عن الصراع فى مصر الآن

أهداف سويف
أهداف سويف

آخر تحديث: الأربعاء 11 يوليه 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

نطالب بالإفراج عن المحكومين من شبابنا عسكريا.. فيحبسون مجموعة جديدة، من السويس، لتضامنهم مع المحبوسين على خلفية اعتصام العباسية. كما يحتجزون ٨ من الشباب الذاهب للتضامن مع ثوار السويس، يفرجون عن ٧ منهم ويحتفظون بواحد فقط: باسم محسن الوردانى، وهو من مصابى محمد محمود (تغريدة: … بس العيال خارجين متكسرين وفيهم واحد فى المستشفى) ــ هذا فى نفس اليوم الذى يعقد فيه شباب «لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين» مؤتمرهم. وتضطر الاحتجازات والتظاهرات شباب «مصرين» إلى تعليق ورشة الإعلام الشعبى التى كانوا يقيمونها فى السويس ــ لا سيما أن منسقهم كان ضمن الشباب الذين قبض عليهم. وفى الوقت نفسه بدأت اللجنة التى كلفها الرئيس بالبحث فى ملفات المدنيين المحكومين عسكريا عملها.

 

وفى الأسبوع الماضى أيضا خرج الصدام بين المحامين والشرطة أخيرا إلى النور، فسمعنا مرة أخرى جملة الشرطة الشهيرة «إحنا اللى بنحكم البلد دى»، ورأينا المحامين يعتصمون ويحاصرون قسم مدينة نصر ويعلنون الامتناع عن الدفاع عن الشرطة فى القضايا المرفوعة عليهم.

 

كما اتهم المواطن وحيد مصطفى السيد (٢٩ سنة)، الضابط مصطفى القاضى، ضابط مباحث بقسم بدر، بمداهمة بيته، والتعدى على زوجته، وضربه حين حاول الدفاع عنها، ومحاولة «كسر عينه» بانتهاكه جسديا أمامها بماسورة ستارة، وضرب الجيران الذين حاولوا الدفاع عن الأسرة. وقد بدأ المواطن وحيد الآن رحلة عبثية مع نيابة التجمع الخامس.

 

وبعث طالب فى جامعة المنصورة بتغريدة متسائلة: «لو سمحت احنا بنتعرض لإهانة وشتيمة كل يوم من العقيد والعساكر أثناء التربية العسكرية فى جامعة المنصورة الناس دى مفيش حد يلمها؟ نعمل ايه؟ العقيد اسمه عبدالله محمد متولى شاهين، عمال يشتم فى الثورة وأى حد يرد عليه يكدره ويهينه مع العساكر بتوعه..».

 

هذا عن منظومة الأمن والشرطة. غير هذا توجه آلاف المواطنين إلى القصر الرئاسى بشكاواهم ومطالبهم، فصرحت قيادات إخوانية لها شعبيتها بأن المظاهرات أمام القصر الرئاسى «مؤامرة» تهدف إلى إسقاط الرئيس.

 

وتدور معركة حول «تحرير» أسعار الدواء وتأثير هذا على المريض المصرى.

 

وأحداث أخرى كثيرة، أبرزها، طبعا، كان تأجيل الرئيس لتنفيذ حكم المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الشعب إلى أن يتم انتخاب مجلس جديد خلال ستين يوما من موافقة الشعب على الدستور الذى تكتبه الآن «التأسيسية» ــ وقوبل هذا القرار بصخب شديد وإنذارات واحتجاجات مرتفعة الوتيرة حتى إن نادى قضاة الإسكندرية، مثلا، علق العمل بالمحاكم «لحين عدول الرئيس عن قراره» ــ مما جعل الخاطر يتوارد إلى ذهن الكثيرين «يعنى القضاة عارفين يضربوا. ماأضربوش ليه بقى مع التعدى على اختصاصهم اللى بيعمله المجلس العسكرى من فبراير؟» وقت أن أصدر وزير العدل قانون الضبطية القضائية، وسمحت المحكمة الدستورية للفريق أحمد شفيق بالنزول إلى الانتخابات، وأمرت بحل مجلس الشعب، واتضح أن قانون الانتخاب ترك به عوار يعمل بمثابة القنبلة النائمة، يمكن تفعيلها عند اللزوم ــ وقتها كتب أحد المغردين «أصررتم على أن تظل الثورة فى حضن القانون وها هو القانون قد اغتصب الثورة» فماذا أنتم فاعلون؟

 

قال حسنى مبارك إما أنا أو الفوضى. ليس لأن هذا من طبائع الأمور، أو لأنه ــ كما كان يوهم أصدقاءه فى الغرب ــ يمسك بقبضة من حديد على بلد تتجه فطرته إلى الفوضى، ولكن لأن ما يتبقى فى مصر من عناصر نظامه سيعمل على نشر الفوضى ــ سيستعمل الفوضى سلاحا يحارب به الثورة ويعمل به على إعادة شكل ما من النظام المثار (المثوور؟) عليه، يتقبله المواطنون باسم الأمن والاستقرار ولقمة العيش.

 

ومن مظاهر الفوضى طبعا الانقسامات التى نراها الآن ــ حتى فى صفوف المحسوبين على الثورة. وستظل هذه الانقسامات تلاحقنا، وفيما عدا القلة، سيجد الفرد نفسه مرة على جانب ومرة على جانب آخر. لأننا ــ حتى إن افترضنا فى الكل الإيمان بالثورة والحرص عليها، نجد اختلافات جذرية فى مواقفنا من العسكر، ومن الإخوان، ومن الولايات المتحدة والمملكة السعودية وفلسطين، ومن المؤسسات كقيمة فى حد ذاتها، ومن درجة العجالة المطلوبة فى بسط العدالة، ومن أهمية أو عدم أهمية الخطوات الإجرائية، ومن احترام الملكية الخاصة، ومن المواقف الطبقية، وغيرها وغيرها. وهذا بين من نصنفهم على أنهم، بالأساس، يقفون مع «الخير». فما بالك إذا نظرنا إلى الصورة كلها بما فيها من خير وشر؟

 

ولكن من عبقريات مصر، ومن نعمها علينا، أنها قدمت للعالم مفهوم الـ«ماعت»، ذلك المفهوم الذى بلوره أجدادنا القدماء عبر مئات السنين ورمزوا له بامرأة شابة، جميلة، ممشوقة القد، تلف جبينها برباط رقيق، تنغرس فيه ريشة صاعدة توجه نظر الرائى نحو السماء (وربما من هنا التعبير المصرى «على راسك ريشة؟» أى لا يمكن المساس بك؟). ماعت هى قانون الوجود وميزان الكون، ولدت وشبت فى مصر، وبلغت النضج فيها فى حوالى الألفين قبل الميلاد؛ روح مصرية أصيلة لا تزال موجودة فى كل واحد فينا، فاعلة فى شخصيتنا الجمعية حتى وإن نسينا اسمها. أملى أن تسمح الأحداث يوما بمساحة تمكننى من الإسهاب فى حكى قصتها وسبر معانيها ــ لكن الجزء الذى يعنينى فى ماعت (متعددة الصفات) اليوم هو ذلك التوجه العملى، الباعث على التفاعل والحيوية الدائمة، الذى يقبل بوجود الشر كقوة فى حياتنا. ماعت المصرية تعترف بوجود الشر وبسطوته، لكنها تحاربه أبدا وتعمل على ترجيح كفة الخير فى ميزان الكون. وهى تقبل بوجود الفوضى، لكنها تحاول أن تستخلص منها أسسا متجددة دائما للنظام. وهى تعلم أن النظام دائم التحول، وأن الميزان لن يدوم استقراره على غلبة كفة الخير لكن الويل كل الويل لو رجحت كفة الشر. ولهذا فالعمل فى سبيل الخير عمل دائم، والعمل على تحويل الفوضى إلى طاقة خلاقة خيرة هو أسلوب فى الحياة، ولهذا تحسب كل كلمة وكل حركة وكل بادرة فى ميزان الخير والشر، ومن هنا كان لكل فرد منا تأثيره على هذه المعركة الكونية ــ تأثير كل قرار نأخذه وكل فعل نقوم به فى كل يوك من أيام حياتنا. نعرف أن الشر موجود، وأنه يريد أن يبتلع العالم. نتقبل وجوده، ونحاربه لننقذ العالم باستمرار. الثورة مستمرة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved