احذروا شعبية أوباما!

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأحد 9 أغسطس 2009 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

لم يحدث، فيما أذكر، أن رئيسا أمريكيا حظى بشعبية خارج بلاده كالشعبية التى يحظى بها باراك أوباما، ولم يحدث أننى، وقد عاصرت عددا غير قليل من رؤساء أمريكا، تمنيت أن يفلح واحد منهم مثلما تمنيت لأوباما أن يفلح. تمنيت أن يفلح لا لشىء سوى للرمز الذى يجسده: رجل ملون ناجح فى عالم تحكمه وتتحكم فيه أفكار تعلى من شأن الأبيض وتؤمن بأن الملون أقل ذكاء وإبداعا وإنتاجية وتسعى بنية صادقة أو فاسدة إلى حقنه بقيم الرجل الأبيض ومعتقداته، وإن دعت الحاجة فليحدث ذلك بالحرب والغزو والتدخل.
أوباما رجل ملون، وان استمر إصرار العنصريين من البيض على أن سمرته غير نقية بدعوى أن فى عروقه تجرى دماء ورثها من أم بيضاء، هذا الرجل الملون أثبت أنه ند لامرأة بيضاء ورجل أبيض توافرت لهما كل أسباب النجاح، ووصل إلى أعلى منصب سياسى فى عالم الرجل الأبيض واحتل وعائلته السوداء البيت الأبيض ليعيش فيه ويحكم منه.

وبعد مرور ستة أشهر وأكثر قليلا على وجوده فى هذا المنصب شعرنا بالقلق ينتاب بعضا أعرفه من الأصدقاء المسيسين أو العاملين بالسياسة، جميعهم تمنوا له النجاح، ففى نجاحه تهذيب وإصلاح للأفكار المعادية للملونين وفيه أيضا رصيد يفيد فى إعادة بناء نظام دولى أقل قهرا وتحيزا وأكثر عدالة وإنصافا وأغلبهم الآن لديه شكوك قوية.

كانت شعبية أوباما الدافقة داخل أمريكا وخارجها مثيرة للإعجاب، قبل أن تصبح دافعا للقلق. رأيناها فى مصر، وما زلنا نراها فى مواقع أخرى. تقول الاستطلاعات فى ألمانيا مثلا إن 93٪ من الألمان يعتقدون أن أوباما سوف يسلك الطريق الصحيح فى إدارة الشئون الدولية، وهى نسبة تثير أكثر من تساؤل.

أليس هؤلاء الألمان هم أنفسهم الذين يصوتون ضد السماح للملونين بالحصول على الجنسية الألمانية ويعاملونهم معاملة غير لائقة؟ هؤلاء، تقول الاستطلاعات، إنهم لن يختاروا لألمانيا مستشارا ملونا. ومع ذلك خرجت من بين هؤلاء حشود ترحب بأوباما الملون. يومها سمعنا التهليل إلى حد الصراخ ورأينا الانفعال إلى درجة الإغماء، أذكر حشودا مماثلة خرجت تستقبل مايكل جاكسون، وهو أيضا ملون، بالصراخ والإغماءات.

وفى أمريكا، وغيرها، رأينا نساء ورجالا يرتدون قمصانا رسموا عليها صور أوباما وتحت كل صورة كلمة «الواحد» The One، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات سياسية وغير سياسية. آخرون كتبوا فى المقالات وبشروا فى الكنائس واجتماعات المدن والمدارس والجامعات بأن أوباما كالمسيح كلاهما كان ناشطا اجتماعيا وهب نفسه لخدمة سكان أحياء الفقر والعاطلين عن العمل والمقهورين. قرأت برهبة شديدة، ومتذكرا جورج بوش الرئيس الأقوى تدينا بين من عاصرناهم من رؤساء أمريكا والرئيس الذى شن حروب الحضارة ضد شعوب شتى، ما يتلى فى بعض الكنائس عن «المملكة» التى جاء أوباما لإقامتها على الأرض. وسمعنا فى مصر كما فى دول عربية كثيرة مفكرين وسياسيين ومواطنين عاديين يتحدثون عن أوباما كما يتحدث متدينون ومتشيعون لعقائد بعينها عن المهدى المنتظر الذى سيخلص الأمة الإسلامية، والعربية إن أمكن، من أعدائها ويستعيد الأراضى المسلوبة ويعيد للدين مكانته ويحقق آمالنا وأحلامنا ويغدق علينا من المال والغذاء فنصبح أسعد شعوب الأرض. وسيكون للرجل كل ما يشاء وسنلبى كل مطالبه وما علينا إلا طاعة أمره.

لم يكن باراك أوباما نفسه أقل كرما أو مبالغة فى وعوده. وعد الأمريكيين بملايين الوظائف فى وقت كنا وكانوا فى أمريكا يناقشون مؤشرات تشير إلى احتمال قوى بقرب وقوع انكماش اقتصادى وفوضى مالية وسقوط مدوى فى سوق العقارات. وعد أيضا بالقضاء على داء السرطان، وبشر بعالم خال من الأسلحة النووية، ووضع مشروعا لبرنامج طموح للرعاية الصحية تستفيد منه الأغلبية العظمى من الشعب الأمريكى ضد مقاومة شرسة من قطاعات فى طبقة رجال الأعمال.

وعد أيضا بأن يكون خريجو الجامعات الأمريكية فى صدارة أكفأ الخريجين فى العالم ومتفوقين فى مادتى الرياضة والعلوم. وعد بأشياء كثيرة من حقه أن يعد بها كمرشح للرئاسة وكرئيس فى بداية عهده، إلا أنه حين يبالغ بوعود مستحيلة التحقيق أو بوعود ترفع توقعات الناس إلى درجة تصبح التوقعات عندها مصدر ضغط شديد عليه وعلى حكومته. عندئذ يكون قد تسبب فى إلحاق الضرر لنفسه ولشعبيته.

الخطأ فى الحكم ليس خطأ الزعيم أو الحاكم وحده وإنما تشاركه فيه الشعوب الأتباع. أبدأ بالأتباع. خذ مثلا هيلارى كلينتون منافسته فى الانتخابات ووزيرة خارجيته التى نبهته إلى أنه إلى جانب كونه قائدا أعلى للقوات المسلحة فهو أيضا قائد أعلى للاقتصاد القومى. يقول جين هيلى فى كتابه الصادر مؤخرا تحت عنوان «عبادة الرئيس» إن الآباء المؤسسين خصصوا لرئيس الجمهورية الأمريكية ثلاث مهام هى الدفاع عن الأمة إذا تعرضت للهجوم، وينفذ القانون، ويحترم الدستور. لم يكن بين المهام قيادة الاقتصاد القومى أو تحقيق الرخاء للمواطنين أو صد الكوارث والتعامل معها حين وقوعها.

لم يكن بين المهام أن يكون الرئيس الأمريكى زعيما للعالم ووسيطا بين الدول وشرطيا ينظم العلاقات بين الأمم وأحيانا بين الطوائف والجماعات داخل الدول، ولم يكن بين المهام أن يقوم الرئيس الأمريكى بتوجيه اللوم أو معاقبة حاكم فى دولة أخرى على فساده أو فساد حكومته وعلى سوء إدارته لشئون أمته.

كلها وغيرها مهام أضيفت إلى المهام الثلاث لأن الشعب الأمريكى وشعوب أخرى طالبت بها، ولأن أتباعه ومساعديه أقنعوه بها، أو وهو الأهم لأنه هو نفسه طالب بالكثير منها بحجة أنها ضرورية لتحقيق مطالب الشعب الأمريكى والشعوب الأخرى. يزعم الحاكم الأمريكى مثل أى حاكم آخر أن مطالب الشعوب وحاجاتها دفعته إلى البحث عن وسائل تساعده على الاستجابة لهذه المطالب، وأكثرها بطبيعة الحال يزيد من سلطاته. هكذا استجاب بوش لمطالب الأمريكيين فى الأمن حين فرض التصنت على المواطنين وتجسس على خصوصياتهم وخرق الأعراف حين سمح للجيش الأمريكى بأداء مهمات على الأرض الأمريكية خلال أزمة إعصار كاترينا.

المواطنون والاتباع هم الذين يزرعون وحش التسلط داخل جسم السلطة. يفعلون ذلك عندما يطالبون حكامهم بتحقيق مطالب ليست من اختصاصهم ولا يجوز أن تكون. ونحن، كمواطنين كنا أم أتباعا، الذين نفوض، بالحب أو الطاعة أو بغيرهما، الحاكم سواء كان منا أو كان من أمريكا بأن يفعل بنا وبقضايانا ما يحلو له.

هكذا فوضنا الرئيس باراك أوباما لحل قضية الشرق الأوسط، فوضناه بشعبية فائقة وثقة غير مسبوقة رغم أننا نعرف أنه منحاز لإسرائيل بحكم وظيفته وظروفه وظروف مؤسساتنا الحاكمة وغير الحاكمة. ننبهر بصموده فى قضية فرعية ووقتية وجانبية وهى وقف الاستمرار فى بناء المستعمرات، ولا نحتج على إصراره أن نخضع كأمة وممالك وجمهوريات لمطالب إسرائيل. لا نحتج بشدة على هذا الانحياز من جانب الرئيس أوباما وقد سبق لنا الاحتجاج بلهجة عنيفة وغضب شديد على إنحياز أسلافه. لم نحتج ولا أظن أننا سنحتج لأن أجهزة الإعلام العربية ويأس الشعوب وفجوات الحكم وتعب السياسة وفقرها فى العالم العربى جميعها نصبت أوباما قائدا أعلى للتسوية مزودا بكل الحب والثقة وصلاحيات غير مسبوقة لينفذ وعدا من وعوده المبالغ فيها.

يقول هيلى فى كتابه تقديس أو عبادة الرئاسة أن المبالغة الشديدة التى اكتست بها وعود أوباما ستجعل سقوطه، إن سقط، سقوطا مدويا، وقد يخرج من البيت الأبيض كالرئيس الأدنى شعبية فى تاريخ أمريكا. وأقول إنه إن حدث هذا فستكون خسارتنا كعرب وخسارة الفلسطينيين بالذات فادحة. علمتنا الأيام أنه فى قضيتنا مع اليهود فى فلسطين أو خارجها لم نحصل من وراء التسليم للولايات المتحدة إلا خسائر متعاقبة فى فلسطين، وعلمتنا أيضا أن تقديس الفرد أيا وأينما كان لم تجن الشعوب من ورائه إلا الكوارث. وها نحن فيما يبدو نسلم للولايات المتحدة ونعشق باراك أوباما.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved