أسوار الدم حدود بين العربي والعربي .. وبين (دولهم) وشعوبهم!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 9 سبتمبر 2009 - 10:01 ص بتوقيت القاهرة

 قد يجد اللبنانيون شيئا من العزاء إذا ما التفتوا فعرفوا أو تعرفوا إلى أوضاع «أشقائهم» فى أقطار عربية أخرى، يعانون هناك مثلما يعانون هم فى حالتهم الراهنة من افتقاد الحكم المؤهل والقادر على حماية وحدتهم الوطنية، ومن ثم دولتهم.

إن معظم الدول العربية تعانى أزمة حكم أو أزمة نظام تجعلها على شفير الحرب الأهلية، وتضعفها تجاه أعداء شعبها فى الخارج (إسرائيل) ومشروع الهيمنة الأمريكية، أو تجاه قوى التطرف فى الداخل سواء ارتدت مسرح الأصوليات أو السلفيات.

بنظرة واحدة إلى خريطة ما كان يسميه الحالمون «الوطن العربى» يتبين أن هذه المساحات الشاسعة من الأقوام والأحلام والقدرات والخيبات قد باتت أرخبيلا تفصل بين جزره المتباعدة بحور من دماء أبنائها، مما يقطع بين الحاضر والمستقبل بأسوار من شهداء الغفلة والغلط والغرض وغياب الوعى وإغماء العقل.

أسوار من الدماء تفصل أبناء الوطن الواحد بعضهم عن البعض الآخر، وتفصلهم مجتمعين عن «أهلهم» فى «الدولة» المجاورة التى كانت شقيقة فصارت عدوا مبينا،
من السودان إلى اليمن وصولا إلى العراق تتفسخ الأنظمة وتتهاوى تاركة لشعوبها الخيار الوحيد: الحرب الأهلية، بينما تتوغل الدول الأجنبية فى ثنايا الجروح التى ستغدو فىما بعد مستوطنات طائفية أو مذهبية يفصل بين الواحدة والأخرى سور من الجماجم، وترفرف فوق سرايات الحكم فيها أعلام الأجنبى الذى جاءها بالسلامة على حساب الوطن، وهو فى الأغلب الأعم الأمريكى ومعه بطبيعة الحال، ومن دون حاجة إلى دعوة الإسرائيلى.

فى السودان يمكن توظيف اختلاف الأعراق ثم الأديان، وصولا إلى القبيلة، بحيث يتحول انهيار الوحدة الوطنية داخله إلى اشتباك مرشح للامتداد إلى مجموعة كبرى من الدول الأفريقية.

العنصر الوحيد المسكوت عنه هو النفط ومعه الثروات المعدنية، والأخطر النيل باعتباره شريان الحياة لعدد من الأقطار الأفريقية، أهمها ــ بعد السودان ــ مصر( هبة النيل).

وليس أسهل من تنظيم اشتباك مفتوح بين دول المنابع ودول المجرى ودولة المصب: الماء أغلى من النفط، وقد يكون أغلى من الدماء.

ففى معظم الأقطار الأفريقية لم تقم الدولة إلا حديثا.. وهى قد استولدت مشوهة، تحمل بذور انحلالها فى المسوغات التى اعتمدت لإقامتها من خارج منطق الجغرافيا وسياق التاريخ الطبيعى لهذه الأرض.

*****

إن أمن إسرائيل مسور ومحمى بدول العالم كافة: أعلام قوات الطوارئ الدولية ترفرف فوق جنودها المستقدمين من أنحاء شتى تحت راية الأمم المتحدة الزرقاء، كما العلم الإسرائيلى (يا للمصادفة).

الحرب على إسرائيل كأنها الحرب على العالم أجمع، لم تعد إسرائيل بحاجة للخروج إلى الحرب إلا حيث المقاومة شعبية. تم تدجين الدول. لكن إرادة المقاومة لا تزال فاعلة. ولأن إرادة المقاومة فى لبنان أقوى من الدولة فقد تعذر إحداث شرخ حقيقى بين الدولة الضعيفة والمقاومة القوية فى لبنان.

النظام معنى بأمنه. وإسرائيل، ولأسباب تخصها، مستعدة لأن تحمى أمن الأنظمة طالما أنها لا تريد ولا تقدر ولا تنوى أن تقاتلها.

إن هذه الأنظمة تتحول، فى مثل هذه الحالة، إلى حرس حدود لإسرائيل، فى ظل أسوار من الدماء ترتفع لتفصل بين أبناء الشعب الواحد فى الدولة الواحدة.
يصبح الخيار محددا بين نظام بوليسى يلغى المواطنة (والوطن) بالقمع المنهجى، ليحمى الدولة، وبين الحرب الأهلية اللاغية للوطن والدولة والمواطن معا.
وهذا ليس خيارا بالطبع: إنما وجهان لعملة واحدة.

*****

ثمة أنظمة ألغت دولها وشعوبها.
ها هو العقيد معمر القذافى يحكم ليبيا منذ أربعين سنة متصلة.

وها هو يتربع الآن على عرش ملك ملوك أفريقيا التى ما إن تعرفت أقطارها إلى «الدولة» التى اصطنعت على عجل، حتى تملصت منها القبائل التى تم توزيع الواحدة منها بين دول عدة بعد تهيئة المسرح لصراع مفتوح فىما بينها يعيدها إلى ما قبل عهد الرق والاستعباد.

وماذا لو أن هذه الممالك الأفريقية تقتتل قبائلها التى لم تعرف الدولة فى حروب بين الأهل كما بين الجيران على المراعى التى «يكمن» النفط تحتها، فتسيل دماء الأفارقة غزيرة لكى يعود المحتل فيأخذ النفط الذى سيغدو بلا صاحب، ويعيد إذلالها بثرواتها «الوطنية» بينما الملوك جميعا فى شغل شاغل عن مصير هذه القبائل التى صيرت شعوبا ثم صيرت دولا بقوة المصالح الأجنبية. ما أرخص الاستثمار وما أغلى الكلفة!.
ولقد دخل القذافى فى حروب مع دول الجوار جميعا، مصر، السودان، تشاد، وتونس، كما دخل فى مواجهات سياسية حادة وصلت فى بعض الحالات إلى السلاح، فأغار عليه الطيران الحربى الأمريكى وقصف مركز قيادته موقعا فيها الضحايا. وخاض حربا اقتصادية هائلة مع أوروبا بعنوان إيطاليا فكسبها وأخضعها لمطالبه، مفترضا أنه ثأر لأجداده الذين أذلهم الاستعمار الإيطالى بالقتل والتشريد ومعسكرات الاعتقال، وسوق أبطال انتفاضاتهم إلى المشانق.

كان النفط حمايته، وهو قد أفاد منه فى صراعه مع الخارج، كما فى اختصار الداخل فى شخصه وبعض ذريته من بعده.. والداخل دواخل، خصوصا وقد أعيد الاعتبار إلى «القبيلة» مع كل ما يحمله من مخاطر على الدولة التى تحققت فيها مقولة «الدولة أنا وأنا الدولة».

*****

فى حوار أجريته مع الرئيس اليمنى على عبدالله صالح فى القصر الجمهورى بصنعاء، قبل أعوام، ساقتنى طرافة أجوبته على مختلف الأسئلة بصيغة صاحب القرار المفرد إلى توجيه سؤال طريف نصه: السيد الرئيس... أنت تتبدى وكأنك الخليفة، أمير المؤمنين، وشيخ القبيلة، والقائد العسكرى، و«بيت المال»، وصاحب الشرطة وحامى الديمقراطية، ومصدر الموت والحياة.. فمن أنت، على وجه التحديد؟!

ولقد ضحك الرئيس الذى لا تنقصه روح النكتة، وأجابنى ببساطة: نعم، أنا كل هؤلاء، إن شئت.

الطريف أن السؤال كان جادا وأن الجواب كان أكثر جدية!.
لكن الطرافة لا يمكن أن تواكب أو تغلف الأحداث المأساوية الجارية فى اليمن هذه الأيام.

فقلما شهدنا الطيران الحربى لأى من البلدان العربية التى تحكم سلطتها بالسيطرة على أسباب القوة، يقوم بشن غارات، بالصواريخ والقنابل الثقيلة، على مدن وقرى ودساكر فقيرة فى وطنه، معززا بمدفعية الميدان وقاذفات الصواريخ وسائر آلات التدمير، وقوات النخبة فى جيشه، وسط صمت عربى وعالمى مريب يفضح التواطؤ ــ الفضيحة!.

لا نقول هذا الكلام دفاعا عن الحوثيين، أو إسنادا لهم، وهم الذين لم يعرف لهم برنامج سياسى، ولم يشكلوا فى أى يوم أملا فى تغيير جذرى فى اتجاه التقدم والديمقراطية وتعزيز الوحدة الوطنية، داخل هذه البلاد التى تغرق فى دوامة الفقر والتخلف محاصرة بمشكلاتها وبالحب القاتل الذى يضمره جارها القوى بثرائه الفاحش وبالحماية الدولية المطلقة.

لكنه حدث فريد فى بابه: الجيش الوطنى يغير بالطائرات الحربية التى دفع الشعب الفقير ثمنها، فيطلق الصواريخ والقذائف باهظة الأثمان، على بعض أنحاء هذا الوطن المقهور بتخلفه وبغربته عن العصر، ويسقط القتلى والجرحى بالمئات، وتدمر المنازل فى المدن والقرى التى لم يصل إليها «غريب» إلا فى النادر، وغالبا ما يكون من يصل من هواة الآثار أو من دارسى العصور القديمة من التاريخ الإنسانى بتحولاته المختلفة عبر الأزمان.

اللافت أن دوى صواريخ الطائرات وقذائف المدافع والدبابات الثقيلة لم يحرك اهتمام أحد، لا فى الدول العربية «الشقيقة» ولا فى الدول الأجنبية «الصديقة»، ولا حتى فى الهيئات التى طالما تحركت بسرعة للاحتجاج على اعتقال مثقف معارض أو بعض المعنيين بحقوق الإنسان.

والصمت هنا قرار سياسى عربى ــ دولى شامل!.

لا الأمم المتحدة بمنظماتها المختلفة، لا منظمات حقوق الإنسان، لا جامعة الدول العربية، ولا أى دولة منفردة، لا أجهزة الإعلام الرسمية منها والأهلية والخاصة، التى لا تنقصها المعلومات أو الصور، بدليل ما تحفل به نشراتها الإخبارية من صور لآثار القصف الجوى والمدفعى، أو لصور مغانم الحوثيين من أسلحة الجيش اليمنى.

لا أحد تحرك، أو رفع صوته بالاحتجاج، أو اندفع إلى الشارع متظاهرا بدوافع إنسانية، إن نحن وضعنا جانبا الترابط القومى ومشاعر وحدة الانتماء العربى،
وهكذا ترك للدم اليمنى أن يغمر ارض اليمن وسط صمت كثيف لا يفيد كثيرا فى طمس الدم الذى قد يكون هسيسه أعلى صوتا من تفجر البراكين.

هل السبب أن العرب قد اعتادوا أن تهدر أنظمتهم دماءهم بمثل ما يهدرها العدو الإسرائيلى، والاحتلال الأمريكى، دون ضجيج أو تظاهرات غضب، هل السبب أن «العربى» كإنسان، بات وحيدا: يفصل نظامه القمعى بينه وبين أخيه وشريكه فى آماله وطموحه إلى مستقبل أفضل؟

أم إن السبب فى أسوار الدم التى ارتفعت بين كل قطر عربى والآخر، بحيث تفككت الروابط، وضمر الإحساس بالرابط المشترك وبوحدة المصير فى الحاضر وفى المستقبل، وكأنما أمل الوحدة صار عبئا على كواهل المؤمنين به لا يستطيعون تحمل مسئوليته.

لقد بات كل قطر عربى معزولا عن «جاره» و«شريك مصيره» القطر الآخر بسور من دماء أبنائه، وغالبا بسور مشترك من دماء الرعايا فى القطرين الجارين اللذين كانا أخوة فانفتحت بينهما هوة من العداء «يزينها» اللون القانى لوحدة المصير..
كيف والحال هذه يكون للعرب المفصول بعضهم عن بعض بأسوار من دمائهم مستقبل واحد ومصير واحد.. بل كيف تتبقى لهم هوية واحدة.

تلك هى المسألة...

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved