أكلة الأرز وأكلة الكسكس

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 10 ديسمبر 2014 - 9:05 ص بتوقيت القاهرة

كان الرئيس اللبنانى شارل الحلو يعقب على اجتماعات القادة العرب ومناقشاتهم فى مجالس الجامعة العربية بالقول إن للعرب ثقافتين، ثقافة أكلة الأرز وثقافة أكلة الكسكس، وإن إحداهما وهى ثقافة أكلة الكسكس تبدأ حيث تنتهى ثقافة أكلة الأرز فى مدينة مرسى مطروح غرب الإسكندرية.

•••

مضت فترة عشرين عاما أو ما يزيد منذ أن سمعت الرئيس الحلو يدلى بهذا الاجتهاد فى جلسة على عشاء. عشت خلال هذه السنوات أردد هذا الاجتهاد نقلا عنه مقتنعا به. اقتنعت به بعد أن لمست بنفسى خلال إقامتى السعيدة فى تونس الفارق بين كثير من سلوكيات الناس فى المشرق وسلوكيات أشقائهم العرب فى بلاد المغرب. لم يخطر على بالى أن أحدا خارج عالمنا العربى لاحظ هذا الفارق أو حاول رصده وتحليله علميا. لذلك كانت مفاجأة مثيرة حين عرفت مؤخرا أن جامعات ومراكز دراسات غربية مهتمة أشد الاهتمام بهذا الموضوع. إذ نشرت صحيفة نيويورك تايمز قبل أيام قليلة مقالا يرصد فيه الكاتب عددا من نتائج الدراسات التى قامت بإعدادها فرق بحث فى أمريكا والصين.

•••

فاجأنى اكتشاف أن ما كنت أردده على أنه طرفة أو ملاحظة ذكية أو اجتهاد يخضع الآن لتدقيق علمى وتاريخى عميق. فاجأنى أيضا أن أعرف أن دراسات بعينها توصلت فعلا إلى أن الشعوب زارعة الأرز تختلف نفسيا وأخلاقيا واجتماعيا عن الشعوب زارعة القمح.

إحدى الدراسات توصلت إلى، أو بمعنى أدق أكدت على، حقيقة معروفة وهى أن ما يميز الثقافة الغربية عموما عن غيرها من الثقافات هو اعتماد الفرد على نفسه. الفرد هو أساس المجتمع وحوافزه فى الحياة والعمل غالبا ما تكون شخصية. هناك فى الغرب على عكس الشرق يكثر العصاميون، أى هؤلاء الذين صنعوا أنفسهم بأنفسهم. لم يعتمدوا فى صعودهم سلم الترقى الاجتماعى أو المادى على عائلة أو جماعة أو طائفة. أما ما يميز الثقافة الأسيوية التى هى فى الغالب ثقافة أكلة وزارعى الأرز فهو عبقرية التعاون والتكاتف والتنسيق بين أفراد المجتمع انطلاقا من قاعدة قديمة تعتبر الوضع الطبيعى للإنسان هو وجوده داخل جماعة.

•••

اكتشف الباحثون أن الاختلاف بين الثقافتين الغربية والأسيوية يعود أساسا إلى اختلاف أساليب زراعة كل من الأرز والقمح. الأرز يحتاج إلى مياه وفيرة تتطلب المحافظة عليها جهودا جماعية مكثفة وأيادى غفيرة، فضلا عن أن الأرز نبات مرفه ولابد من العناية به صغيرا وحمايته كبيرا. ثم إنه حتى فى مرحلة متقدمة يتعين استخدام فلاحين عديدين لتصريف المياه بدقة وحرص حتى لا يتسبب التصريف فى إلحاق الأذى بالأراضى المجاورة. الأمر المؤكد الذى خرجت به هذه الدراسات هو أن الفرد الواحد لا يهم كثيرا فى عملية زراعة الأرز إلا من خلال دوره كخيط فى قطعة نسيج أو كعضو فى فريق. قيمة الفرد تبقى مرتبطة بقيمة وأهداف الجماعة التى ينتسب لها، ولا قيمة كبيرة له خارجها.

أما القمح فنبات قوى فضلا عن أنه يكتفى بقدر معقول من مياه المطر، وفى غنى عن أساليب رى معقدة كتلك التى ينمو فى ظلها نبات الأرز. من ناحية أخرى يستطيع القمح أن ينمو ويزدهر بأقل جهود ممكنة وبأقل عدد ممكن من الأيدى العاملة.

•••

بالاطلاع على نتائج الدراستين إحداهما أجراها الأستاذ Nisbett عالم النفس الاجتماعى المعروف، والثانية أجراها الأستاذ Talhelm بجامعة فيرجينيا بالولايات المتحدة، أصبحنا نعرف بوضوح أكثر عن الشعوب آكلة الأرز أنها تهتم بسياق الحدث أكثر من اهتمامها بموضوعه وجوهره. تهتم هذه الشعوب مثلا بالسياق الذى تقع فيه حادثة مرورية كدرجة الإضاءة فى الطريق والحشد المتفرج على الحادثة والوقت الذى أخذته الشرطة وعربة الإسعاف ليصلا إلى موقع الحادثة أكثر من اهتمامها بحالة السيارة المحطمة وضحايا الحادث. يهتم أكلة الأرز بالسياق على عكس الشعوب أكلة القمح الذين يهتمون بجوهر القضية أكثر من اهتمامهم بالسياق الذى جرت فيه أو بالسوابق والدوافع التاريخية والبيئة المحيطة به.

أجرت إحدى الفرق البحثية تجربة عملية بأن وضعت سمكة كبيرة فى إناء زجاجى مملوء بالماء ومزين بالأعشاب البحرية متعددة الألوان وأسماك صغيرة من فصائل شتى. واستدعى آكل أرز وآكل قمح ليشرح كل منهما ما يراه فى الإناء. قال الأمريكى آكل القمح إنه رأى السمكة الكبيرة ولا يتذكر تماما التفاصيل الأخرى كألوان الأعشاب والأسماك الصغيرة. أما آكل الأرز فراح يسهب فى وصف الأعشاب وتناسق ألوانها وجمال الأسماك الصغيرة ونظافة الماء، وأتى على ذكر السمكة الكبيرة فى نهاية الشرح.

وللتيقن من صحة النتائج وأهميتها راح باحثون يسألون أفرادا يعيشون فى منطقة بالصين تزرع الأرز منذ مئات السنين وأفرادا من منطقة أخرى بالصين أيضا تزرع القمح منذ القدم. سألوا كل فرد على حدة السؤال التالى: اختر كلمتين تعتقد أنهما الأكثر ترابطا بين الكلمات الثلاث التالية: قطار وأتوبيس وقضبان قطار. أجاب معظم الأفراد من أكلة أو زارعى الأرز بأن الكلمتين الأكثر ارتباطا مع بعضهما هما القطار والأتوبيس، بينما اختار أكلة القمح القطار والقضبان. اعتبر الباحثون أن هذه الإجابات تميز ثقافة عن ثقافة أخرى. ثقافة أكلة الأرز تستخدم أساليب التحليل الأشمل والأعمق فلسفيا لذلك اختارت القطار والحافلة لأنهما يعبران معا عن مضمون متعدد الأبعاد والتصورات وهو نقل أفراد من مكان إلى مكان. أما أكلة القمح فكان تحليلهم مستندا إلى الواقع الملموس وأدواته الظاهرة وعلاقة السببية المباشرة ولذلك اختاروا القطار والقضبان.

•••

خرجت الدراسات بنتائج أخرى أعتقد أن أهمها، وهو ما أعرفه مسبقا من تجاربى الشخصية فى كل من الصين وأمريكا وفى اليابان وانجلترا، هو علاقة الفرد من أكلة الأرز وعلاقة الفرد من أكلة القمح بكبار السن فى الجماعة. أكلة الأرز يحترمون الكبار ويبجلونهم ويدعونهم باستمرار إلى تقديم المشورة والنصيحة، على عكس أكلة القمح.

•••

لا أظن أن علماء الاجتماع يختلفون حول الرأى القائل بأن النموذج البارز لأكلة القمح هم علماء وخبراء وسكان وادى التكنولوجيا المعروف بوادى السليكون فى كاليفورنيا. هؤلاء تتجسد «ثقافة الحياة» لديهم فى ثلاثة: «فكرة» ابتدعها شاب من الشبان، و«طاقة» لتحويل هذه الفكرة إلى اختراع ملموس، و«مساحة صغيرة جدا» بحجم جراج البيت تتسع للفرد المخترع وزميل له على الأكثر ومعهما أدواتهما البسيطة. لا حاجة بهما لأفراد آخرين ولا ثقة لديهم فى كبار السن ولا هدف يصبوان لتحقيقه سوى الإنجاز.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved