مفاجآت فى الشرق الأوسط

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 10 أكتوبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

انتهت، أو كادت تنتهى، الأيام الأهم فى افتتاح الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة وسط اعتقاد دولى سائد بأنها ستندرج فى قائمة الدورات الأهم فى تاريخ المنظمة الدولية. تأتى الأهمية ليس من كون القرارات الصادرة عنها ذات قيمة أو أهمية للسلام والرخاء الدوليين، ولكن لأنها الدورة التى يتكرس أثناء انعقادها موقع جديد وربما دور جديد للولايات المتحدة الأمريكية. وقد يشهد العالم فى فترة انعقادها بوادر وضع تصنيف مختلف لقوى النظام الدولى كما أنه قد يجرى فى الوقت نفسه « تأليف» معنى استراتيجى وثقافى جديد لإقليم الشرق الأوسط. رأيت ما يشبه الإجماع بين دبلوماسيين وإعلاميين راقبوا الأجواء الاحتفالية المعتادة فى مثل هذا الوقت من كل عام. أجمعوا على أن أجواء هذه الدورة غير مألوفة بالنسبة للمواظبين من بينهم على حضور خطب رؤساء الوفود والاستماع إلى أحاديثهم فى الدهاليز واللقاءات.

●●●

هنا يتوقف الاتفاق والإجماع ليبدأ الاختلاف فى المعلومات والرأى حول الاسباب الجوهرية التى اطلقت شرارة التغيير فى ملامح هذه الدورة وسلوك بعض رؤساء الوفود. اختلفوا حول سرعة تبلور الآثار المحتملة للتغيرات المفاجئة فى تصرفات دول بعينها ومردود هذه الآثار على توازن جديد للقوى فى دور التكوين فى منطقة شرق آسيا وعلى توازن آخر للقوى فى منطقة الأطلسى يكاد يشرف على نهايته. كذلك اختلف الرأى بشدة حول مردود هذه الآثار على حال الفوضى الناشبة فى شبكة التفاعلات فى منطقة الشرق الأوسط. بمعنى آخر اختلفت الآراء وتباينت حول المستقبل وما يحمله من مفاجآت للسلام العالمى والشرق الاوسط بالذات، وتوافقت على أننا بصدد سنة حافلة بالتحولات الكبرى فى مختلف القضايا وبخاصة القضايا المتعلقة بالأمن والسلم الدوليين، وبصدد صدامات حادة بين رؤى متناقضة لمستقبل الشرق الأوسط.

●●●

تعددت اجتهادات المتخصصين فى مراكز العصف الفكرى لوضع قائمة بأهم تطورات الاسابيع الاخيرة التى أدت مجتمعة أو مجزأة الى صنع صورة للحالة الدولية مغايرة لآخر صورة بقيت معنا حتى أسابيع قليلة مضت.

تكاد أغلبية الاجتهادات تتفق على أن التقارب الروسى الأمريكى حول الأزمة السورية كان المفجر الاول للتغيير الذى دخل على صورة الدبلوماسية الدولية. أستطيع من موقعى فى هذه المنطقة شديدة الاضطراب ان أفهم دوافع الانبهار، رضاء أو رفضا، بهذا التقارب، خاصة وأن الطرفين كانا قد دخلا منذ سنوات فى مرحلة من العناد على مستوى العلاقات بين الدولتين كما على المستوى الشخصى فى القيادة السياسية. جاءت فترة ذهب فيها معلقون أوروبيون كبار إلى حد تحميل هذا العناد المتبادل بين واشنطن وموسكو مسئولية أزمات دولية متفاقمة مثل الأزمة السورية والسباق على أوكرانيا والنزاع حول جورجيا.

●●●

هنا فى الشرق الأوسط قمنا من جانبنا حكومات وإعلاما بتحميل مسئولية تفاقم الأزمة فى سوريا على حالة العناد التى اتسمت بها العلاقات الأمريكية الروسية منذ صعود بوتين إلى السلطة خلفا لبوريس يلتسين. بينما راح محللون، وبينهم مؤمنون بنظرية «الانحدارية» فى المكانة الدولية لأمريكا، يعززون فكرة أن امريكا إنما صعدت مؤخرا من لهجتها واستراتيجيتها مع سوريا من أجل التوصل مع روسيا الى نهاية لمرحلة العناد فى العلاقات بينهما والانتقال معا الى مرحلة تعاون فى بعض شئون الشرق الاوسط.

●●●

هؤلاء يجدون أيضا فى التقارب المفاجئ بين أمريكا وايران ما يؤيد فكرتهم. بعضهم اعتمد على الحالة الاقتصادية التى تكاد تصير مزمنة. اعتمدوا أيضا على الصعوبات التى تعترض علاقات إدارة باراك اوباما بالكونجرس واهمها قضية الرعاية الصحية، وبخاصة فى ظل التوقع السائد منذ شهور بأن هذه القضية سوف تصل بالدولة الامريكية الى حدود الشلل عند مناقشة الميزانية. كان واضحا منذ وقت غير قصير أنه يصعب فى ظروف كهذه ان تستمر حكومة واشنطن فى فرض حصار اقتصادى على دولة بحجم وموقع ايران وعلى نظام صمد فى وجه ضغوط دولية شديدة ولمدة طويلة.

من ناحية اخرى، لم تتأخر ايران فتضيع على نفسها فرصة أتاحتها ظروف الحالة «النفسية» التى تمر بها الولايات المتحدة نتيجة الأزمات الاقتصادية والاستقطاب الاجتماعى المتزايد وهبوط «المعنويات». كنت بين الواثقين من أن القيادة الإيرانية تقترب شيئا فشيئا من تقديم مبادرات للتقارب مع الولايات المتحدة، إذ كان بين الاتجاهات المتصارعة فى طهران اتجاه يعتقد أنه لا يجوز تصعيد المواجهة مع الادارة الأمريكية فى وقت مشحون بالأزمات الداخلية والخارجية فى كلا البلدين. لذلك لم يفاجئنى فوز روحانى الصاعد بسرعة وبثقة فوق موجات اعتدال. كذلك لم أفاجأ بحملات «التفهم» الإعلامى والشعبى لإشارات يصدرها النظام عن التقارب مع أمريكا.

كانت الحالة الامريكية فرصة لا تعوض بالنسبة لكل من موسكو وايران. كان كافيا لكل منهما موقف مجلس العموم البريطانى الرافض لتحالف عسكرى جديد مع الولايات المتحدة، هذه المرة ضد سوريا. كان كافيا أيضا الموقف المتردد بوضوح وحسم من جانب المشرعين الامريكيين ضد مواجهة عسكرية أمريكية جديدة بالشرق الأوسط.

●●●

الى جانب هذين التطورين الاساسيين حدثت تطورات اخرى لا أتردد فى التعامل معها كمتغيرات مستقلة ولا أشك للحظة أن كلا منها لعب دورا مهما فى صنع قرارات سياسية اتخذتها طهران وموسكو وواشنطن. لا أرى مثلا كيف يمكن اغفال سقوط «الحل الخليجى» فى الازمة السورية، وهو البديل الذى قادته دولتان خليجيتان لدعم المعارضة السورية وابقاء الثورة ضد نظام الأسد مشتعلة. كذلك أظن أن عاصمة كواشنطن، وبشكل أقل قليلا طهران وبشكل اقل كثيرا موسكو، تستهين باحتمال غياب الملك السعودى من الصورة بسبب تقدمه فى العمر وما يعنيه هذا الاحتمال من تداعيات فى المنطقة بأسرها ومن آثار مباشرة على الاقتصاد العالمى عامة والأمريكى بخاصة.

هناك أيضا العنصر الذى توليه تركيا أهمية خاصة فى العراق وهو صعود أكراد سوريا كقوة انفصالية مؤثرة بفعالية فى الأزمة السورية ومثيرة للعديد من التكهنات حول مستقبل الشرق الاوسط. وعلى كل حال، لم يكن الجانب الانفعالى وحده العنصر الذى جذب الاهتمام التركى، إذ ظهر للجميع، عربا وغير عرب، أن الدور الكردى حيوى فى أى جهد يهدف لردع تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الارهابية التى غيرت شكل الثورة السورية وطبيعتها بل ومصيرها.

●●●

يتبقى فى قائمة المتغيرات التى أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر فى الحالة الدولية التى أحاطت بهذه الدورة الاممية متغيران أحدهما مصرى والثانى سورى. أما المتغير المصرى فيتعلق بتطورين لعلهما لم يحظيا بالاهتمام الواجب. ففى اجتماع لوزراء الخارجية العرب عقد فى القاهرة قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة وكان هدفه غير المعلن الخروج بقرار أو بيان عربى يؤيد التهديد الأمريكى بقصف مواقع فى سوريا، حدث أن اتخذ الوفد المصرى موقفا يتوقعه كل من يعرف جيدا درجة الثبات لبعض «أسس وقواعد الدبلوماسية المصرية»، ولا يمكن أن يتوقعه من استولت على قناعاته فكرة أن مصر المأزومة اقتصاديا وماليا والساعية بكل طاقتها للحصول على معونات خارجية يجب ألا تقف ضد التدخل العسكرى فى سوريا. اعتقد أن هذا الموقف المصرى كان رسالة واضحة الى الولايات المتحدة تؤكد أن غالبية الدول العربية لا تؤيد التدخل الامريكى.

اما التطور الثانى فى المتغير المصرى فيتعلق بالتصعيد الذى تشهده الحالة الارهابية فى مصر الى مستوى فاق اسوأ التوقعات الامريكية وصار يهدد استقرار مساحة اوسع جدا من الحيز المحدود فى سيناء، وكان فيما يبدو مسموحا به أو على الأقل مسكوتا عنه من جانب أطراف عدة. هناك مؤشرات الآن على أن الشبكة الارهابية فى مصر مدت خيوطا لتلتقى بخيوط شبكة الساحل فى غرب افريقيا وشبكة الشباب فى الصومال وشرق أفريقيا. الخطر يتفاقم ويحتاج صده إلى تعاون صادق بين الولايات المتحدة وكل من روسيا وإيران اللتين أثبتتا جدارة فى التعامل مع الأزمة السورية واستحقتا، فى نظر واشنطن، أن تشتركا كلاعبين مؤثرين فى شئون المنطقة.

●●●

اين سوريا من كل هذه المتغيرات؟. يخطئ من يعتقد أن سوريا كانت على امتداد السنوات الأخيرة مجرد ساحة تتفاعل فيها أزمة سياسية أو حرب أهلية. الواقع الراهن للأزمة المنتهى بالانفراجة الاعظم فى العلاقات الدولية بين أمريكا من جهة وروسيا من جهة ثانية وإيران من جهة ثالثة، يؤكد أن سوريا كانت ولاتزال لاعبا رئيسا. فبدون سوريا ما كان يمكن أن تحقق ايران وجودا فعالا فى شرق البحر المتوسط وما كان يمكن أن تطالب بمكانة متميزة فى المجتمع الإقليمى لدول الخليج. بدون سوريا ما كان يمكن لإيران وروسيا معا إقناع عدد غير قليل من الدول باستعدادهما المساهمة فى الحرب ضد الارهاب وبأنهما ساعيتان للتفاهم والعيش فى سلام مع جيرانهما وحريصتان على منع وقوع تشرذم طائفى أو مذهبى فى المنطقة العربية. هكذا على الأقل بدا الأمر لدول العالم المجتمعة فى نيويورك. كذلك يصعب إنكار أن سوريا وأزمتها ساهمتا فى نجاح مساعى فلاديمير بوتين ليستعيد لروسيا بعض أدوارها فى الشرق الاوسط أو لينتزعها انتزاعا من بين انياب امريكا بدون الدخول فى مواجهة عسكرية معها أو مع حلف الاطلسى.

●●●

مرة اخرى تكشف سوريا عن براعة سياسية نادرة فى استدعاء الاخرين لحمايتها ومكافأتها بسخاء. من كان يتوقع قبل عام أو أكثر أنه سوف يرى ويسمع وزير خارجية أمريكى يشيد بنظام الأسد والتزامه بالاتفاقات؟ أو يرى ويسمع بشار الأسد يعيد طرح شروطه لحل الأزمة السورية، الحل نفسه والشروط نفسها التى طرحها فى البداية وقضى بعدها سنوات ينسج تحالفات خارجية تضمن له تحقيق ما أراد؟.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved