عرب بلا دول.. وإسلام يقاتل المسلمين!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 10 مايو 2016 - 10:05 م بتوقيت القاهرة

بنظرة سريعة إلى الواقع السياسى العربى عبر دوله القائمة، رسميا، تتبدى الحقائق المفجعة التالية التى تتلخص بأن ستا من الدول العربية تكاد تكون بلا «دولة»، أو بدولة معطوبة أو مطعون فى شرعية الحكم فيها، أو أنها، فى أقل تعديل، «بلا رأس».
■ نبدأ من لبنان الذى استطال دهر الفراغ فى موقع رئيس الجمهورية حتى بلغ السنتين! مع الإشارة إلى أن مجلس النواب الذى مدد لنفسه مرة ثم مرة ثانية، معطل هو الآخر، ومجلس الوزراء قلما يلتئم عقده، فإذا ما انعقد اشتبك الوزراء، لأسباب قد تبدو متصلة بالتركيبة الطائفية، وبالتالى باستثمار الفراغ الرئاسى ليدّعى «الوزراء الممتازون» أنهم إنما يملأون بهويتهم الطائفية المقعد الشاغر لرئيس الجمهورية الذى لابد أن يكون مارونيا.

■ فإذا ما انتقلنا إلى سوريا فإن «الرئيس» ما زال فى موقعه، ولكن «الدولة» ممزقة الجنبات، وبعض محافظاتها التى تمتد على معظم مساحتها (فى الشمال والشرق وبعض الجنوب) تسيطر عليها منظمات «إرهابية» بحسب التصنيف الدولى، أو منظمات معارضة بالسلاح للنظام القائم، وهى تحظى برعاية وازنة توفرها دول عربية غنية وذات نفوذ مؤثر، فضلا عن دعم معلن تقدمه بعض الدول الغربية. وبدل الجيش الوطنى أو فى مقابلة هناك «جيوش» تحمل أسماء مستخرجة من التاريخ بدءا بالخلافة (داعش) وصولا إلى المماليك فالحكم العثمانى من دون أن ننسى التتار والتركمان... إلخ.

بالمقابل فإن النظام القائم فى دمشق يحظى برعاية مباشرة ودعم عسكرى فعال من روسيا، فضلا عن إيران التى كانت سبقت ثم اكتشفت أنها لا تكفى لمواجهة التحالف الدولى الذى يساند أشتات المعارضات، وعلى رأسها «داعش» و«النصرة»، وهما عدوان يجمعهما العداء المشترك للنظام ويفرق بينهما الصراع على دولة خلافة المسلمين عندما يعاد بعثها.

فى البداية كان الغرب جميعا، بالقيادة الأمريكية، يقاتل النظام متكئا على تركيا كقاعدة خلفية للمنظمات المقاتلة، وبالذات «داعش» وبعض الفصائل التى انشقت عن الجيش النظامى فرعتها تركيا وتولت تمويلها دول الخليج العربى، حيث شكلت «قطر» الطليعة قبل أن تنضم السعودية إلى هذا التحالف فتصير الرياض هى المرجعية.
***
على هذا ففى سوريا رأس لدولة ممزقة دولا لكل منها «جيشه» ومصدر تمويله وميدان تدريبه، خصوصا وقد استجاب الأردن فتقاسم مع تركيا مهمات الإعداد والتدريب.. من دون أن يقطع مخابراتيا مع سوريا، ومن دون أن يتجاوز أو يخرب على ركائز التحالف الاستراتيجى مع إسرائيل، بداية، ثم مع دول النفط العربى المعززة بالدعم التركى المفتوح.

■ أما فى العراق فكثرة من الرؤساء والمجالس والمناصب والجيوش ولا دولة! فبذريعة تدعيم أو ترميم الوحدة الوطنية صار للعراق رئيس، بلا صلاحيات فعلية، هو بالضرورة كردى، ورئيس للحكومة ـ وهى مركز الحكم ـ من الطائفة الشيعية (التى تشكل أكثرية عددية) مع رئيس لمجلس النواب سنى المذهب.. ويجرى تقاسم الوزارات والإدارات والتنظيمات العسكرية على أساس التوازن الطوائفى وهو بين أسباب الفوضى الهائلة التى صفَّحتها المنافسات الطائفية على تقاسم المناصب والمغانم، بحيث تعرَّض العراق إلى منْهبتين مخيفتين بعد إسقاط نظام صدام حسين: الأولى تولاها جيش الاحتلال الأمريكى والمندوب السامى الذى عينته واشنطن وريثا للطغيان، والثانية بعد تقسيم المغانم كما الوظائف على القواعد الطوائفية والمذهبية والعنصرية.. قبل أن يستقل الأكراد بإقليمهم فى الشمال ثم تقاسموا السلطة المركزية (مع العرب) فى بغداد.

ولقد تعاقبت على السلطة حكومات عدة، ويصعب الجزم حول أى منها كان الأقدر على النهب مع ادّعاء العفة، ولكنها خرجت من الحكم مدانة جميعها.. وها هو العبادى الذى أعلن «الثورة ضد الفساد» وحلَّ حكومته يحاول ـ عبثا ـ تشكيل حكومة جديدة من غير السياسيين فتتشابك الخطوط بين واشنطن وطهران، وتدخل الرياض على الخط.. فى حين تمتلئ سماء بلاد الرافدين بالطائرات الحربية الأمريكية ـ البريطانية ـ الفرنسية ـ الألمانية ـ الأسترالية التى تبحث عبثا عن جيش «الخليفة البغدادى» فتتوه عنه ولا تصيب منه مقتلا، على امتداد سنتين طويلتين من إعلان الحرب عليه!

■ ولكى نصل إلى آخر الخط شرقا، اليمن، لابد أن نلاحظ أولا أن «دولته» قد تمزقت إربا. الرئيس السابق، أو «المخلوع»، على عبدالله صالح، ما زال يمارس سلطاته على العديد من أجهزة الدولة، وأهمها الجيش، وفى السياسة على تنظيم الاتحاد الشعبى الذى أخذته الضرورة إلى التحالف مع تنظيم «أنصار الله» بعدما قاتله لسنين طويلة، لمواجهة السعودية التى تبنّت نائبه فجعلته رئيسا.. ثم ساعدته على شق الجيش بتزكية النعرة الانفصالية الجنوبية، قبل أن ترسل طيران التحالف فى «حملة إعادة الأمل» ليقصف مراكز العمران فى اليمن السعيد.

وفى حين حاولت السعودية إسباغ لون مذهبى على الصراع وتصويره وكأنه بين «الزيود» فى الشمال و«الشوافع» فى الجنوب أساسا وبعض الشمال، تمهيدا لاتهام إيران (ومعها وعبرها «حزب الله» فى لبنان)، فإنها عززت بعض الفصائل المقاتلة فى الجنوب ومكنتها ـ مثلا ـ من الانتصار فى المواجهة مع «القاعدة» فى المكلا.. وقيل فى تفسير هذه النجدة التى تجىء خارج سياق الحرب الدائرة فى اليمن أنها تمهيد مبكر لانفصال متأخر للجنوب تحت الرعاية السعودية، بما يمكّن المملكة المذهبة من «شراء» حضرموت أو ربما الجنوب اليمنى بأكمله لتحقيق حلمها بإيجاد معبر مباشر إلى بحر العرب ومن ثم إلى المحيط.

■ لا ضرورة لشرح مطوَّل حول ليبيا ومصائر «الدويلات» التى تتنازع على ثورة النفط الغزير فيها.

لقد أقيمت فى ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية مملكة اتحادية تجمع بين ثلاث ولايات: برقة فى الشرق وعاصمتها بنغازى، وطرابلس فى الغرب، وسبها فى الجنوب. وعندما قام معمر القذافى ورفاقه الضباط صغار الرتبة بالثورة فى الفاتح من سبتمبر 1969 تم توحيد الولايات (من فوق)، لكن القبائل حافظت على منطقها الجهوى، خصوصا وأن نظام القذافى قد اختار لنفسه عاصمة للمركز فى سرت على «الحدود» بين الشرق والغرب.. وهكذا عندما انهار نظام الرجل الواحد ولجانه الثورية ومعها اللجان الشعبية عادت «الجهات» إلى تاريخها مع «الولايات الثلاث».. ومن هنا صعوبة الصياغة الجديدة للحكم فى ليبيا، وهل يكون مركزيا أو تعتمد اللامركزية ولا «ملك» يجمعها بنسبه الشريف كما آخر ملوكها السنوسى؟!

■ ونصل إلى تونس التى كانت انتفاضتها أواخر العام 2010 بشارة اقترابنا من زمن الثورة: لقد عجزت هذه الانتفاضة المجيدة عن بناء دولتها. كان الجمهور الذى ملأ الشوارع بغضبه المدوى بلا قيادة موحدة وذات برنامج محدد لإعادة بناء الدولة. وكان «الإخوان المسلمون» أقوى الأحزاب تنظيما، ولكنهم لم يكونوا مقبولين كقادة لتونس الجديدة. ولم تكن الأحزاب الوطنية والتقدمية ومعها النقابات ذات التاريخ المضىء (الاتحاد التونسى للشغل) جاهزة ومؤهلة لاستلام السلطة.. وهكذا مضى الصراع بطيئا، مع حرص من جميع القوى على اختلافها، على عدم المس بالدولة. حاول الإخوان المسلمون فوجهوا بالرفض، وقرر قائدهم العاقل الغنوشى الاكتفاء بالمشاركة. لكن التيار الغالب شعبيا لم يكن مستعدا لقبولهم فى موقع القيادة.. ولم تكن القوى الجديدة، واليسار تحديدا، مؤهلة لتسلم السلطة، وهكذا أعيدت هذه السلطة إلى بقايا البورقيبية. وانتهى الأمر بانتخاب تسعينى من رفاق الحبيب بورقيبة رئيسا للدولة الجديدة. وكان أول رد فعل انشقاق حزبه.. فى حين ساعدت العمليات الإرهابية التى نفذها مجندو «داعش»، على الأرجح، على تماسك أهل الماضى والحاضر، اضطرارا، لمواجهة هموم اليوم، مرجئين الاهتمام بالمستقبل إلى فرصة جديدة.
***
بالمقابل، أغلقت الجزائر أبوابها على نفسها فى ظل إدامة الحكم المؤقت لرئيسها الذى يرفض أن يغادر منصبه إلا إلى القبر، فلا هى تتحرك بالرفض أو بالقبول، ولا هى تعلن موقفها إلا بالتضاد مع المغرب الذى اختارته واختارها عدوا أولا وأخيرا.

من قبل، كانت العقيدة الإيمان بالأمة، وشرطها العروبة، وبجهد الشعوب، لا بالثروات المخبوءة فى باطن الأرض.

لكن ذلك عصر مضى، وها نحن فى زمن الضياع: نخرج من العروبة بحثا عن الإسلام فإذا الإسلام أصناف وأنواع، أغلبها أمريكى الهوى، وبعضها لا يجد حرجا فى صداقة إسرائيل، والبعض الآخر ضائع فى خضم الصراع الذى أُعيد إحياؤه بين السنة والشيعة فإذا دار الإسلام مدماة نتيجة حرب بلا نهاية بين المؤمنين، يستفيد منها أعداء العرب والمسلمين جميعا بعنوان إسرائيل!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved