عراق صغير فى ميتشجان

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 9 يوليو 2014 - 5:50 ص بتوقيت القاهرة

فى الطريق من مونتريال فى ولاية كيبيك بكندا، حيث جامعتنا التى كنا ندرس فيها، إلى آن أربر فى ولاية ميتشجان بالولايات المتحدة حيث انعقد مؤتمر الطلبة العرب، كان واجبا ومحل رغبة عامة أن نمر بشلالات نياجارا ومدينة ديترويت. قضينا بعض اليوم فى الشلالات وتجولنا فى المدينة الصغيرة التى تعيش على دخل السياحة، أما البعض الآخر من اليوم فكان من نصيب مدينة ديترويت. كانت الرغبة فى أن أقضى وقتا أطول فى ديترويت أقوى من الرغبة فى التسكع بين المحلات فى الشوارع القريبة من الشلالات.

لا أخجل من الاعتراف بأن الرغبة فى قضاء وقت أطول فى مدينة لن تختلف كثيرا عن عشرات المدن الصناعية المنثورة فى هذا الجزء من القارة، ولا أخجل من الإفصاح عن السبب. ففى ذلك الوقت كانت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية فى ديترويت على قائمة الموضوعات محل اهتمام الأستاذ صاحب الفضل فى توسيع مداركى وتعميق فهمى لمادة الانتخابات والعوامل المؤثرة فى اختيارات الناخبين. كدت لكثرة ما قرأت فى الفصل الدراسى السابق على رحلتنا أن أعرف عن ديترويت، المدينة التى لم أزرها، أكثر مما كنت أعرف عن مدن كثيرة فى الأمريكيتين زرتها مرات عدة.

بدأ اهتمامى بهذه المدينة وبغيرها من المدن الأشهر على يد أستاذ للجغرافيا الاقتصادية فى جامعة القاهرة، تعلمنا منه كيف نقرأ ماضى الشعوب ومستقبلها من خريطة. تعلمنا منه أيضا أن المعلومات يمكن أن ترسخ لمدة أطول فى ذاكرة الطالب إذا أعقب المحاضرة جلسة استماع للموسيقى الكلاسيكية وقراءة فى الأدب الإنجليزى. كانت شهرة ديترويت فى ذلك الزمن تجوب الآفاق. كانت تتوسط أحد معاقل الصناعة الثقيلة فى العالم مثل بتسبرج فى بنسلفانيا وشيفيلد فى إنجلترا والروهر فى ألمانيا، ولكنها فى الوقت نفسه كانت العلامة الفارقة فى عالم الرأسمالية. كانت القلعة التى يشار إليها بالبنان فى امبراطورية صناعة السيارات. كانت راية خفاقة من رايات النظام الرأسمالى ومفخرة شركاته ومؤسساته وعقيدته، وكان الأمريكيون يتفاخرون بأن دخل شركة واحدة من شركات هذه المدينة فى العام الواحد يعادل مجموع دخول خمسين دولة فى العالم.

•••

تجولت فى أنحاء ديترويت لا كما يتجول السائحون حيث لا آثار فيها أو قلاع أو مناظر طبيعية أو أحياء تقليدية. تجولت كمدقق وموثق وطالب سياسة. زرت المصانع العملاقة التى تحمل على أبوابها علامات لماركات سيارات كنا كأطفال نتنافس على التعرف عليها والتمييز بينها. خرجت من جولة المصانع إلى جولة فى أحياء يسكنها العمال، وجلهم من السود. هناك تيقنت لأول مرة وأنا ابن مدينة القاهرة، من عمق المعانى الحقيقية لكلمات مثل الفقر والظلم الاجتماعى والعنصرية والوجه القبيح للرأسمالية. رحت بعدها أحكى لكل من قابلت عن حياة البؤس التى يعيشها هؤلاء العمال السود ، وعشت أذكرهم فى كل مرة مرت أمامى سيارة كاديلاك أو شيفروليه أو كرايزلر أو بويك.

علمت خلال هذه الزيارة «الدراسية» القصيرة أنه يعيش فى ديترويت عدد من العائلات الناطقة بالعربية، والبعض منها مهاجر من العراق والأغلبية من الكلدانيين.

•••

مرت سنوات عدت بعدها إلى ولاية ميتشجان فى مهمة غير اكاديمية. زرت ديترويت وكانت لاتزال عاصمة السيارات. وجدتها على حالها مع تغير طفيف فى التركيبة السكانية، إذ قيل وقتها إن المهاجرين العراقيين صاروا يشكلون نسبة معتبرة من السكان «البيض»!. رأيتهم يعيشون فى أحياء تكاد تقتصر عليهم، يقيمون فيها مطاعم ومقاهى عراقية عديدة، وبالليل حضرت حفلا لموسيقى وطرب عراقى أصيل، هناك وفى تلك الليلة سمعت لأول مرة عبارة «ديترويت: العراق الصغير».

•••

لم يدر بذهن أحد منا أن هذا العراق الصغير فى قلب شمال الوسط الأمريكى النابض بالحياة والرخاء سوف يقابل مصيرا لا يختلف كثيرا عن المصير الذى كان فى انتظار العراق الكبير، اختلفت الأسباب شكلا وتفصيلا ولم تختلف فى الجوهر.

إذ حدث أن ظهر فى أمريكا من أقسم على أن يعيد العراق إلى العصور الوسطى، وأوفى بالقسم والعهد. كان العراق يبشر بنهضة، وكانت هناك نية فى إطلاق عملية متسارعة للنمو وطفرة تعليمية ووحدة هدف لسكانه، لم يكن ينقصه ليحقق الحلم بالسرعة الواجبة سوى حاكم سياسى متزن ودرجة معقولة من التحضر الإنسانى والأخلاقى.

حدث أيضا فى أمريكا وفى الوقت نفسه تقريبا، أن ظهر من قرر لأسباب مادية محضة، فرض الخراب على ديترويت كمدينة كانت نموذجا لنوع خاص من الرأسمالية تقرر الاستغناء عنه، نوع تجاوزته الظروف السياسية والتطورات العرقية فى الولايات المتحدة. وفى غمضة عين، بالمعنى التاريخى للعبارة، تدهورت المدينة وأعلنت إفلاسها عندما رفضت المصارف الكبرى إنقاذها، وهاجر سكانها وبخاصة البيض وكثير من السود وأغلقت الأسواق وساءت أحوال الخدمات الصحية والإنسانية .

هكذا تدهور العراق الصغير فى ديترويت تحت ضغط الرأسماليين الأمريكيين الجدد، وبخاصة المصالح المالية الكبرى، تماما كما تدهور العراق الكبير فى الشرق الأوسط تحت ضغط المحافظين الجدد وطلائع الرأسمالية الجديدة وجيوش المرتزقة. كلا النهايتان كانتا الشاهد الأمثل على مرحلة من أبشع مراحل تطور النظام الرأسمالى، وهى المرحلة التى بدأت مع مطلع الألفية الجديدة وبلغت ذروتها فى عام 2008 بالأزمة فى وول ستريت وفى أعقابها مباشرة الأزمة العالمية، ومستمرة فى أشكال متعددة تهدد استقرار الولايات المتحدة وتسحب من رصيد مكانتها الدولية وتهز قواعد الحكم فيها.

•••

أينما رحت ستجد عراقا صغيرا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved