منعاً للإحراج

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

عند المدخل الذي ينحدر قليلا إلى أسفل، انتصبت لافتة صغيرة بيضاء، كُتِبت عليها بخطٍ رائق، عبارة: ”ممنوع ترك السيارة أمام الجراج منعًا للإحراج“. اللافتة واسعة الانتشار، ترى في عديد الشوارع، وجودها قديم ربما قِدَم استعمال السيارات نفسها. أحيانًا ما تقف اللافتة بمفردها، وأحيانًا ما توضع على الرصيف، وأمامها عمودان من الحديد، مغروزان في الأرض، تمتد بينهما سلسلة سميكة، تَمنَع مَن تُسول له نفسه إيقاف سيارته في المكان المقصود. 

***

تنبيهات وتحذيرات أخرى عديدة، تضمُّ الكلمتين ذاتهما أو ما يشبههما؛ ”ممنوع التدخين لعدم الإحراج“، أو ”ممنوع اصطحاب الأطفال منعًا للإحراج“، وربما ”ممنوع الدخول بالحيوانات الأليفة تجنبًا للإحراج“. الإحراج هو القاسم المشترك في تلك المواقف كلِّها، شعور إنسانيّ غامض، مُوجِع بصورة ما، يُفتَرض به أن يمنع المرءَ مِن ارتكاب سلوكٍ مُحدد، أعجبه أو لم يعجبه. 

***

المغزى مِن وراء اللافتات، أن يشعر مَن يطالعها بأنه على وشك التعرض لما يؤذيه؛ توبيخ أو لوم أو عتاب حاد وجاد، رفضٌ مؤكدٌ لمسلكه، بل وربما حساب عسير، أو مُعاقَبة تنال مِن كرامته، وتحطُّ مِن شأنه أمام الآخرين. قد يجد فعل ”الإحراج“ سبيله إلى التحقُّق، عبر إجراء حوار أو نقاش، ومن المحتمل أيضًا أن ينقلب الأمر إلى صيغة ملموسة، يتم فيها إحراج المخطئ، عبر اعتداء ماديّ مُباشر؛ دفعة في الصدر، أو لكمة في الوجه، وربما يُوسَع ضربًا مِن الطرف المُغتاظ، بما يغرقه في حرجٍ أكيد.

***

يتعاظم الشعور بالحرج، حين يدرك المرءُ أنه بالفعل قد ارتكب ما يُشين، قد يدفعه هذا الشعور إلى الندم والاعتذار، وقد يقوده -من ناحية أخرى- إلى التمادي والعناد، وعدم الاعتراف بالخطأ؛ خاصة إذا كان هناك مَن يُشاهد ويسمع، وينتظر النتيجة؛ طفلةٌ تنظر أباها بعين الإكبار، ولا تتصوره في مَوضِع إهانة، أو أخٌ يرى أخيه الأكبر قدوةً ومثالًا؛ بطلًا شجاعًا لا يصحّ أن يخضع أو يتراجع. 

***

الإحراج في غياب الآخرين أمر مُمكن أيضًا؛ أن يخجل المرء من نفسه وأمام نفسه لأمر وارد، وأن يُبقي خجله وحرجه طي الكتمان، لمسلك مفهوم تماما، فلا يُحب أحد أن ينظر له مَن حوله بعين الشفقة، ولا بابتسامة التشفي؛ كلاهما مُزعج، مؤرق ومهين.

***

تداعت إلى ذهني أفكار كثيرة، حين وقفت أمام لافتة من ذاك النوع التحذيريّ، المهدد بحرج وشيك، حيث انتصبت في أحد الشوارع العريقة؛ لم يكن هناك مدخل لمرأب سيارة، ولا بوابة لمستشفى، ولا رأيت شيئًا يستدعي إعلان السيطرة والسطوة على هذا المربع مِن الشارع على وجه التحديد؛ عن طريق غرس اللافتة الأصيلة. لم أر إلا بوابة عملاقة، يلوح من ورائها بناء فخم جميل، وأشجار وارفة، فيما يُسمَع نباحٌ شرسٌ من بعيد. قررت ألا أقف في المكان، وابتعدت وأنا أسأل نفسي، إن كان معنى ”الإحراج“ لا يزال قائمًا.

***

دار في ذهني التساؤلُ، ومعه تساؤلاتٌ أخرى كثيرة؛ إذ أظنّ أن الحالَ في الآونة الأخيرة، لا تترك وَسعًا لرفاهة المشاعر، ولا تدع في القلب مكانًا ظليلا كي يسكنه حرج أو خجل، إنما هي ترحب بضروبٍ أخرى مِن الأحاسيس، وتحفُر لها فجواتٍ في الصدور؛ فتملأها بالخوف والقلق والرهبة والتوجس، وتضم إليها كتفًا بكتف؛ مشاعر الدونية والعجز.

***

على كل حال، قد يخلقُ هذا الخليطُ مِن المشاعر، نتيجة مُشابهة لما قد يصنعه الحرجُ بالمرء. ثمة مظاهر جسدية مُمَيزة لهذا وذاك؛ أعناق مَحنية، وأعين مُتسِعة الحدقات، ونظرات مُتهدلة، وابتسامات مَغصوبة مُتكسرة على الشفاه. لن يقف صاحب أو صاحبة هذه الأعراض في مكان؛ له حقّ الوقوف فيه، ولا في مكان لا ينبغي له أن يشغله، لن يفعل هذا أو ذاك في وجود التحذير؛ لا تجنبًا للحرج، بل شعورًا بالضآلة. 

***

كثيرة هي؛ أمثالنا الشعبية وأقوالنا المأثورة، التي تتحدث عن الخجل والحرج وتحتفي بالحياء، وتؤكد في الوقت ذاته، أن جميعها مشاعر وردود أفعال قد ولَّت منذ زمن، واندثرت. أشهر تلك المقولات فيما أظن: ”اللي اختشوا ماتوا“، ويعود أصلها إلى القرن التاسع عشر؛ إذ احترق حمامٌ شعبيّ، وخرج مَن فيه عراة فنجوا وعاشوا، أما مَن تحرجوا مِن الخروج دون ملابسهم، فقد اختنقوا داخله أو احترقوا وماتوا. 

***

لا نزال نستخدم ”اللي اختشوا ماتوا“ بوفرة، ولا نزال نتأسى عند نطقها؛ لا حزنًا على ضياع ”الخجل“ أو ”الحرج“ أو ”الحياء“ فقط، بل كونها جميعًا قد تنحت، وتركت مكانها لخصال أخرى؛ تُوصَف في العادة بخصال العبيد.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2017 ShoroukNews. All rights reserved