مستقبل العرب فى إقليم مضطرب

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 9 مارس 2016 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

أعرف أن نية الدكتور نبيل العربى، كانت قد استقرت منذ وقت غير قصير على الاعتذار عن الاستمرار لفترة ثانية فى موقعه، كأمين عام للجامعة العربية، وأنه فاتح بعض المسئولين العرب فى الأمر.

أعرف أيضا أنه فكر عديد المرات فى أن يتقدم بطلب إعفائه من المنصب. منعه عن فعل ذلك ما يمنع الكثيرين فى مثل ظروفه الشخصية وظروف العمل الذى التزم أداءه وآماله التى عقدها على تطوير ميثاق الجامعة. كنت أحد من توقعوا أنه عندما تحين الساعة، ساعة التجديد للأمين العام القائم أو الترشيح للقادم، فلن يكون فى معظم عواصم العرب من يهتم حقيقة بالموضوع. لم أكن أتنبأ، كنت فقط أراقب وأستمع وأسجل تفاصيل السلوك العربى على جميع مستوياته منذ أن وقع الزلزال، وأقصد ثورات ما عرف بالربيع العربى.

***
لم يكن خافيا، ولا هو خاف الآن، أن جهودا هائلة انصبت على هدف وأد الثورات وهى فى المهد انتفاضات، وملاحقتها أو مطاردتها بكل العنف الممكن وبكل الثروة المتاحة حتى لا تنضج وتثمر ثم تنتشر. لم يكن خافيا أيضا ولا هو خاف الآن أن «الأرض العربية» كما عرفناها قبل حلول الربيع العربى تغيرت، لا خلاف على أنها تشققت تحت أقدام القيادات الحاكمة، وأن «شيئا» ما جديد أو «أشياء» تنبت من داخل الشقوق.

لن نبكى على أطلال أو نجتر غضبا وأحزانا حين نعترف أن الأرض العربية كانت جاهزة للتشقق، وأن الربيع جاء ناعما أو عاصفا، كان سيؤدى إلى ما أدى إليه بالفعل أو أقل قليلا أو أكثر كثيرا. كنا قد توقفنا منذ زمن عن التفكير فى صلاح أو فساد نظام إقليمى أطلقنا عليه ببعض التجاوز وكثير من الطموح تعبير «النظام الإقليمى العربى». عشنا الفترة السابقة على نشوب ثورات الربيع شهودا على تجربة نظام إقليمى يتفسخ بإرادة طبقته الحاكمة وتحت وقع حملات مكثفة من داخل الإقليم ومن خارجه، تبشر أو تنذر بقرب قيام نظام بديل، وصفوه تارة بالإسلامى وتارة أخرى بالشرق أوسطى وتارة ثالثة بالنظام الفسيفسائى وتارة بتجمع الكونفيدراليات أو الفيدراليات العربية، وفجأة بدأنا نسمع بالنظام الإقليمى «السنى».

***
سمعنا عن تهيؤات واجتهادات عديدة لا رابط بين أكثرها. الشىء الملفت هو ما لم نسمعه. لم نسمع خلال سنوات تشقق الأرض تحت أقدام الطبقات الحاكمة عن فكرة أو اجتهاد يطرح مشروعا لنظام عربى جديد، أو يعرض نسخة منقحة للنظام العربى القائم، أو حتى تهيؤات عن نظام مركب من «نظم إقليمية عربية» فرعية. لم نسمع والمؤكد أنها لم تطرح والأسباب عديدة ومعروفة. أحد هذه الأسباب وأهمها من وجهة نظرى شخصيا، كان ولا يزال خلو الساحة الأكاديمية والسياسية العربية من «تكامليين» عرب بعد أن نجحت الطبقة الحاكمة والبيروقراطية العربية فى كل عاصمة ومؤسسة عربية خلال السنوات العشرين وربما الثلاثين الماضية، فى اجتثاث جذور التكامل العربى.

اختفى، أو كاد يختفى، أدب التكامل والاندماج. صرنا نخشى عواقب أن يتسلل إلى سطور ما نكتبه عبارة «أمة عربية واحدة». حضرت فى السنوات الأخيرة أكثر من ندوة ضمت سياسيين وأكاديميين ومفكرين، ظهر فيها واضحا ضعف حجة متحدث أو آخر تحدث عن قيم العروبة والوحدة العربية وتردد الغالبية فى الدفاع عنها، اندثر المفكرون التكامليون العرب، ومن لم يسمح لنفسه بالاندثار أصابه الإحباط أو راح يدرس تجارب تكامليين فى أقاليم أخرى ويزود التكامليين فيها بمساهمات الآباء المؤسسين لفكر التكامل والاندماج العربى.

***
الحديث عن ضعف الأمل فى صحوة قريبة لجامعة الدول العربية، هو حديث عن ضعف الأمل فى صحوة قريبة للنظام الإقليمى العربى بأسره، صحوة فى الفكر المؤسسى له، وفى صلاحية مؤسساته جميعا وليس فقط فى صلاحية الجامعة العربية.
أعجز أحيانا عن فهم الدعوة إلى القبول بالأمر الواقع والبناء فوقه. وفى محاولات متواصلة للفهم عرضت مع آخرين فكرة استدعاء أكبر عدد ممكن من البيروقراطيين العرب، ومطالبتهم بصياغة التكليف الذى يمكن أن يصدر عن القمة العربية القادمة للأمين العام الجديد متضمنا قائمة بترتيب جديد للقضايا التى يجب عليه أن يهتم بها قبل غيرها. تصورت أننا من خلال ردود هؤلاء البيروقراطيين والمفكرين وبخاصة النافذين منهم فى دوائر صنع السياسة فى بلادهم، قد يكون ممكنا لنا أن نتعرف على بعض ملامح مستقبل النظام الإقليمى الذى يتمنون ويسعون إليه. فى ظنى، وأرجو أن يخيب هذا الظن، أنه لن يكون بين بنود التكليف بندا يتعلق بإنشاء قوة «عربية» موحدة لحماية أمن الإقليم. لن تكون العروبة صفة مشروطة لقوات الأمن «الإقليمى»، بمعنى آخر لن يكون من حق الأمين العام قيادة هذه القوة أو أن تعمل تحت إشراف أجهزة جامعة الدول العربية.

فى ظنى أيضا، وأرجو أن يخيب هذا الظن أيضا، أن لن يكون بين بنود التكليف بندا ينص على ضرورة تعديل ميثاق الجامعة العربية بما يسمح بدرجة أعلى وأقوى من الاندماج فى نواحى العمل العربى المشترك، مثل انتقال رءوس الأموال والعمالة وإقامة المشروعات المشتركة. لن يكون هناك فى التكليف شرط التزام الأمين العام أو الجامعة العربية بصيانة حقوق الانسان العربى والدفاع عنها والتدخل فعليا لكشف الظلم والقمع باعتبارهما مسئولين مباشرة عن سلامة الاستقرار والأمن الإقليمى.

***
ما زال هناك فى عالمنا العربى من يحلم بأن الفرصة لم تختف تماما. هناك من يعتقد أن الخلل تفاقم بحيث أصبح واجبا على القمة العربية القادمة تكليف الأمين العام ودعوة كبار رجال ونساء القانون الدولى، إعادة النظر فى قاعدة التصويت فى مجلس الجامعة بكل مستوياته حتى القمة، بحيث تصدر القرارات متناسبة مع التفاوت فى أحجام الدول الأعضاء وثرواتها. لدينا فى عالم اليوم ما يجعلنا أكثر وعيا بالمشكلات والأزمات التى يمكن أن يتسبب فيها اختلال التوازن أو حتى الإحساس به فى العلاقات بين الحكومات وكذلك بين الشعوب. نظرة واحدة إلى الأخطار التى صارت تهدد مشروع الوحدة الأوروبية تكفى، فيما أظن، لإقناع القمة العربية القادمة بأهمية البحث عن صيغة تصحيح للاختلال القائم حاليا فى قواعد التصويت فى الجامعة العربية.

***
أظن، وأرجو مرة أخرى أن يخيب ظنى، أن الأمين العام القادم لن يجد من يكلفه بالعمل الجاد لإعادة قضية فلسطين إلى موقعها بين أولويات النظام الإقليمى العربى، وبالتحديد بين أسبقيات العمل العربى المشترك. سوف تحاول معظم الأنظمة العربية الحاكمة ما أمكنها إبقاء فلسطين بماضيها وواقعها ومستقبلها بعيدة عن مواقع اتخاذ القرار فى الجامعة العربية وبعيدة جدا عن أسماع الرأى العام العربى، ولتبقى محصورة ومحاصرة داخل قصور الحكم فى كل عاصمة عربية. المستفيد الأكبر من هذا الاختيار هو إسرائيل وأصحاب الدعوة إلى تصفية النظام الإقليمى العربى فكرة وعملا وأملا. أظن أيضا أنه لن يجد من يطالبه بتأكيد صيغة العروبة أساسا لعمله وشرطا لضمان مكانته واستقلاليته، بل أخشى أن يجد من يطالبه يوميا بتأكيد صفة مذهبية معينة للنظام وللجامعة. أقول لا أمل فى الرجاء أن تخيب ظنونى، فالمؤشرات، أكثرها ولا أقول كلها، تشير إلى أنه فى ظل استمرار الأوضاع العربية القائمة، وبخاصة فى ظل الصراع الدموى فى معركة مستقبل الربيع العربى، وهى معركة لم تحسم لصالح «الوضع القائم» ولن تحسم فى الأجل المنظور.

***
المهمات الملقاة على عاتق القمة القادمة ثقيلة ونتائجها حيوية ومصيرية للإقليم كله بعربه وعجمه، ولمستقبل توازن القوى فيه، ولمصير جامعة الدول العربية فيما تبقى لها من عمر. القمة اذا انعقدت فهى تنعقد فى إقليم ما زال يموج بانفعالات الثورة وفى ظروف متقلبة وشعوب مضطربة ومتربصة وأوضاع دولية وإقليمية متوترة وأحوال اقتصادية متأزمة. لا غرابة أن أكثر من دولة عربية تهربت من مسئوليات عقدها أو رئاستها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved