المتاجرون بالدين

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الخميس 9 أبريل 2015 - 10:55 ص بتوقيت القاهرة

الذين تاجروا بالدين أو شجعوا على هذه التجارة فى العالمين العربى والإسلامى طوال السنوات الماضية، عليهم أن يسألوا أنفسهم سؤالا بسيطا وهو ما هى حصيلة هذه التجارة، وهل كانت تجارة حلالا أم حراما، وهل كسب المسلمون منها أو خسروا؟.


نرجو من هؤلاء أن يكونوا أمناء فى الإجابة وإذا اكتشفوا أنهم أخطأوا عليهم أن يتحلوا بالشجاعة ويعتذروا ثم يتوقفوا عن السير فى طريق الكارثة التى يقودونا إليها.


قبل أن نستعرض بسرعة خطورة هذه التجارة أرجو ألا يخرج علينا نبيه أو متحذلق ويقول إن الأحزاب الدينية موجودة فى أوروبا.


نعم هى موجودة اسما لكنها علمانية مضمونا، صحيح أن بعضها يحمل اسم «المسيحى» فى آخره، لكنه لا يتاجر بالمسيحية، ولا يرفع شعار أن «المسيحية هى الحل»، ولا يكفر الأديان أو الأحزاب الأخرى. هى أحزاب تعترف بحكم القانون فقط، ومن يرد أن يعبدربه فهو يذهب فقط إلى الكنيسة كل يوم أحد.


الذى حاول أن ينقلب على هذه المعادلة الثابتة فى الغرب هو إدارة جورج دبليو بوش الابن، وعصابة المحافظين الجدد الذين ادعوا أنهم «أعادوا تعميد أنفسهم من جديد»، ثم ثبت أنهم كانوا ينفذون الأجندة الصهيونية وليس خدمة أفكار السيد المسيح، عليه السلام.


من حسن حظ الأمريكيين أن لديهم آلية ديمقراطية راسخة تتيح لهم التخلص من النصابين والمتاجرين بالدين كما فعلوا مع بوش وتشينى ورامسفيلد وولفوتيز وبيرل وسائر العصابة الشهيرة التى دمرت العراق وأفغانستان وزرعت بذور العنف والكراهية وأخرجت مارد السنة والشيعة من القمقم بعد خمود طويل.


التجارة بالدين موجودة فى كل زمان ومكان منذ بدأت الخليقة، وأغلب الظن أنها ستستمر حتى تقوم الساعة، الفارق فقط فى وجود بيئة عامة تساعد على رواج هذه التجارة أو تقاومها.


هذه التجارة لا تقتصر على دين من الأديان السماوية أو حتى الوضعية، الفارق فقط، أنه كلما شاع الجهل والتخلف والمرض زاد استخدام هذه التجارة لأن مكاسبها أكثر من مضمونة للمتاجرين بها من المستبدين والنصابين. وللأسف فإن وقود هذه التجارة الرئيسى هو البسطاء والجهلاء والمغرر بهم والذين يعتقدون أنهم يخدمون الدين.


فى منطقتنا العربية لا فرق جوهريا بين المتاجرين بالدين فى الطائفة السنية أو الشيعية وكذلك فى الديانة المسيحية، التى هناك أيضا من يتاجر بها.


معظمنا انخدع بصورة أو بأخرى فى التيارات الدينية العربية التى كنا نظن فى الماضى أنها تسعى فعلا لنشر الإسلام وخدمة المسلمين، البعض تعاطف مع المجاهدين الأفغان أواخر السبعينيات ولم يكن يدرى أن الثمن سيكون هو هذا التناسل الجهنمى للتنظيمات العنيفة. البعض تحالف مع الجماعة الإسلامية والجهاديين فى مصر ظنا منه أنهم يقاتلون الحاكم الظالم ويقدمون اجتهادا اجتماعيا جديدا للإسلام ينحاز للمساكين. البعض تعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين ظنا أنها البديل العصرى للحكام الظلمة الفاسدين، ثم اكتشفنا أن الذى يفرقها عن هؤلاء الحكام فقط اللحية والشارب.


البعض تعاطف مع بعض الحركات والمنظمات والأحزاب الشيعية التى قاتلت إسرائيل فى لبنان أو الاحتلال الأمريكى فى العراق ظنا أنها فعلا تعبر عن المظلومين وضد «الطاغوت والشيطان الأكبر أو الأصغر»، ثم تبين للاسف أيضا أنها تنظيمات طائفية تتلقى تعليماتها من «ولى الفقيه فى قم»، هى ضد أمريكا إذا ساندت إسرائيل فى لبنان، لكنها مع أمريكا طالما أنها تساعد المخطط الإيرانى فى العراق!.


لا حل إلا بفضح ومحاربة كل المتاجرين بالدين، مهما كان الثمن، والسلاح الرئيسى هو دولة القانون والحريات واحترام حقوق الإنسان وتطبيق مبدأ المواطنة الكاملة للجميع. هو مشوار طويل جدا للأسف الشديد ويحتاج إلى جهد ووقت ومال كثير.
فهل المجتمع مستعد لذلك؟!.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved