«ستائر دخان» الأمير المتعجل!

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

فى ديسمبر 2015، أصدر جهاز الاستخبارات الألمانى، تقريرا حذر فيه من أن «اندفاعات الأمير الشاب محمد بن سلمان، قد تفسد علاقات بلاده مع الدول الصديقة والحليفة فى المنطقة»، مشيرا إلى «استعداد الرياض المتزايد للتحرك عسكريا وسياسيا لضمان عدم فقدانها النفوذ بالمنطقة»، فى إطار تنافسها مع جارتها اللدودة إيران.

اليوم وبعد مرور ما يقرب من عامين، على هذا التقرير المهم، أحدث الأمير الشاب الكثير من الضجيج فى المنطقة، لم يكن العالم معتادا عليه من سماعه من السعودية، التى كانت سياساتها الخارجية تميل دائما إلى اعتماد«الدبلوماسية الحذرة» فى التعامل مع الملفات والأزمات الساخنة فى الاقليم، وكانت تفضل «العمل من وراء ستار» من خلال دعم قوى محلية لتحقيق مصالحها، لكنها تخلت عن كل ذلك، وجنحت إلى اتباع «سياسة الاندفاع» والتدخل المباشر بالسلاح فى الأزمات، وهو ما شهدناه فى اليمن وسوريا والبحرين، وحاليا تلوح بصدامات جديدة مع إيران ولبنان.

اندفاع الأمير الشاب، لم يتوقف على الخارج فقط، وإنما وجه إلى الداخل أيضا، حيث شن حملة اعتقالات وتوقيفات طالت العصب السياسى والعسكرى والاقتصادى فى عائلة «آل سعود» ومجتمع رجال المال والأعمال، فى خطوة تستهدف على الأرجح إسكان أى صوت يرفض أو يهدد فرص وصوله إلى عرش المملكة فى القريب العاجل.

السلطات السعودية رفعت شعار مكافحة الفساد فى تبريرها لهذه الحملة الشرسة، حيث قال النائب العام السعودى الشيخ سعود المعجب، إن 100 مليار دولار على الأقل قد أسىء استخدامها من خلال الفساد الممنهج والاختلاس فى العقود الأخيرة، فيما كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، عن خطط للسلطات السعودية تهدف إلى مصادرة أرصدة وأموال تابعة للأمراء ورجال الأعمال المحتجزين بتهم الفساد، تبلغ قيمتها ما يقارب 800 مليار دولار.

كل ما سبق يبدو «نظريا» صحيح.. فالفساد يشكل آفة حقيقية فى السعودية وغيرها من الدول العربية، ويجب مواجهته بكل السبل والوسائل من أجل القضاء عليه، لمنع استنزاف ونهب وسرقة موارد الدول وثروات الشعوب، لكن بالنظر إلى ما يحدث فى السعودية حاليا، فإن حملة مكافحة الفساد قد لا تعدو عن كونها «ستائر دخان»، من أجل التغطية على الهدف الأكبر للأمير الشاب، والمتمثل فى إبعاد كل الخصوم والمنافسين عن طريقه إلى العرش، وبالتالى عندما يعارضون أو يحاولون عرقلة رغبته الجامحة فى الوصول إلى رأس السلطة، سيصبح صوتهم بلا قيمة، لأنه تم «حرقهم» وتلويث سمعتهم فى الشارع السعودى بتهم الفساد، كما أن هذه الخطوة أيضا، رسالة إلى بقية أفراد العائلة الحاكمة السعودية، مفادها أن من يمتنع عن تأييده أو حتى يفكر فى الوقوف فى طريقه، سيكون مصيره فى قائمة المتهمين بالفساد.

فى تاريخ المملكة ثلاث تجارب للدولة السعودية.. الأولى تأسست عام 1744، وسقطت عام 1818، والثانية أنشأها تركى بن عبدالله بن محمد آل سعود عام 1818 وسقطت عام 1891، والثالثة تم إعلانها على يد عبدالعزيز آل سعود عام 1932، لكنها ستبدأ مرحلة رابعة على يد محمد بن سلمان فى 2017.

الدولة السعودية الرابعة التى نحن بصدد تشكلها الآن، تتسم بملامح مختلفة كثيرا عما سبقها.. فالحكم لن يكون متداولا بين عائلة آل سعود، وإنما سيسيطر عليه فرع واحد من العائلة وهو فرع الملك سلمان، وبالتالى ستكون أقرب إلى مسمى «المملكة العربية السلمانية»، كما أنها ستتخلى عن نهجها «الوهابى» الذى ساهم فى نشر الفكر المتطرف والمتشدد، لصالح وجه عصرى أكثر اعتدالا ووسطية، وأيضا سيكون الاندفاع فى استخدام السلاح، عنصرا اساسيا فى تعاملها مع الأزمات المختلفة فى المنطقة.. فهل سيتمكن محمد بن سلمان من تأسيس هذه الدولة، أم أن عائلة آل سعود ستقوض أحلامه؟.. الإجابة فى رحم الأيام المقبلة.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2017 ShoroukNews. All rights reserved