديد من أهل النظام العربى، وبلسان فلسطينى، من طلب الدعم لقضيتهم العادلة، إلى مطالبة الأصدقاء التاريخيين كالصين والهند والعديد من دول عدم الانحياز، بتوثيق العلاقات مع إسرائيل، لاستخدام نفوذهم عليها ــ من بعد ــ من اجل التسوية السلمية. وهكذا مكن هؤلاء «العدو» من اكتساب مواقع جديدة لنفوذه مما جعل «السلطة» تبدو مستوحدة وضعيفة بلا نصير ولا مجال أمامها غير الاستسلام والمزيد من الاستسلام للشروط الإسرائيلية.

كذلك لم يكن أى من الرعايا العرب بحاجة إلى أدلة جديدة عن الصفقة الملعونة التى عقدها أهل النظام العربى مع الإدارة الأمريكية تحت عنوان: «نحن نؤمن لك مصالحكم (وأولها وآخرها أمن إسرائيل) فى منطقتنا، بشرط أن تتركوا لنا حرية التصرف مع رعايانا، فنحن اعرف بهم منكم، لذا لا تتدخلوا لنصرتهم علينا تحت لافتة حقوق الإنسان، ولا تحرضوهم ضدنا باسم الديمقراطية.. ودعونا نجرعهم الديمقراطية ــ كما فى حالة الدواء المر ــ على جرعات حتى لا تؤذيهم أو يعمدوا إلى تخريبها».

.. وها نحن قد فزنا بتنظيم مونديال 2022 وهزمنا إمبراطور العصر والأوان، أمريكا، فهل ما هو أعظم من هذا النصر؟ وهل يجوز تذكيرنا بإسرائيل لإفساد فرحة العمر بالانتصار التاريخى؟

ومن قبل نشر هذه الوثائق كان الرعايا العرب يعرفون، بإحساسهم وبقراءتهم الدقيقة لمواقف حكامهم ــ مهما اجتهد هؤلاء فى محاولة طمس مؤشرات التحول فيها ــ إن فلسطين قد أسقطت من حساباتهم، وان القضية المقدسة قد تحولت إلى موضوع للمقايضة: يفرطون بجوهرها، أى حقوق شعبها فيها، بقدر ما يضمنون استقرار أنظمتهم تحت الرعاية الأمريكية وبما يضمن عدم إقدام إسرائيل على إحراجهم مع شعوبهم التى لا تتقبل «الصلح» دفعة واحدة، بل لا بد من إعطائه بجرعات مدروسة، وعلى مهل، حتى لا تحصل ردود فعل مضادة تخرب المساعى والجهود تدفع الأنظمة ثمنها من وجودها ذاته، فتخسر إسرائيل مرتين!

وهكذا كان ضروريا اختراع «عدو» قومى جديد أو بديل فتم تعظيم خطر إيران كقوة دولية مشاغبة، تهدد أول ما تهدد جيرانها الأقربين، فضلا عن تهديدها امن إسرائيل، ومن ثم قواعد التوازن السائد فى «العالم الأمريكى» الآن، لاسيما وقد بات للولايات المتحدة الأمريكية مئات الألوف من الجنود (والمرتزقة العاملين لحسابهم، والموكلة إليهم الأعمال القذرة كالاغتيالات المدبرة لأحداث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد)، ينتشرون فى أربع رياح الأرض وان كان أكثرهم فى مناطق عربية.

فى هذه المعركة كان يمكن استخدام أسلحة كثيرة، أولها خطر «تصدير الثورة» إلى البلدان المجاورة، حيث تتولى الحكم قبيلة من قبائل عديدة، أو شريحة من شرائح عشيرة معينة بينما تقبع شرائح اكبر فى موقع « المعارضة الصامتة» فى انتظار «اللحظة المواتية»... والثورة إسلامية، إذن لا بد من نزع شعار الإسلام عنها بتوصيفها بأنها «حركة شيعية» مناهضة للأغلبية السنية فى المحيطين العربى والإسلامى.

ثم إن إيران «فارسية»، وبين العرب والفرس قديما حروب دموية ومنازعات كان بين أخطرها إسقاط الإمبراطورية، و«الاحتلال» العربى لتلك البلاد بسلاح الإسلام. وبالتالى لا بد من التركيز، بعد شيعية الثورة، على فارسية الإيرانيين.
بعد ذلك يأتى خطر السلاح النووى...

ومع إن استخدام هذا السلاح مستحيل مع دول صغيرة تتداخل حدودها مع إيران، فان تعظيم مخاطره يخدم مشروع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، خصوصا بعد تجربتها الناجحة فى احتلال العراق، ويخدم معه أيضا المشروع القاضى بفتح أبواب هذه المنطقة الغنية أرضها بمنابع الثروة والعاجزة دولها عن حماية ثرواتها، أمام «الحماية الإسرائيلية».

ماذا يمكن أن تقدم وثائق ويكيليكس من مؤشرات وبرقيات مرمزة اخطر فى وقائعها أو دلالاتها من الأمر الواقع؟

إيران هى العدو لا إسرائيل. وكل من يتصل بإيران أو ينشئ علاقات طبيعية معها هو حليف العدو. أما إسرائيل فتقف إلى جانب العرب، بل هى تتصدر صفوفهم، وتتقدم فى اتجاه الحرب على إيران، معززة بالتأييد الأمريكى المفتوح وبالمساندة العربية المضمونة: أليس عدو عدوى صديقى؟!

فإذا كانت إيران هى العدو وإسرائيل هى الصديق فأين تغدو فلسطين بأحلام الثورة والنضال من التحرير؟! وأين تغدو المقاومة ومجاهدوها من اجل استنقاذ حقوق الفلسطينيين فى أرضهم لتقوم عليها «دولتهم» العتيدة؟

وإذا كانت إيران «الفارسية» هى العدو، فأين يجب أن يقف العرب»؟.

وإذا كانت إيران «الشيعية» هى العدو، فمن الضرورى أن يبحث العرب- السنة عن حليف عظيم يتولى الدفاع عنهم وحفظ الدين الحنيف ومعه الثروة الهائلة ممثلة بالذهب الأسود ومعه الذهب الأبيض (الغاز)... ومن اقدر على أداء مثل هذه المهمة من الصديق الأمريكى الكبير ومعه الحليف الإسرائيلى الجديد، بالمصلحة وان لم يكن بالعقيدة؟!

وماذا يهم أن تعلن إسرائيل نفسها دولة يهودية ديمقراطية، وبين ان تفرض «يمين الولاء» على رعاياها، مهددة المليون ونصف المليون فلسطينى ممن تبقوا فى أرضهم الوطنية (فى الداخل)؟!

هل قالت هذه الوثائق التى انهمرت كالمطر على دول العالم، شيئا لا يعرفه الرعايا العرب عن أهل نظامهم العاصى على التغيير؟

هل كشفت ما لا يعرفه الرعايا عن تواطؤ أهل نظامهم مع الإمبراطورية الأمريكية فى احتلال العراق وفى تدمير دولته وتشريد شعبه بعد تحضير «المسرح» لفتنة طائفية ــ مذهبية ــ عنصرية، وتحضير المسرح لاشتباكات سياسية سرعان ما تنحدر إلى الشارع فتزيد من حدة الانقسام، بما يجعل الاحتلال مطلبا، حتى لو جاءت فى ركابه إسرائيل فصار لها مواقع نفوذ داخل ارض الرافدين؟!

هل كشفت ما لا يعرفه الرعايا عن المؤامرة الكبرى التى تم تنفيذها فى لبنان، عبر اغتيال رئيس الحكومة السابقة رفيق الحريرى، بما وفر المناخ المؤاتى «لطرد» سوريا من لبنان، بعد التشهير بشعبها وقيادتها وجيشها، ومن ثم لتوجيه الاتهام فى اتجاه المقاومة المجاهدة التى طردت الاحتلال الإسرائيلى الذى استمر لاثنين وعشرين سنة طويلة... وكل ذلك فى سياق التمهيد لتفجير فتنة طائفية (بين السنة والشيعة) فى لبنان، تشكل امتدادا للفتنة فى العراق ومددا لها، يساعد على تمددها فى أقطار الجزيرة والخليج وصولا إلى اليمن السعيد؟!

من قبل وثائق ويكيليكس ومن بعدها يعرف الرعايا العرب أن أهل النظام العربى يتآمرون على حرياتهم بتزوير الانتخابات، ويتآمرون على استقلال أوطانهم بإخضاع دولها للهيمنة الأمريكية ــ الإسرائيلية، ويتواطئون مع ناهبى الثروات ــ خارجيين ومحليين ــ على اقتصاد بلدانهم لإفقار شعوبهم وشل قدرتها عن فعل التغيير.

ومع أن الإحراج يقع أولا وأخيرا على الإدارة الأمريكية بمؤسساتها المختلفة، سياسية وإدارية واستخباراتية، فان واشنطن أعظم فى نظر أتباعها والخاضعين لهيمنتها من أن تحاسب أو تلام.

ها هى الإدارة الأمريكية تتابع التحريض على «خصومها»، وتعزيز تحالفها المفتوح مع إسرائيل إلى حد شطب حقوق الفلسطينيين فى أرضهم، برغم استرهان السلطة. ها هى ماضية فى فرض هيمنتها وكأن شيئا لم يكن... وها هم الرعايا العرب يندفعون ــ عبر التحريض الرسمى على مدار الساعة ــ إلى «فتنة كبرى» جديدة بين السنة والشيعة فيهم مرشحة للتمدد من حافة البحر الأبيض المتوسط فى لبنان إلى اليمن فى أقصى الجزيرة العربية، مرورا بالعراق المستباح والمدمرة دولته والمقسم شعبه طوائف وعناصر مقتتلة على السلطة الوهمية تحت الاحتلال الأمريكى الذى شغل العراقيين عنه بانقساماتهم الدموية مهددة الكيان جميعا.

والحال يكاد يكون هو ذاته فى لبنان...

أما إسرائيل فتغدو «دولة شقيقة» وحليفا استراتيجيا للعديد من أهل النظام العربى... فماذا فى ويكيليكس أكثر من هذه الفواجع القومية مجتمعة ؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved