هوية العـَرَبْ.. إلى زوال أم إعادة انبعاث؟


صحافة عربية

آخر تحديث: الثلاثاء 10 مايو 2016 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

الدول العربية سقطت بأيدى الأنظمة التى تحكمها، والهوية القومية العربية والهويات الوطنية المرافقة لها فى طريقها إلى الزوال التدريجى لصالح عالم عربى بلا هوية يتميز بالفردية والانعزالية فى أعماقة والتوحش فى سلوكه.

إن اختفاء الهوية الوطنية هو مسار غير اختيارى وأشبه بالانجراف اللإرادى فى اتجاه صاخب مجهول، ولكن باندفاع يوصل إلى نهاية محتومة أهم ما يميزها هو سقوط النظام السياسى السائد فى العالم العربى.

تحليل ما يجرى وحتى الحديث عنه ينطلق فى معظم الأحيان من أسس خاطئة، تستند إلى الحنين للماضى متجاهلة واقعا جديدا قيد التشكيل. من هنا فإن الصدمة التى أصابت المعظم عندما بدأت التطورات تعصف بالمحظورات والمحرمات لصالح القبول بها كأمر واقع له ما يبرره، خصوصا أنها قد تحولت مع الوقت من محظوات ومحرمات إلى خيارات سياسية دون أى ضوابط تمنعها من الانجراف والانجرار وراء اللامعقول مثل التعامل مع إسرائيل كحليف ضد الإخوة وأبناء العم، أو قيادة السعودية للعالم العربى أو ما تـَبَقـَى منه.

إن تسخير الخطاب القومى والخطاب الوطنى لخدمة النظام، قد جعل من الممكن للبعض اعتبار أن الهوية الوطنية امتداد للنظام، وبالتالى اعتبر أمر التخلص منها أو الابتعاد عنها أو تغييرها أمرا جائزا ومسموحا به، ضمن محاولات تدمير النظام كما حصل مثلا فى العراق ويحصل الآن فى سوريا. وهكذا فإن الدولة الوطنية أصبحت فى الحقيقة لا تمثل المواطن بقدر ما تمثل السلطة الحاكمة.

وفى المقابل فإن السلطة الحاكمة أبدت استعدادا لتدمير الدولة الوطنية أو تمزيقها من أجل الحفاظ على بقائها كما يجرى الآن فى سوريا. والمواطنة التى تحولت إلى مشكلة فى ظل أنظمة مستبدة ظالمة أساءت إلى بعض المكونات الوطنية لشعوبها سوف تفقد بالضرورة كل معانيها فى غياب الهوية الوطنية والدولة الوطنية.

لا يوجد إجماع وطنى على قبول بديل أو بدائل للنظام السياسى السائد والمعمول به حاليا. ويبدو أن عملية التغيير قد فتحت الباب أمام الأجندات الخاصة لمختلف المجموعات العرقية والدينية والمذهبية، لترجمة طموحاتها الصغيرة على شكل دويلات بنفس الصِغـَرْ فى ظل عدم وجود رؤيا موَحدة أو واضحة لما يجب أن تؤول إليه الأمـور.

وهذا النهج فتح الباب على مصراعيه أمام الاقـتتال والحروب الأهلية، مما سبب المزيد من الضعف للكيانات الوطنية وجَعَـلَها فريسه سهلة للتدخل الخارجى.

يعتبر الكثيرون أن الحديث فيما يجرى من تطورات فى المنطقة العربية هو من باب التكرار المُمِل الذى يبعث على السَأَمْ. بل وأكثر من ذلك إنهم أخذوا ينظرون إلى قضايا المنطقة ومشاكلها باستخفاف ولامبالاة أو يأس وقنوط.

وأصبحت المذابح اليومية فى سوريا وقبلها فى العراق والآن فى اليمن موضوعا لا يحظى باهتمام الناس. وأصبحت القضية الفلسطينية مدعاة لتجاهل أو لسخرية العديد من العرب، وأصبح التعامل مع إسرائيل مصدر فخر، وأصبحت الكيانات الصغيرة الجديدة تعتبر إسرائيل حليفها الاستراتيجى الطبيعى والضامن لأمنها، والكيانات السياسية العربية التى كانت سائدة هى العدو وهى مصدر الخطر.

إن الحديث عن حتمية التغيير لا تعنى أنه قادمٌ بين ليلة وضحاها. فالتغييرات الاستراتيجية فى المنطقة لن تكون فورية بل ستحتاج إلى حقبة من الزمان حتى تتبلور وتبدأ فى الاستقرار. وإذا كانت الدولة الوطنية كما نعرفها فى طريقها إلى الزوال فهو أمر يجب أن يأخذ أيضا مداه التاريخى حتى يتحقق.

المستفيد الأكبر من هذه التغييرات هو إسرائيل. فتغيير النظام السياسى العربى القائم والإطاحة بمنظومة القيم والمحرمات لن يؤدى إلا إلى تعزيز وضع إسرائيل فى الإقليم، وإعطاؤها صك غفران على كل ما ارتكبته وترتكبه بحق الفلسطينيين وتحويلها من عدو مغتصب إلى حليف استراتيجى.

لبيب قمحاوى
مفكر ومحلل سياسى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved