خرافات

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 9 يناير 2013 - 9:48 ص بتوقيت القاهرة

درس بمصر قبل أربعين عاما، وعاد إليها الأسبوع الماضى، وخلال اللقاء المطول الذى جمعنا، لم يخفِ دهشته من تفاقم ظاهرة الاعتقاد فى الخرافات بين كثيرين من الذين قابلهم، وبينهم مسئولون وأساتذة جامعات وإعلاميون كبار. يقول إن الوضع لم يكن على هذا النحو خلال إقامته مع عائلته فى مصر.

 

استدرجنى للبحث معه عن أسباب الظاهرة. عرض تفسيرا قبلته بتحفظ، وهو أن العاصمة تحولت خلال الأربعين سنة إلى قرية كبيرة. انحسرت «المدينة» سلوكا وطباعا وأخلاقا وهيمنت «القرية» سلوكا ونظافة وسياسة. لم أعترض وإن بقيت أعتقد أن معظم التفاقم حدث خلال العامين الأخيرين، وإن عادت الجذور إلى خطة التصنيع فى الستينيات وحملة الترييف التى قادها الرئيس أنور السادات فى السبعينيات.

 

يبنى صديقى تفسيره على اعتقاد راسخ بأن ترييف العقل «الدينى» المصرى أمر واقع ولا عودة عنه. هو يعتقد أن الفتاوى العجيبة التى انتشرت كالنار فى الهشيم جزء أصيل فى مسئولية ترييف المدينة المصرية، لأنها «ريفت» ما يخص الدين فى الثقافة المصرية.

 

لا جدال فى أن هناك «صحوة عالمية» فى الخرافات والاعتقاد فيها، أراها منتعشة فى الصين كما فى فرنسا والولايات المتحدة، ومنتعشة إلى الذروة فى العالم الإسلامى، وأظن أن لهذا الانتعاش علاقة بالأزمة المالية الاقتصادية وارتباطا بالآثار المباشرة وغير المباشرة لمسيرة العولمة على جميع المجتمعات، ومنها هجرة عشرات الألوف من دول فى الجنوب إلى دول فى الشمال، وهجرة الملايين من ريف مصر والهند وغيرهما من دول الجنوب إلى عواصمها ومدنها، ومنها أيضا أزمة الحكم والسياسة التى دفعت ملوكا وأمراء ورؤساء إلى تشجيع تداول الخرافات لتتسلى بها الشعوب فتبتعد عنها.

 

 

الخرافات قديمة قدم حضارات البشرية، وكثير منها صمد فى وجه التحولات التاريخية العظمى مثل الأديان والاستعمار والهجرات. سألت وبحثت حتى تيقنت من أن خرافات عديدة موجودة بمضمونها ونصها فى أنحاء متباعدة من العالم. نجد مثلا خرافة «دق الخشب» لدرء الحسد منتشرة فى ثقاقات عديدة،  ويؤكد بعض المؤرخين أنها وجدت من قديم الزمن منذ أن اقتنع الناس بأن الأشجار تحمى الأرواح الطيبة. نجد أيضا خرافة القطط السوداء كنذير شؤم متوارثة منذ الحضارات القديمة، باستثناء الحضارة الفرعونية التى قدست القطط. نحن وغيرنا نعتقد أن تحطم المرآة مؤشر على بداية أيام أو سنوات عجاف، وهذه أيضا تعود إلى أيام الرومان والإغريق الذين اعتقدوا أن المرآة تسلب شيئا من روح من ينظر فيها.

 

 

كان لافتا للانتباه هذا الاهتمام الغريب الذى أولته شعوب عديدة فى الأيام الماضية إلى «خرافة» نهاية العالم. تقضى عقيدة «المايا» فى أمريكا الوسطى منذ مئات السنين باستحالة تعايش الإنسان مع الرقم 13، ولذلك تنبأوا بنهاية العالم قبل حلول 2013. لم ينفرد هنود أمريكا بهذ ا الاعتقاد بل كتب الكثيرون عبر التاريخ عن الرقم 13 وأسباب كراهية الشعوب له. قيل إن رواية العشاء الأخير ــ كما وردت فى الكتاب المقدس الذى شارك فيه مع السيد المسيح اثنا عشر من الحواريين ــ سبب من أسباب هذه الكراهية، وقيل إن أساطير شعوب الشمال الإسكندنافى تحكى حكاية مماثلة عن اجتماع عقدته الآلهة. شىء مماثل يقال عن خرافة التشاؤم من يوم الجمعة، وهى أيضا من الخرافات السائدة فى معظم الثقافات. يرجعونها إلى أن المسيح مات يوم جمعة، وأن آدم وحواء أخرجا من الجنة يوم جمعة. وطوفان نوح وقع يوم جمعة.

 

كثيرة الخرافات التى تشترك فى الاعتقاد فيها شعوب عديدة من ثقافات متباينة، خرافات مثل التشاؤم من طير يقف على شباك غرفة النوم، ومباركة إنسان يعطس، فالعطسة تطرد الشيطان، وفى قول آخر هى إعلان موت للحظة يتلوها مباشرة العودة للحياة، ومثل التفاؤل بخصلة شعر من طفل ولد لتوه.

 

 

نشرت صحيفة هيرالد تريبيون مؤخرا تحقيقا من تايلاند حول اعتقاد سائد بأن الكوارث يعقبها بالضرورة خير وفير. فالناس هناك تتبرك بمواقع الحوادث التى يذهب ضحيتها العشرات، حتى إنهم شيدوا كنيسة عند مفترق طرق وقعت فيه حادثة راح ضحيتها عديد من المارة. يزور المئات يوميا هذه الكنيسة ويتركون على جدرانها طلبات يتمنون أن تلبيها «أرواح» الذين قتلوا فى هذا المكان. يعتقد السياميون،  سكان تايلاند، أن هذه الأرواح يمكن أن تزورهم خلال نومهم وتملى عليهم أرقام أوراق «اليانصيب» الفائزة. لذلك تراهم يذهبون أفواجا إلى مواقع سقوط الطائرات واصطدام السيارات والقطارات ليحصلوا على رقم فى الحادث، رقم السيارة المحطمة أو عدد المصابين والقتلى لأنه سيكون حتما رقما سعيدا، وتزداد فرص الحظ كلما كانت الجريمة أبشع، فالجريمة البشعة تخلف «أرواحا» قوية قادرة على تنفيذ ما يطلب منها.

 

 

كتبت الزميلة آمال قرامى فى رسالتها الأسبوعية من تونس ونشرتها «الشروق» فى عدد الأمس عن مستوى النقاش بين نواب «التأسيسية» وعن المبادرات الهزلية التى يقترحها البعض منهم. تذكرت الخرافة السيامية وأنا أقرأ فى الرسالة أن إحدى النائبات عن حزب النهضة الحاكم اقترحت «بناء دار للشهيد يلتقى فيه الشهداء».  

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved