كلاب أمريكا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 10 مايو 2016 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

فى المدن الأمريكية الكبرى كما فى المدن الصغيرة، فصيل من الكائنات أعتقد أنه يستحق أن يلقب بسيد أمريكا الحقيقى. إنهم الكلاب. لم أتخيل يوما، منذ أن بدأت مهنة الكتابة المنتظمة، أننى سوف أكتب عن الكلاب. لم أتخيل رغم إننى أحتفظ بشىء ما فى جسمى أو فى مزاجى يجعلنى مقبولا لدى الكلاب. حدث مرة واحدة أن أضفت إلى عائلتى كلبا صغيرا من نوع Cocker Spaniel لم أعلم حين أضفته أن هذا النوع معروف بشقاوته. كنت وقتها أعمل بالأرجنتين، وأذكر أن ما فعله بأثاث المنزل الذى استأجرته مفروشا جعلنا كبارا وأطفالا نقرر إعارته لأحد الجيران.

أكتب عن الكلاب هذه المرة بعد أن رأيتها تعيش فى أمريكا عيشة أكرم الكرام.. كنت أعرف من صديقات فى مصر، وفى مقدمتهن الصديقة العزيزة سوسن بشير، مدى الحب والنعيم الذى يمكن أن يحظى بهما كلب أو كلبة قدر له أو لها أن تنزل أوينزل ضيفا على بيت سوسن. ولكن ما رأيته فى أمريكا يفوق كل ما يمكن أن أتصور أن كلبا أو كلبة «مصرية» تمتعت به أو سوف تتمتع بمثله مستقبلا. سجلت أول ملاحظة عن كلاب أمريكا فى نيويورك، هذه المدينة الصاخبة المطلة على الأطلسى فى أقصى الشرق الأمريكى، وسجلت آخر ملاحظة عن الموضوع فى بورتلاند، هذه المدينة الوديعة الساحرة الواقعة على مرمى حجر من الباسيفيكى فى أقصى الغرب الأمريكى.

***

هناك فى نيويورك، ومن موقعى على إحدى أرائك رصيف أمريكى فى الغادة الخامسة، أحد أهم وأشهر شوارع العالم، جلست أراقب سلوك الأمريكيين، لم يخطر على بالى أن مراقبتى سوف تمتد لتشمل سلوك الكلاب من سكان أمريكا. كان الظن أن فى أمريكا ونيويورك بالذات، بشرا وأشياء كثيرة يمكن أن تشغل كل الوقت الذى فرغته للملاحظة وأمور أخرى ولن أجد وقتا لملاحظة سلوك الكلاب أو غيرها من الكائنات الأمريكية الأليفة.

لا أبالغ إن قلت إن الكلاب التى مرت أمامى شكلت نسبة لا بأس بها من المارين والمارات على هذا الرصيف فى هذا الشارع المهم. مرت أمامى كل الأنواع. وفى كل الأحوال وعلى امتداد الوقت لم يمر كلب منفرد أو كلبة منفردة أو بدون رفيق من بنى البشر. كان اعتقادى المتأثر باعتقادات سياسية وايديولوجية عن سلوكيات البنى آدمين أن الكلب كالانسان يحبذ، لو خير، أن يكون حرا طليقا. إلا أننى أجزم، وبكل الثقة التى تولدت عبر أسبوع من الملاحظة، أن كل كلبة من هذه الكلاب التى مرت أمامى فى هذا الشارع المهم من شوارع نيويورك كان سعيدا بالطوق الفاخر الذى يطوق رقبته وبالليش الجلدى الفاخر التى ينقاد بها وبالحب الذى يفيض فى عيون أصحابه وكرمهم. هؤلاء يشترون له أجود وأغلى الأطعمة المعلبة والطازجة. ولاشك أن هذا الكلب يشاهد على شاشات التليفزيون الإعلانات عن هذه المأكولات تتكرر مرة كل ثلاث دقائق، يشاهدها وهو مستلق ساكنا مستكينا فى أحضان صاحبته أو صاحبه.

***

لم يذهب الوقت الذى قضيته أراقب كلاب أمريكا السعيدة فقدا أو هباء، فقد أوحت ملاحظاتى بعديد الأسئلة، ساعدتنى الإجابات عليها التى تلقيتها فى نيويورك وفى مدن أمريكية أخرى على فهم بعض نواحى التغيير فى السلوك الآدمى الأمريكى. لست أنكر أيضا، أننى تسليت وقضيت لحظات ممتعة فى تأمل حاجات هذه الكلاب ورغباتها وامكانات اشباعها.

***

كتبت قبل أيام عن غياب التحرش الجنسى فى شوارع نيويورك، كنت أقصد بالطبع التحرش الجنسى بين البشر من سكان نيويورك. الواقع أن التحرش الجنسى موجود وبوفرة إذا وضعنا فى اعتبارنا أننا نتحدث عن جميع الكائنات المارة فى شوارع نيويورك والمستخدمة وسائل مواصلاتها وفى مقدمتها كلاب نيويورك وحاجاتها العاطفية. المشكلة المتكررة فى شوارع نيويورك وتشغل بال كثير من أهلها هى تحرش الكلاب ببعضها. من المناظر المألوفة مثلا منظر كلب يجر صاحبته الأنيقة والفاتنة بكل قوة نحو كلبة يقودها رجل مفتول العضلات، ولكن عاجزا عن السيطرة وفاشلا فى حماية كلبته من كلب راغب ومتحرش.

أستطيع من ناحيتى فهم دوافع كلب عظيم المنكبين لامع الجلد أصيل الأعراق، لا يقوى على كبت عواطفه أمام كلبة خارجة للتو من بيت تجميل، فالشعر مصفوف يتخلله نيش متناسب مع لون الشعر. كل شىء فيها يدعو ذكور الكلاب للإعجاب بها والإصرار على الاقتراب منها ضد إرادة صاحبته أو تمنعها، أما صاحبته فعلى وجهها ابتسامة مكبوتة موجهة للرجل صاحب الكلبة الجميلة، تعكس بابتسامتها سخريتها من تناقضات البشر، ها هى الكلاب تتحرش ببعضها البعض علنا وجهارا بينما البشر محرومون حتى من متعة تبادل الإطراء خشية الاتهام بالتحرش.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved