هندسة دعم الغذاء فى مصر

عاصم أبو حطب
عاصم أبو حطب

آخر تحديث: الأربعاء 10 يونيو 2015 - 10:35 ص بتوقيت القاهرة

انتهى العام الأول للسيسى وحكومته، ممهدا الطريق لسلسة من تحليلات تقييم أداء النظام وإنجازاته على مستوى القطاعات المختلفة. واتسمت هذه التحليلات بسمتين أساسيتين أولاهما القطبية الشديدة، فإما تجدها مسرفة فى الثناء والإشادة أو تلقاها ممعنة فى النقد غير الموضوعى.

أما السمة الثانية فهى تركز هذه التحليلات على الملف السياسى محليا وإقليميا وعلاقات النظام مع دول الجوار، والملف الأمنى وتحديدا جهود مواجهة الإرهاب ومحاولات استعادة الاستقرار.

وأمام هذا وذاك، غابت قضايا اجتماعية واقتصادية أخرى عن بؤرة التقويم، رغم ما شهده هذا العام من سياسات وقوانين جديدة قد تؤدى إلى تغييرات طويلة الأثر فى واقعنا الاقتصادى والاجتماعى.

ومن واقع اختصاصى فى مجال سياسات الزراعة والغذاء، فإننى أستطيع أن أزعم بأن أهم إنجاز حققه النظام السياسى خلال عامه الأول هو «فتح» ملف الدعم وتبنى سلسلة من السياسات لإعادة هيكلة منظومة دعم الغذاء فى مصر. ومن باب التدقيق، فإننى استخدمت كلمة «إنجاز» لوصف عملية «الفتح» ذاتها وليس لوصف نتائج تطبيق هذه السياسات لأنها ــ كما سيأتى لاحقاــ مازالت فى أطوارها الأولى ويلزمها الكثير من الوقت والجهد حتى ترتقى لمستوى الإنجاز. نعم، إن نجاح الحكومة فى تقليص دعم الغذاء فى الموازنة العامة للدولة وفى ذات الوقت تجنب حدوث اضطرابات اجتماعية وأحداث عنف هو فى ذاته حدث مهم يستحق أن نقف عنده. ودعونى أعود بكم للوراء لأبين أسانيد هذا الزعم ولماذا أراه بمثابة تغيير جوهرى فى السياسة الاقتصاديةــ الاجتماعية فى مصر.

***

تتحدث أدبيات السياسة الاقتصادية فى مصر أن نظام دعم الغذاء المتعارف عليه حاليا قد ظهر خلال أربعينيات القرن الماضى، وتحديدا خلال الحرب العالمية الثانية كمحاولة من النظام الملكى وقتها لتخفيف تبعات ارتفاع أسعار ونقص إمدادات الغذاء بسبب الحرب على الطبقات الفقيرة.

ومع تعاقب السنوات، تكون لدى المصريين قناعة راسخة بأن شرعية النظام الحاكم تستمد من التزامه وقدرته على توفير الغذاء والسلع الأساسية بأسعار مدعومة وفى متناول المواطنين.
وخلال الحقبة الناصرية وتوجهاتها الاشتراكية، صار الدعم سمة أساسية للسياسات الاقتصادية، فظهرت البطاقات التموينية، وتوسع برنامج دعم الغذاء فيما يتعلق بمعدل التغطية وعدد السلع المدعومة. ولم يشكل هذا عبئا على موازنة الدولة فى ذلك الوقت، حيث كان القطاع الزراعى وقتها محركا للنمو الاقتصادى وكان الإنتاج الزراعى يتناسب مع احتياجات السكان وكانت مصر تتمتع بمستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتى فى العديد من السلع الزراعية.

ولكن مع انتصاف السبعينات واختلال التوازن بين الإنتاج والإستهلاك بسبب الزيادة السكانية المستمرة، إلى جانب السياسات الزراعية والاقتصادية التى نتج عنها تراجع أهمية القطاع الزراعى فى الاقتصاد القومى، ثم تحول مصر لمستورد صافٍ لعدد من السلع الزراعية، وتزامن ذلك كله مع ارتفاع أسعار السلع الزراعية والغذائية فى الأسواق العالمية، ارتفعت فاتورة دعم الغذاء فى مصر وأصبحت تشكل عبئا على الموازنة العامة للدولة. فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر طن القمح فى السوق العالمية من 60 دولارا عام 1970 إلى ما يقارب 250 دولارا عام 1973، ونتج عن ذلك ارتفاع تكلفة واردات القمح من 150 مليون دولار إلى نحو 400 مليون دولار خلال نفس الفترة. كما ارتفعت التكلفة الإجمالية لقيمة دعم الغذاء من 3 ملايين جنيه مصرى عام 1970 إلى نحو 1.3 مليار جنيه عام 1980. وللتعامل مع الأزمة وتداعياتها على الموازنة العامة للدولة، اتخذت الحكومة وقتها عددا من القرارات بشأن رفع أسعار بعض السلع الغذائية المدعومة، مما تسبب فى أحداث يناير عام 1977 الشهيرة وما صاحبها من أعمال عنف واضطرابات اجتماعية كادت تعصف بالنظام السياسى.

ومنذ ذلك الحين، أضحى لدى الحكومات التى توالت على حكم مصر قناعة بأن قضية الدعم فى مصر «خط أحمر» وأن الاقتراب أو المساس بها هو عبث بالسلم الاجتماعى والاستقرار السياسى فى البلاد. يذكرنا هذا بالمشهد المتكرر فى الأفلام العربية القديمة عندما يستأجر البطل بيتا فيعطيه المستأجر الحرية الكاملة فى استخدام المكان باستثناء غرفة واحدة، لتبقى لغزا يخفى خلفه «عقدة» القصة، كذلك كان حال دعم الغذاء فى مصر: توارثته الأنظمة المتعاقبة من غير أن يجرؤ أحد على الاقتراب منه حتى لا يفتح على نفسه أبوابا من المشكلات التى لا قبل له بها.

وأدرك نظام مبارك هذه الحقيقة وتعامل مع ملف الدعم بأعلى درجات الحذر، فخلال عهده توسع برنامج دعم الغذاء لتشكل تكلفته نحو 20.5% من إجمالى الإنفاق الحكومى عام 1982، وتصبح غير محتملة من الناحية التمويلية فى ظل التزايد المستمر فى واردات القمح وأزمة النقد الأجنبى وتزايد عجز الموازنة وأزمة الديون الخارجية. ولذلك، فقد ارتكزت سياسة نظام مبارك على التعاطى مع ملف الدعم على إحداث تعديلات غير مباشرة وتخفيضات بطيئة وغير ملموسة على السلع المدعومة، كالتقليل التدريجى فى عدد السلع أو تثبيت أسعارها مع تقليل جودتها أو تخفيض أوزانها، وغيرها من الإجراءات التى نجحت تدريجيا فى تحقيق أغراضها بدون أن يشعر المواطن بتأثيرات سلبية فجائية على مستوى معيشته ومن ثم تفادى تكرار أحداث 1977.

ورغم كل محاولات الإصلاح المستمرة لنظام الدعم، تضاعفت قيمة الإنفاق الحكومى على دعم الغذاء خلال السنوات الأخيرة من حكم مبارك، فعلى سبيل المثال، ارتفعت قيمة دعم الغذاء بين عامى 2007 و2010 من 2.3 مليار دولار إلى نحو 4.6 مليار دولار متأثرة بأزمة الغذاء العالمية عام 2008 وارتفاع الأسعار العالمية للسلع الزراعية.

وفى أعقاب ثورة 25 يناير 2011، تزايد حرص الحكومات على التعامل الحذر مع دعم الغذاء، لا سيما فى ظل الحالة الثورية التى طغت على المشهد السياسى العام فى البلاد، فتمت الاستجابة للمطالب الفئوية، وارتفعت المرتبات، وتوسعت شبكة الضمان الإجتماعى، مما ساهم بشكل كبير فى تزايد عجز الموازنة. وفى ظل تراجع معدلات النمو الاقتصادى، وتدهور قيمة العملة المحلية، والاضطرابات السياسية خلال السنوات الأربع الماضية، أصبحت إعادة هندسة دعم الغذاء فى مصر والذى تجاوزت فاتورته 37 مليار جنيه خلال العام المالى 2014ــ2015 ضرورة ملحة ودواء مر لا بد منه. فلم يكن من المنطقى الاستمرار فى تبنى نظام ثبت فشله فى تحقيق الغرض الأساسى منه، وهو توفير الضمان الاجتماعى للطبقات الفقيرة على مدى سبعة عقود. فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات المعهد الدولى لبحوث سياسات الغذاء إلى أن نسبة مستحقى الدعم فى مصر لا تتجاوز 30% فقط من السكان؛ الأمر الذى يعنى تسرب مخصصات الدعم وحصول نسبة كبيرة على دعم لا يستحقونه.

***

وبناء على ما سبق من بيان لحساسية قضية دعم الغذاء فى مصر، فإننى أرى أن نجاح الحكومة الحالية فى اتخاذ قرارها الجرىء فى يوليو عام 2014 بخفض دعم الغذاء من 34.6 مليار جنيه إلى 31.6 مليار جنيه، إلى جانب تبنى حزمة من السياسات الرامية إلى إعادة هيكلة دعم الغذاء فى مصر، ثم تمرير هذه الاجراءات بدون أحداث عنف وتأثيرات سلبية على السلم الاجتماعى العام، هو خطوة ناجحة فى حد ذاتها. طبعا، لا أنكر أن حالة الاستقطاب التى تسيطر على الشارع المصرى قد ساهمت بشكل جوهرى فى تحقيق ذلك إلا أننى لا أقف أمام ذلك طويلا بل أعتبره وبنظرة براجماتية من باب حسن استغلال الظروف والاستفادة من معطيات الواقع فى تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية.

ولكن يجب أن نؤكد أن «فتح» ملف الدعم لا يعنى مطلقا نجاح العملية. فتشير تقديرات المعهد الدولى لسياسات الغذاء، إلى أنه لو غاب الدعم لارتفع معدل الفقر بمعدل 20% إضافية. وبذلك فإن ما تحقق ليس أكثر من مجرد خطوة هامة على طريق طويل، يستلزم استراتيجية شاملة للاستمرار فى هذه الإجراءات الإصلاحية التى أصبحت ضرورة ملحة لتخفيف عجز الموازنة العامة، وفى ذات الوقت مراعاة أبعادها الاجتماعية والتعامل مع تأثيراتها السلبية المتوقعة على الطبقات الفقيرة، وهناك العديد من التجارب الناجحة على المستوى الدولى والإقليمى نجحت فيه دول كثيرة فى تنفيذ سياسات متوازنة لتقليص برامج الدعم الموجه للغذاء من ناحية، وإعادة توجيه الوفورات المالية المتحققة نحو تنمية البنى التحتية فى الأماكن الفقيرة وتحسين الخدمات العامة كالصحة والتعليم والاستثمار فى المشروعات الصغيرة والمولدة لفرص العمل والدخول الثابتة للقطاعات الفقيرة من السكان من ناحية أخرى.

أخيرا، فإننى أعتقد أنه فى حال نجاح النظام الحالى وحكومته فى إعادة هندسة دعم الغذاء فى مصر، فسيكون ذلك أحد أهم العلامات المميزة لهذه الحقبة فى تاريخ مصر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved