آخر كلمة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

وصلت إلى الاجتماع متأخرا نصف ساعة عن الموعد المتفق عليه. قضيت نصف الساعة أفكر فى صيغة اعتذار، ففى اجتماعات من هذا النوع قد يتسبب عدم الاعتذار أو سوء تقديمه فى عواقب غير محمودة. تعودت احترام المواعيد على يد والد شديد الانضباط ثم التزاما بأصول إحدى المهن التى امتهنتها. غالبا ما أصل مبكرا فأدور حول مقر اللقاء بسيارتى أو على قدمى أو أدلف إلى مقهى قريب حتى يحين الموعد. وكثيرا ما ساعدتنى هذه العادة الحميدة فى أن أدخل على أصحاب الدعوة بمزاج رائق وأعصاب هادئة وعقل جاهز. وعندما تفاقمت أزمة المرور تخلت عنى عادة الانضباط فى التزام المواعيد واكتسبت عادة الاعتذار عن تقصير لست مسئولا عنه. فقدت فضيلة وكسبت محلها فضيلة أخرى.

●●●

 أسوأ ما يمكن أن يؤذى «فضيلة» الاعتذار هو أن يصبح الاعتذار مجرد كلمة على طرف لسان. كما أن أسوأ ما يمكن أن يسىء إلى سمعة إنسان هو أن يعرف عنه رفضه الاعتذار. يرفض الاعتذار عادة من ينوى ارتكاب الخطأ مرة أخرى ومن يتعالى ويتكبر على غيره من خلق الله. يرفضه أيضا شخص يصر على أنه لم يرتكب خطأ يستحق الاعتذار عنه، أو شخص لديه أسباب لا يريد الإفصاح عنها، أو شخص يحاول تفادى العقاب. هذا الشخص أو ذاك، لو أدرك أن الاعتذار الصادق يمكن أن يقيم الوئام ويستعيد الصفاء ويعود بالخير على الجميع، لاعتذر عن خطئه وأعفى نفسه وكل من حوله مشكلات تنجم عن الضغينة والرغبة فى الانتقام والثأر.

●●●

 ما أحوج «عزيزتنا مصر» إلى حملة تدعو عديد الفرقاء إلى الاعتذار، اعتذار فريق لفريق، واعتذار فريق لأمة بأسرها، واعتذار أمة بأسرها تأخرت فى الطلب إلى مواطنيها تقديم اعتذار لها عن أخطاء جسام ارتكبوها فى حقها، اعتذار من سياسيين كذبوا ومن إعلاميين نافقوا ومن قادة نهبوا ومن أمناء على الأمن قهروا وعذبوا ومن دعاة دين وخير وسلام فسدوا وأفسدوا.

●●●

 مثالان، يستحقان التأمل. فقد تكررت فى الأيام الأخيرة تصريحات صادرة عن مسئولين كبار فى أجهزة الأمن الداخلى و«خبراء» فى استراتيجيات الأمن تتوعد المواطنين بالعودة إلى إجراءات قمع كانت مألوفة فى السنوات السابقة على يوم 25 يناير 2011. هم يطلقون على تلك السنوات، «عهد الالتزام والانضباط والاستقرار. ونحن نطلق عليها، سنوات التسخين التى مهدت للثورة. لم يختلف اثنان من صانعى الرأى فى مصر أو فى الخارج على أن تلك الإجراءات كانت على رأس قائمة أسباب نشوب الثورة، ولا يختلف اثنان الآن على أن استمرار هذه الإجراءات أو العودة إليها يعنى زيادة فرص الفوضى والخراب.

●●●

  من ناحية أخرى، يتصاعد عناد الناطقين باسم الإخوان المسلمين. يرفضون الاعتراف بأنهم كجماعة دعوية اشتهت، كما يشتهى غير الدعويين من الذين راهنوا على متع الحياة الدنيا ومادياتها، السلطة السياسية حتى أن جاءتها فرصة امتلاكها والنهل من ملذاتها، فأساءت التصرف وتدنى أداؤها بسبب انعدام خبرة بالسياسة أو نتيجة جهل بعلوم الإدارة وطفولية فى فهم السياسة الدولية وسعى بدون خجل وراء أمريكا «الشيطان الأعظم». كانت المحصلة، ونعيشها الآن، كارثة بكل معانيها.

●●●

على ضوء ما أسفرت عنه التجربتان حتى الآن، فإن حاجة مصر إلى الاستقرار والتقدم والأمان لا بد أن تدفعها إلى أن تطلب من كلا الطرفين، مؤسسة الأمن الداخلى وجماعة الإخوان المسلمين، إلى تقديم الاعتذار المناسب للأمة المصرية، إلى جميع فئات الشعب، اعتذار صادق وأمين خال من الأعذار والشرح والتبرير فكلها حفظناها. كانت غير مقنعة ولا تزال غير مقنعة. حبذا لوجاء الاعتذار مشفوعا بخطة عمل تحدد خطوات التغيير والإصلاح التى يلتزم كل طرف بها فتطمئن الأمة إلى مستقبل يسود فيه الطمأنينة واحترام الحقوق وكرامة الأفراد ويسمو فيه الدين إلى مكانته اللائقة ولا يعود مجرد بند من بنود السياسة والإعلام والشغب أو سببا للقهر والقمع.

●●●

قيل فى « الاعتذار» إنه «صمغ» الحياة، به تلتئم الأجزاء وتتلاحم الأهواء وتسمو العواطف. وبه تعم الثقة وتهدأ النفوس وتنطلق الأمة نحو أهدافها العظمى. أنقل هذه الأقوال التى قيلت فى الاعتذار، وذاكرتى تلح على «اعتذار» بعينه. اعتذار قدمه عبدالناصر صادقا إلى أهل مصر عقب الهزيمة العسكرية فى 1967، فكان له قوة السحر فى إنهاض الأمة واندفاعها كتلة واحدة نحو انتصارات متتالية فى حرب الاستنزاف، ثم فى أكتوبر 1973.

●●●

 لا نريد من الطرفين: الأمن والإخوان ومن أطراف أخرى فى المجتمع، معلقات اعتذار من نوع معلقة أفلاطون التى اشتهرت تحت عنوان «أبولوجيا apologia»، وكان قد كتبها دفاعا عن أرسطو المتهم بإفساد الأجيال الجديدة. إنما نريد لمصلحة كل منهما ومصلحة الأمة من قبلهما ومن بعدهما اعتذارا صادقا وأمينا يمهد الطريق لانتقال إلى حياة أكرم وأكثر تحضرا.

●●●

 هما يعرفان، ونحن نعرف، أن ما تغير خلال الأعوام الأربعة الأخيرة كثير جدا وكبير جدا ويفوق طاقة كل منهما على حدة أو طاقتهما معا على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه. لقد تغير «الإنسان» فينا. تغير حتى وإن بدا أحيانا ساكنا ومتبرما ويائسا ومتشائما. تغير ولن يعود بإرادته إلى ما كان عليه قبل سنوات، ولن يعود بإرادة غيره مهما بلغت درجة العنف الذى سيسلط عليه.

●●●

 قالوا فى زمن قديم، وأصدق الآن على قولهم.. «ما أعذب الخطاب الذى ينتهى بكلمة اعتذار».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved