الرئيس الأمريكى فى ميزان الاقتصاديين

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

بينما أقلب مؤشر التلفاز هربا من برامج الطهى والضجيج الهستيرى، وقفت عند محطة سى إن إن التى باتت تخصص نحو 80% من إرسالها لمناقشة الأزمات التى يخلقها الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، أو تلك التى تحدق به بمعدل يومى أو عبر يومى غير مسبوق فى تاريخ حكام العالم. لو أنك لا تتابع أخبار الولايات المتحدة إلا من خلال تلك النافذة، لظننت أن «ترامب» يخضع حاليا لمحاكمة عاجلة، وأنها مسألة أيام قبل أن يعزله الكونجرس بغرفتيه وبقوة الشعب. لكن الحقيقة أعقد من ذلك، فقد تصدر الشاشة هذه المرة صورة رجل ستينى أنيق ينتمى إلى الحزب الجمهورى كما تخبرنا لافتة التعريف، فأخذ يقول بصوت هادئ واثق ونبرة تحذير ما مفاده: «إن القيم الأمريكية كلها أصبحت مهددة، وحجم التأثير الأمريكى تراجع بقوة منذ بدأت الفترة الرئاسية لترامب»...ليس هذا الصوت نشاذا فى أروقة الحزب الذى ينتمى إليه الرئيس الأمريكى، لكن صرخات أخرى من أعلام الجمهوريين بل ومن المحافظين الجدد سبقته إلى تلك الملاحظة. قائمة الجمهوريين الذين عارضوا حكم ترامب ومنهم من صوت لمنافسته الديمقراطية «هيلارى كلينتون» تضم جورج بوش الأب والابن، كولن باول، جون ماكين، ليندسى جراهام عضو مجلس النواب، جون كازيتش حاكم أوهايو، جورج باتاكى حاكم نيويورك،... والقائمة تطول.
الفضائح والتغريدات الذاتية التى تطعن فى صلاحية الرئيس الأمريكى كثيرة، لكن الحجة الوحيدة التى يبنى عليها أنصار ترامب دفاعهم عن رئاسته تكاد تنحصر فى تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية، عدا ذلك لا يبقى سوى صيحات شعبوية، ينحاز إليها عدد غير قليل من مشجعى مباريات المصارعة الحرة، الذين مازالوا يعتقدون فى أنها غير مدبرة!
من بين العديد من المسائل الملتبسة فى علم الاقتصاد تظل «السببية» causality أهمها على الإطلاق، وأكثرها تأثيرا فى تقييم فترات الحكم، وأداء الإدارات على مختلف المستويات. نحن نشهد التردى أو التحسن الاقتصادى للمؤسسة وللاقتصاد الكلى، لكن أحدا لا يمكنه أن يجزم أى القيادات والسياسات كان سببا فى نيل هذا التحسن أو تحقيق ذلك التردى. هناك فترات من التباطؤ بين اتخاذ القرار أو اتباع السياسة وبين جنى الثمار. البعض يأتى بينما الأرض تثمر فيحصد منها ما زرعه سابقه، والبعض لا يجنى سوى خراب خلفه السابقون.
***
مقالات عديدة كتبتها عن ترامب، حروبه الاقتصادية، أزماته التى يخلقها بغرض التأثير على حركة الأسهم... لكننى مازالت أذكر مقالا نشرته فى موقع مصر العربية أغسطس من العام الماضى تحت عنوان «الأداء الاقتصادى لدونالد ترامب» تناولت فيه أثر سياسات ترامب الخاصة بتخفيض الإنفاق على شبكة الأمان الاجتماعى بنحو 3.6 تريليون دولار فى عشر سنوات على المجتمع الأمريكى وعلى الاقتصاد كله فى الأجل الطويل. كما تناولت فيه عدم دقة تقديرات ترامب للأثر الإيجابى المتوقع لخفض الإنفاق الحكومى على إنعاش تحسين مناخ الأعمال، ومن ثم زيادة الإيرادات الضريبية للخزانة الأمريكية، ذلك لأن التعديلات الضريبية التى أدخلها على ضرائب الشركات من شأنها أن تلتهم أى إيرادات إضافية!، كما أفاد المحللون.
ذكرت أيضا أن مؤشرات التحسن الاقتصادى المرحلى التى ظهرت فى الأسابيع الأولى لحكم ترامب على الرغم من تواضعها فهى غير محسومة لصالح سياسات الرئيس الجديد. مثلا الإنفاق على المعدات ارتفع بالفعل فى الربع الثانى من العام الماضى، لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك يعود إلى زيادة التنقيب على البترول فى أعقاب ارتفاع أسعار الوقود الشتاء السابق، خاصة أن عددا من المستشارين الاقتصاديين قد أكدوا تراجع نمو الاستثمار فى الربع الثانى بعد استبعاد أنشطة التعدين.
أما عن النجاحات المالية المرتبطة بأسواق رأس المال تحديدا والتى يفرد لها ترامب مئات التغريدات والتصريحات فقد ذكرت فى المقال «من ناحية أخرى وعلى خلفية وصول مؤشر داوجونز الصناعى إلى قيمة شبه تاريخية (22 ألف نقطة) وزيادة نشاط الأعمال يرى رئيس أحد بنوك الأفكار الأمريكية المعتدلة أن «ترامب» قد نجح فى وضع حد لارتفاع تكلفة البيروقراطية والتنظيم والتى بلغت وفقا لتقديراته نحو 890 مليار دولار خلال سنوات حكم الرئيس أوباما!. هذا التدخل الرئاسى لتخفيض التكاليف من شأنه ــ وفقا لصاحب هذا الرأى ــ أن يعزز الثقة فى مناخ الأعمال والاستثمار. لكن هذا الرأى لا يتعارض مع ما تقدم لأن الأثر المباشر لقرارات «ترامب» قد وجد صداه فى سوق الأوراق المالية، لكن أثره على توقعات النمو مازال مثار جدل».
الشاهد أن معدلات النمو فى عام ونصف العام من حكم ترامب تحسنت بالفعل مقارنة بمثيلاتها فى عام ونصف العام من ختام حكم سابقه أوباما. وفقا للباحث الاقتصادى «إرنى جوس» فقد شهد الاقتصاد الأمريكى خلال فترة ترامب المذكورة نموا بمعدل 4.1% مقارنة بنمو قدره 2.2% فى نهاية فترة أوباما. كذلك يشيد الباحث بالاتجاه الصاعد لمعدلات النمو مقارنة باتجاه نزولى فى ختام عهد سابقه، مؤكدا على أن ذلك يعزى إلى سياسات ترامب المحفزة لمناخ الأعمال، بتخفيض الضرائب والقيود التنظيمية للأسواق. لكن مكتب التحليل الاقتصادى Bureau of Economic Analysis له تحليل آخر يعرضه بالأرقام ليؤكد أن طفرة النمو الاقتصادى فى الربع الثانى من 2018 لا تختلف كثيرا ــ بل تقل ــ عن نظيرتها فى الربع الثالث من عام 2014، وأن معدلات النمو الاقتصادى منذ بداية عهد ترامب لا تكاد تتطابق مع مثيلاتها فى الفترة الثانية من عهد أوباما.
من ناحية أخرى، من الاقتصاديين من يرى أن ترامب وأبواقه يشوهون حقائق الاقتصاد، وأن «المعجزة الاقتصادية» التى يزعمون إطلاقها فيما يخص تحقيق أدنى مستوى للبطالة منذ طفرة «كلينتون» عام 2000، لا تنعكس بشكل كاف على معدلات الأجور، حيث إن معدل نمو أجر الساعة لم يرتفع خلال العام الماضى سوى بنحو 2.7% وهو ما لا يتناسب مع نمو معدل نمو الاقتصاد، الأمر الذى يفسر عدم شعبية قرارات الخفض الضريبى كونها لم تصل بصورة مناسبة إلى المواطن الأمريكى. وصول معدل البطالة إلى مستوى 3.9% يأتى فى ذات الاتجاه الذى تأخذه معدلات البطالة منذ عام 2012، بل إنه يمكنك أن تجادل بأن معدل التراجع فى البطالة انخفض نسبيا منذ وصول ترامب إلى الحكم (وفقا لمقال «عذرا كلين» فى موقع فوكس أغسطس الماضى).
بل إن «بيتسى ستيفنسون» (الباحثة الاقتصادية فى جامعة ميتشجن) تؤكد أن باراك أوباما كان يضيف 217 ألف وظيفة غير زراعية شهريا وأنه منذ بداية فترة ترامب الرئاسية الأولى تضاف 189 ألفا شهريا، وأنها لا ترى سببا واحدا لتباهى ترامب بأدائه الاستثنائى فى هذا المضمار! فهو لم يحقق أى معجزة اقتصادية لكنه أيضا لم يتسبب فى تغيير اتجاه متغيرات الاقتصاد الكلى بشكل سلبى.
***
البراجماتية الحزبية أعمت أعين الجمهوريين عن حزمة تحفيزية تقدر بنحو 1.5 تريليون دولار فى صورة تخفيض ضريبى، قدمها «ترامب» للأمريكيين بغرض تعزيز الطلب الفعال، ولو فعلها «اوباما» لقامت عليه الدنيا. تقول إحداهن لم يضف «ترامب» شيئا إلى التوجه الاقتصادى لأوباما سوى أنه أضاف إليها بعض السياسات الكينزية التى عادة ما يلفظها الحزب الجمهور!. هذه البراجماتية هى ذاتها ما تجعل المحافظين الجمهوريين فى حالة من الترقب لمصير «ترامب» فإن سقط أعلنوه عبئا عليهم، وإن أنصفته معجزته الاقتصادية المزعومة فقد نجا إذن لأنه منهم!. خفض الضرائب يمكنه أن يكون محفزا للإنفاق وللنمو الاقتصادى فى الأجل القصير، لكن العديد من الاقتصاديين يشككون فى قدرته على توفير حافز طويل الأجل لنمو الاقتصاد.
قدرة الرئيس الأمريكى وأنصاره على تسويق نجاحات اقتصادية مشكوك فى استمراريتها وسببيتها وثباتها فى مواجهة حروبه التجارية وتقلباته السياسية، يمكنها أن تحسن من فرص الجمهوريين فى بضعة انتخابات قادمة، لكنها لن تصمد طويلا، خاصة مع تراجع شعبيتها فى أروقة الحزب الجمهورى ذاته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved