حرب أكتوبر والإخوان

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 10 أكتوبر 2012 - 8:35 ص بتوقيت القاهرة

يستذكر العرب، فى مختلف أقطارهم، حرب العبور فى السادس من تشرين الأول ــ أكتوبر 1973، بكثير من الاعتزاز والتقدير للقوات المسلحة المصرية ومعها شريكها بالدم الجيش السورى وسائر الفرق أو الكتائب التى أكدت وحدة المعركة القومية ودخلتها بما تيسر من قدراتها قادمة من ليبيا والجزائر والعراق والمغرب، ومعها جميعا القرار الشجاع للملك السعودى الراحل فيصل بن عبدالعزيز بإدخال النفط كسلاح فى معركة المصير.

 

لقد انخرط الجميع فى تلك الحرب التى جاءت ردا باهرا على هزيمة الخامس من حزيران ــ يونيه 1967، وإن ظلت الجبهة المصرية هى الأخطر واضطرار القوات المسلحة المصرية إلى التقدم فى أرض مكشوفة فى ظل تفوق طيران العدو المعزز بقدرات أمريكية مفتوحة.

 

على أن الجيش الذى كان قد أعيد بناؤه على قواعد متينة، والذى انخرطت فيه أجيال شابة ومؤهلة علميا ومؤمنة بقداسة هذه المعركة الهادفة لرد الاعتبار للقوات المسلحة، بل وللشعب المصرى، وصولا إلى الامة العربية جمعاء، التى شاركت جميعا فيها، كل بقدر طاقته، قد واجه ما يمكن اعتباره خديعة أو كمينا سياسيا تسبب فى أن يظل النصر ناقصا، مما مكن العدو الإسرائيلى من الرد بهجوم مضاد أضاع الكثير من إنجازات القفزة الأولى البطولية، كما مكنه ــ فى ما بعد ــ من التفرغ، بكتلته العظمى، لصد القوات المسلحة السورية التى كانت قد حققت قفزة مهمة باستعادة قمة جبل الشيخ والمرصد الإسرائيلى فيه، وكادت، تصل إلى بحيرة طبريا فى معارك التهمت أكثر من أربعة آلاف دبابة وانتهت بتثبيت احتلاله لهضبة الجولان السورية.

 

ولا يقبل المواطن العربى إغفال دور الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى إعادة بناء الجيش المصرى والتفرغ لإعداده للرد الفاصل، حتى آخر يوم فى حياته.. كما انه يحفظ بالتقدير العالى ادوار قادته الأبطال، سواء من استشهد عشية النصر، كالفريق الشهيد عبدالمنعم رياض ورفاقه، أو من قادوا المعارك الضارية لوقف الهجوم الإسرائيلى المضاد الذى تتم قراءته بالسياسة أكثر مما بالعلوم العسكرية كالفريق سعد الدين الشاذلى، ويحتل فيه وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر موقعا متميزا جدا، كما تشهد مذكراته فضلا عن يوميات الرئيس الراحل أنور السادات، سواء فى ما أملاه أو فى ما كتبه عن تلك الحرب المجيدة التى حالت ظروف عديدة دون تمكين مصر وسوريا وسائر العرب من تحقيق نصر مؤزر يفترض الخبراء والمؤرخون انه بالإمكان إنجازه.

 

●●●

 

قد يكون ذلك حديثا فى الماضى وعنه... ولكن الحاضر يشهد أن الكلفة السياسية للنتائج التى انتهت إليها أو أنهيت بها تلك الحرب التى كان مقدرا لها أن تفتح باب مستقبل عربى أفضل كانت مغايرة تماما للمأمول منها. بل أن البعض يرى أن تلك النتائج مكنت لإسرائيل فى الأرض العربية أكثر مما كان مقدرا لها أن تتمكن.

 

بالمقابل فإن نتائج مفجعة ترتبت على وقف تلك الحرب المجيدة بالقرار السياسى، لتندفع بعدها القيادة المصرية منفردة فى طريق المفاوضات غير المتكافئة، تقديرا منها أن 99 فى المائة من الأوراق فى يد الإدارة الأمريكية التى كانت شريكة لإسرائيل فى الحرب، ومن ثم راعية لقرار وقف إطلاق النار، ومن بعد للمفاوضات المصرية ــ الإسرائيلية، التى مهدت لها « الزيارة» التى رأى فيها كثيرون تفريطا من الرئيس السادات بدماء الشهداء المصريين فى المواجهات مع العدو الإسرائيلى منذ 1948، والتى استمرت وإن بأشكال أخرى حتى اليوم.

 

●●●

 

ذلك من التاريخ ومتروك له، ربما... ولكن التكريم المتأخر للرئيس أنور السادات، والذى اغتاله بعض المتحدرين من تنظيمات أصولية إسلامية، يتبدى للعرب ــ فى هذه اللحظة ــ وكأنه انحياز من الحكم الحالى فى مصر إلى من وقع معاهدة الصلح مع إسرائيل بشروط أقل ما يقال فيها أنها مجحفة وتنتقص من كرامة الجيش المصرى وشهدائه الأبرار فى المواجهة التى قدر له أن يخوضها وجها لوجه مع عدوه الإسرائيلى.

 

وبين دلالات هذا التكريم المتأخر، مع إغفال متعمد لدور جمال عبدالناصر فى الإعداد لتلك الحرب المجيدة والإصرار على محو عار هزيمة 1967، أن يتم اعتماد سياسة السادات تجاه إسرائيل فى «العهد الجديد» الذى استولده «الميدان» وقد رفعت فيه صور العديد من أبطال حرب العبور وبينهم صور عبدالناصر، ولم ترفع فيه صورة واحدة للسادات.

 

ليس الماضى هو بيت القصيد، لكنه المستقبل. وفى الماضى عزل الصلح المنفرد الذى أقدم عليه السادات مصر عن عالمها العربى، واخرج الجامعة العربية منها، وافقد مصر دورها الذى لا يقدر عليه غيرها فى قيادة الوطن العربى، وهى التى كانت قبلة العرب السياسية وموضع فخارهم، فضلا عن أنها كانت جامعتهم وأغنى مصادر ثقافتهم وساكنة وجدانهم من خلال إبداع شعبها فى مجالات الفنون المختلفة، رواية وشعرا وغناء ومسرحا وسينما ورسما ونحتا وصحافة وصولا إلى الكاريكاتور.

 

●●●

 

لقد انتظر العرب مصر ــ الميدان دهرا... واستقبلوا ثورتها باللهفة والشوق الحبيس والاستبشار بغد أفضل لهم جميعا، وفى مختلف أقطارهم.

 

وقد يبالغ العرب فى حبهم لمصر وفى مطالبهم منها، ولكن هذه المبالغة تؤكد تسليمهم بدورها القيادى وثقتهم بأهليتها له وبقدرتها على ممارسته...

 

ومع الأخذ بالاعتبار حق التنظيمات الإسلامية وأبرزها الإخوان المسلمون فى التصدى لادوار قيادية طالما ان ذلك يتم بالإرادة الشعبية، فإن العرب خارج مصر لا يرون أن الإخوان يمكنهم ان يختصروا مصر... بل إنهم يعرفون أن «الميدان» الذى شهد ولادة الثورة لم يكن إخوانيا، وأن مطامح الشعب المصرى تتجاوز كثيرا برنامج الإخوان المسلمين، وبين هذه المطامح أن تستعيد مصر قرارها الوطنى، فلا تخضع لهيمنة أمريكية ولا تسمح لإسرائيل بأن تستمر فى أن تفرض عليها شروطا تنتقص من سيادتها الوطنية وتمنعها من ممارسة دورها العربى الذى لا تعوضه فيه أية دولة عربية أخرى.

 

ولعل تجربة الأحداث الدموية فى سيناء وتداعياتها السياسية قد أكدت استمرار إسرائيل فى ممارسة عتوها، عبر محاولتها استغلال الوضع لإجبار السلطات المصرية على إعادة توكيد التزامها باتفاق كامب ديفيد وملاحقه التى تتضمن الكثير من الإساءات إلى السيادة المصرية واستقلال قرارها الوطنى فى كل ما يتصل بأمنها القومى.

 

إن الوطن العربى بأقطاره كافة يعيش مرحلة انتقالية خطيرة جدا.. والانتفاضات الشعبية التى بشرت بفجر جديد لا تزال مهددة بمخاطر هائلة، بينها الضغوط الخارجية، وبالتحديد من خلال استغلال أزماتها الاقتصادية، إذ إن عهود الطغيان التى فجرت الثورات قد نهبت خيرات البلاد وأفقرت شعوبها وجعلتها فى عوز قد يضطرها إلى قبول القروض و«المساعدات» الدولية، الأمريكية أساسا ومعها الخليجية، بتنازلات عن مبادىء الثورة الشعبية وأهدافها التى أوجبت تفجرها ناشرة الأمل بغد أفضل.

 

وإذ يحفظ المواطن العربى حرب أكتوبر ــ تشرين الأول فى وجدانه باعتبار انطلاقتها دليلا ــ  بالدم القانى ــ على القدرة وعلى إمكان تحقيق النصر، فإنه يرى فى النتائج السياسية التى أنهيت بها إساءة إلى دماء الشهداء الذين اندفعوا عصر ذلك اليوم المجيد إلى تحرير أرضهم وإرادة وطنهم، ويرى أن «الميدان» ــ بملايينه ــ مؤهل لإنجاز ثورة شاملة تعيد مصر إلى دورها الذى لا بديل منها فيه كقيادة للغد العربى، متخففة من أثقال مرحلة الطغيان التى مكنت لانحرافها عن ذلك الدور أو تخليها عنه.

 

●●●

 

ويخطئ قادة الإخوان المسلمين إذا ما افترضوا أنهم سيحظون بمزيد من الشعبية، وبالتالى الشرعية، إذا ما قرأوا مستقبل مصر من خلال تجربة الرئيس الذى اغتيل على منصة الاحتفال بحرب أكتوبر المجيدة.

 

ولن يستطيع الرئيس محمد مرسى بحركته الاستعراضية فى استاد القاهرة يوم السبت الماضى أن ينسب إلى الإخوان دورا فى حرب أكتوبر، ولن يفيده أن يستذكر الفريق البطل سعد الدين الشاذلى متغافلا عمن أساء إلى كرامته واضطهده إلى حد النفى ثم المحاكمة، ليمكنه من بعد تجاوز أية إشارة إلى جمال عبدالناصر وجهده فى إعادة بناء جيش العبور العظيم الذى حوله أنور السادات «عبورا» إلى العدو وليس إلى الانتصار المترجى.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved