لا مرجعية للعرب..إلا خصومهم!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 10 مارس 2009 - 7:18 م بتوقيت القاهرة

 ... فلما تفجرت الأزمة فى السودان، بكل تداعياتها الخطيرة دوليا، تكشف المخفى أو ما كان مستورا من حقائق الوضع العربى فإذا الفضيحة مجلجلة: تبدى «العرب»، وكأنهم مجاميع من القبائل والعشائر الهائمة على وجوهها، لا مرجعية أو مرجعيات تنظم اجتماعهم ولا مؤسسات توحد مواقفهم وتوفر لهم الحد الأدنى من الأمان والمنعة والاطمئنان إلى غدهم..فلا دولهم محترمة السيادة، ولا جامعتهم العربية مركز التلاقى حول قرارهم الموحد. لا هم أصحاب القرار فى شرقهم، ولا هم حليف الغرب من موقع التكافؤ.

بعض دولهم استقبلت مضبطة الاتهام الدولى التى تطلب اعتقال الرئيس السودانى لتقديمه إلى المحاكمة، بكثير من الشماتة: سنتخلص من «أصولية» تسللت بثياب العسكر إلى مركز القرار فخطفت منا السودان.

وبعض آخر أدار وجهه وأذنيه إلى الجهة الأخرى حتى لا يرى ولا يسمع ويعفى نفسه من اتخاذ قرار، أى قرار.

قلة جهرت بتضامن مبدئى: لا يجوز اعتقال رئيس وهو فى مركز السلطة.. فلتُرجأ المحاكمة حتى يترك منصبه لكى لا تكون سابقة.

أما من تبقى من الدول العربية، وهى قليل عددها، فقد رفع الصوت بالاعتراض لأسباب تداخلت فيها السياسة مع المواقف المبدئية مع التذكير بحصانة الرؤساء، وبكون الرئيس السودانى منتخبا وفق الشروط المعتمدة فى بلاده.

لكن ذلك لم يمنع صدور القرار الدولى.

أما الذهاب بالاعتراض إلى مجلس الأمن فكان ينقصه وحدة الموقف العربى، وهو الشرط الضرورى للنظر فيه بجدية، فإذا لم يكن العرب موحدين فكيف سيطلبون من الآخرين التضامن واحترام ما لم يجمعوا هم عليه؟!

ومشهد العرب فى مجلس الأمن تدرج فى السنوات الأخيرة من التبعثر إلى الانقسام الفضائحى، فإلى المواجهات المخزية فىما بينهم تاركين للغير من الأقوياء، أصحاب المصالح العظمى فى منطقتهم الغنية بثرواتها وموقعها الإستراتيجى أن يقرروا لهم ما يرونه مفيدا لتلك المصالح، وليبلبط المعترضون إن وجدوا البحر!

عادت إلى الذاكرة بعض المشاهد، وبعض الأقوال، التى حفظناها، كصحفيين، من القمة العربية فى الكويت، بعنوانها الاقتصادى ومضمونها السياسى المموَّه.

ــ 2 ــ
سمعنا مسئولا عربيا بارزا يرفع صوته بلهجة التحدى وهو يقول:
أريحونا قليلا من فلسطينكم. ليست فلسطين التى تحتلها إسرائيل أعز علينا من الجزر العربية التى تحتلها إيران. لماذا تريدوننا أن نقاتل العالم من أجل فلسطين وأنتم تهملون القضايا المتفجرة التى تهدد أمننا فى الخليج؟!

وفاجأنا مسئول خليجى آخر يتدخل مساندا شريكه فى «القضية» الجديدة: لن نغفر لبعض العرب أنهم تخلوا عنا عندما غزا صدام الكويت، بذريعة الاعتراض على الهيمنة الأمريكية على المنطقة..

وحين حاول بعضنا مناقشة هذا المسئول فى المقدمات التى أدت إلى النتائج وأخطرها الحرب التى شنها صدام حسين ضد إيران بتمويل خليجى غطى صفقات السلاح المتعددة المصادر، وبتحريض أمريكى مكشوف، انصرف عنا وهو يبرطم بما معناه: لقد اغتيل صدام، فليرحمه الله.

كان الوفد السودانى يجلس يتيما، قد يبادله بعض الوفود التحية، لكن لا أحد كان معنيا بمشكلاته الخطيرة،

********
صار لكل دولة عربية « قضيتها» الخاصة التى تباعد بين من كانوا يرون أنفسهم «أشقاء»، وكان العالم يتعامل معهم باعتبارهم «شركاء فى القضية الواحدة، فلسطين» إن لم يكونوا شركاء فى المصير جميعا.

أقام الاحتلال الأمريكى للعراق جدارا عازلا مسلحا فى قلب المشرق، ما جعله مشرقين على الأقل: ما قبل العراق، أى سوريا ولبنان وبعض فلسطين، القضية، وما بعد العراق أى شبه الجزيرة العربية المذهبة، بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج ومعها اليمن السعيد.

وكان طبيعيا أن تسارع إسرائيل إلى استثمار المأساة العراقية فتوغلت حيث استطاعت داخل العراق، مستغلة الخلافات والانشقاقات السياسية التى كان سهلا تحويرها إلى طائفية ومذهبية وعنصرية فى بلد ممزق.. وكان بدهيا أن ترى إسرائيل فى «دويلة» الأكراد فى الشمال العراقى قاعدة ممتازة لنشاطها الذى يطاول إيران فضلا عن تركيا.

ولأن إسرائيل تشكل منذ إقامتها بالقوة على أرض فلسطين، ثم بعد تأمينها بمعاهدات الصلح التى عقدتها، عازلا بالسلاح بين مصر والمشرق العربى، فقد باتت مصر بعيدة عن هذا المشرق بالمصالح كما بالتوجهات السياسية،ما أثر تأثيرا مفجعا على قضية فلسطين.

ــ 3 ــ
ومعروف أن عزل مصر عن المشرق عموما، وعن قضية فلسطين بشكل خاص كان هدفا إسرائيليا معلنا، ومطمحا سياسيا يتقدم على كل ما عداه، إذ يرى الإسرائيليون أن ابتعاد أو إبعاد مصر عن فلسطين يطلق أيديهم فى كل العالم العربى وأفريقيا، بل وحتى فى العالم الإسلامى.

على أن مخاطر عزل مصر لم تقتصر على ضمور دورها فى المشرق، بل هو قد أثر حتى على علاقة التكامل مع السودان والتى كان يتطلع إليها المصريون والسودانيون باعتبارها بين شروط التقدم والمنعة والازدهار للبلدين.

وليس سرا أن هذه العلاقات قد شهدت تراجعا كبيرا فى السنوات الأخيرة. فليس يكفى أن تستمر اللقاءات على المستوى السياسى، بل المهم هو ما يتحقق من مشروعات التعاون المشترك سواء فى المجال الاقتصادى ( الزراعى خاصة والصناعى) ثم فى المجال الثقافى ومن ضمنه التعليم.

لقد شبت أجيال فى كل من مصر والسودان، وشعار الوحدة بينهما يملأ الأفق.. وحتى عندما تبين أن القفز إلى الوحدة الكاملة متعذر فقد ساد الاقتناع أن التكامل بين الدولتين ممكن وضرورى لكلتيهما، إذ يسهم فى تطوير اقتصاد البلدين المتكاملين بالطبيعة وبالمصلحة وبالحاجة، من النيل إلى التاريخ إلى ضرورة توسيع الرقعة الزراعية بحيث يتحقق الاكتفاء الذاتى فى القمح (أى الخبز) وسائر المحاصيل الضرورية.

لا يخطر ببال أحد أن يحمل مصر المسئولية عما جرى فى السودان وله خلال السنوات القليلة الماضية، وإن افترض البعض أنه كان بوسع مصر أن تلعب دورا فى ترشيد السياسة السودانية، وذلك عبر السعى الجاد لإتمام مصالحة وطنية حقيقية بين القوى المختلفة، مستفيدة من احتياج الكل إلى مثل هذا الدور الذى لا يستطيع غيرها أن ينجح فيه.

وبرغم المحاولات المتكررة الجادة التى بذلتها ليبيا القذافى والاتحاد الأفريقى وما تفرع عنه، فإن النقص فى الدور المصرى المؤثر كان مفجعا، انطلاقا من انعكاسات ما يجرى فى السودان على الأمن القومى المصرى، وعلى دور مصر عربيا وأفريقيا.

وكان من حق بعض العرب أن يفترضوا أن الإدارة الأمريكية، ودائما بالتواطؤ مع إسرائيل، تعمل جاهدة لإضعاف دور مصر فى محيطها.. فكل إنقاص لهذا الدور تستفيد منه إسرائيل وقبلها ومعها الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه سنوات الستينيات والسبعينيات تشهد بأن النفوذ المصرى المعتمد على الإخوة مع حركات التحرر الأفريقية كان قوة طاردة لمحاولات التغلغل الإسرائيلى فى القارة السمراء.

أما فى السودان، وبمعزل عن ارتكابات النظام وعن سوء إدارته للأزمات المتوالدة فيه بلا انقطاع ــ متخذة أحيانا شكل الحرب الدينية وأحيانا شكل الاضطهاد العرقى؛ فإن الأسباب الأصلية هى سياسية وقاعدتها صراع المصالح، حيث يتداخل المحلى مع الإقليمى مع الدولى، ويفيد كل طرف بحسب قدرته على استثمار نفوذه.


ــ 4 ــ
ومؤكد أن إسرائيل كانت على الدوام تلعب دورا تخريبيا فى السودان، كما أن بعض البعثات التى تلطت تحت ستار التبشير لعبت دورا خطير فى الجنوب، ما أسهم فى اصطناع قضية دينية حيث لا مجال لأى صراع دينى.

ومؤكد أن الغرب قد خطط، ومنذ سنوات طويلة لاستثمار الخلافات التى بلغت حد الصراع المسلح بين الجماعات المختلفة فى دارفور، مصورا تلك الخلافات كاضطهاد عرقى للسودانيين غير المتحدرين من أصول عربية.

فمنذ سنوات طويلة وكثير من المؤسسات السياسية والإعلامية وأجهزة المخابرات الدولية تحضر لتقسيم السودان، على قاعدة عرقية فى جهات معينة، وعلى قاعدة دينية فى جهات أخرى، ومن خلال تصوير النظام وكأنه سفاح لا يتعامل مع الفئات المختلفة من شعبه إلا بالقمع الدموى.

كان التقدير أن السودان سيكون إهراءات الوطن العربى، حيث يمكن للتعاون بين أصحاب الثروة وأصحاب الأرض الإفادة من نعمة النيل ومن اتساع أراضى السودان الصالحة للزراعة من أجل إنتاج ما تحتاجه هذه المنطقة العربية من المحاصيل الزراعية والقمح على وجه الخصوص، خصوصا مع فائض الأيدى العاملة العاطلة عن العمل..

لكن ها نحن نخسر السودان، كدولة، من دون أن يفيد منه أهله الأقربون.

*****
لا تقصد هذه الكلمات الإدانة أو التبرئة أو خاصة الدفاع عن نظام لم يعرف عنه تعلقه بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وظلت طبيعته العسكرية تأخذه إلى تغليب المنطق الأمنى على المفاهيم السياسية.

لكن القصد لفت الاهتمام إلى أن مجلس الأمن فى عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة عليه بات المرجعية الوحيدة للشئون التى كانت عربية فدوِّلت وصار العرب فيها مجرد متهمين، وأحيانا شهود زور لا أكثر.

فمجلس الأمن مرجعية للبنان فى الخلافات مع سوريا، مفتعلة كانت أو متوهمة وهو أيضا مرجعية للبنان فى العلاقة بين دولته والمقاومة التى حررت أرضه بالسلاح.

ومجلس الأمن، وما تفرع عنه، هو المرجعية فى الخلاف على الصحراء بين الجزائر والمغرب،
وها الآن يغدو مرجعية للصراع السياسى بين الحكم فى السودان والمعارضات المختلفة، بعد إضفاء صورة الإبادة العرقية على بعض وجوه الصراع.

ــ 5 ــ
وهو المرجعية فى شأن الصراع الفلسطينى ــ الإسرائيلى، وآخر قراراته خال من أى إدانة للحرب الإسرائيلية على غزة.

وما لا يكون مجلس الأمن مرجعيته تكون الإدارة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبى بالوكالة.

والعرب فى شغل شاغل عن قضايا حياتهم ومستقبلهم، وكأنهم سلموا بأن غيرهم مصدر القرار فى كل شئونهم.

فلا عجب أن يكون هذا هو حالهم، خصوصا وقد تناسوا الحكمة الإلهية التى تقول: إن الله لا يبدل ما بقوم حتى يبدلوا ما بأنفسهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved