جواز سفر لعصفور


صحافة عربية

آخر تحديث: الأربعاء 9 أغسطس 2017 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب «يوسف أبولوز» يتحدث فيه عن الحنين والعودة للوطن بعد طول البُعد والاغتراب قهرًا، حيث ذكر فيه أن نزار قبانى يتحدث فى إحدى قصائده من مرحلة كتابته فى ثمانينيات القرن العشرين، عن تجواله فى الوطن العربى وهو يحمل دفترا يقرأ منه للجمهور، ويقول إنه مقتنع تماما أن الشعر رغيف يُخبَزُ للجمهور، وإن الأحرف هى الأسماك، والماء هو الجمهور، إلى أن يصل إلى ما يمكن أن يكون ذروة قصيدته) وأنا لا أحمل فى جيبى إلاّ عصفور، لكن الضابط يوقفنى ويريد جوازا للعصفور، تحتاج الكلمة فى وطنى لجواز مرور).
كان نزار قبانى فى سوريا عندما كتب هذه القصيدة الحارة، وآنذاك كان فى سوريا «محمد الماغوط»، و«ممدوح عدوان»، و«على الجندى»، وربما كان «أدونيس» أيضا فى سوريا أو يتردد على دمشق قبل أن يشطب اسمه من اتحاد الكتّاب العرب، وهو بالمناسبة اتحاد الكتّاب الذى يضم عضوية الكتّاب السوريين ومعهم العرب، وليس الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب الذى يضم عضوية اتحادات ولا يضم عضوية أفراد.
نعود إلى عصفور نزار قبانى الذى كان يحتاج إلى جواز سفر، والكلمة أيضا التى كانت تحتاج إلى جواز سفر، فما كان من الشاعر الذى اشتغل فى السلك الدبلوماسى مثل «بابلو نيرودا» و«سان جون بيرس»، إلاّ أن انتقل إلى لبنان، وفى بيروت التى كانت آنذاك لا تحتاج فيها الطيور والكلمات إلى جواز سفر، أسس دار نشر لطباعة وتوزيع كتبه، وغزا شعره رسائل الحب الزهرية المعطّرة بين الشباب والصبايا فى تلك الثمانينيات الوردية.
لم تكن بيروت مدينة «نزار قبانى» وحده. «محمد الفيتورى» أيضا الذى له ــ هو الآخر وعلی نحو ما ــذعصفوره الإفريقى الذى يحتاج إلى جواز سفر حمل حقائبه وقصد بيروت، وكان فى العراق أيضا بعض الشعراء الذين لهم طيورهم وكلماتهم. البعض توجّه إلى المنفى الأوروبى قسرا أو اختيارا، والبعض وجد ضالته فى بيروت ولكن الغريب أن عددا من الكتاب اللبنانيين (البيروتيين بالطبع) تركوا بلادهم التى يأتى إليها العرب بحثا عن جوازات سفر. وبدلا من أن يبقوا فى بلد الأرز حملوا حقائبهم صوب باريس بشكل خاص («أمين معلوف» الذى كان محررا اقتصاديا فى النهار على سبيل المثال). 
عاش «أدونيس» أيضا فى باريس، وفيها عاش «أحمد عبدالمعطى حجازى» لكن كانت بينهما عداوة مريرة انتهت بالمصالحة بعد سنوات طويلة من الجفاء والقطيعة. وفى باريس عاش الشاعر العمانى «سيف الرحبى»، وتنقل «عبدالوهاب البياتى» بين أكثر من مدينة عربية وأوروبية وأخيرا سيكون ضريحه بالقرب من ضريح المتصوف الكبير محيى الدين بن عربى فى دمشق.
على نحو ما، كان الكثير من الشعراء والكتّاب العرب فى الواقع لا يبحثون عن جوازات سفر للطيور والكلمات بل عمليا وواقعيا كانوا يبحثون عن جوازات سفر لهم، البعض حصل على جواز سفر فرنسى أو إنجليزى أو ألمانى أو أمريكى، والبعض بقى أمينا أو رهينا لجواز بلاده، غير أنها كانت ظاهرة عربية أكثر أبطالها من العراق وسوريا ولبنان، وأحيانا مصر والأردن وفلسطين.
ليس المهم أن يحصل عصفور أو رجل على جواز سفر أو الأصح أن الرجل عليه أن يتعلم من العصفور هذا الذى لو طار من بغداد أو دمشق أو بيروت حتى الصين، فإنه فى الأخير سوف يعود إلى عشّه.
وما أجمل العودة إلى الأعشاش، لكن شرط أن تكون مبنية من الريش وليس من الشوك.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved