سلام على غادة


صحافة عربية

آخر تحديث: الإثنين 11 يناير 2016 - 11:10 م بتوقيت القاهرة

منذ أن عادت غادة السمان إلى إطلالة أسبوعية فى إحدى الصحف العربية والقراء ينتظرون مقالها ويكتب كثيرون منهم، وكثيرات، تعليقات هى، برأيى، المكافأة الأهم لكل كاتب. وبفضل المواقع الإلكترونية للصحف، صار فى وسع القارئ أن يسجل تعليقه مباشرة ويراه منشورا بعد هنيهات. ويمتلئ بريد غادة بعبارات الإعجاب، من قرائها، والاحتفاء بالقلم الذى رافق نبضات قلوبهم وكتب تاريخا معاصرا مختلفا وحميما لنصف القرن الأخير من حياة العرب. كم كاتبة عندنا نجحت فى الاستمرار مثلها؟ إنها موجودة دائما فى «مكان ما» ما بين الشرق والغرب. يأتى أهل الأدب إلى باريس ويسألوننى أن آخذهم إليها ولا يصدقون أننى لم ألتق بها رغم حواراتنا. أتبادل معها الرسائل والكتب وأكتفى بذلك وأحترم قانونها. قانون غادة للعلاقات الاجتماعية.

فى أول السنة، مع هجوم المنجمين والعرافات وقارئات البخت علينا، تذكرت كتابها «القمر المربع». وهى نصوص تدفع فيها غادة السمان بأبطالها وبطلاتها إلى دهاليز الغيب وتجعلهم يصادقون الأشباح ويستحضرون أرواح الراحلين. وتقول الكاتبة إن صلتها بالسحر والتنجيم هى صلة الفضول لا الإيمان. فهى لم تذهب فى حياتها إلى عرافة ولم تجلس إلى قارئة فنجان بغرض الاستشارة الشخصية. لكنها قامت، ذات يوم بعيد، بجولة على سحرة بيروت وساحراتها عندما كانت تستعد لكتابة «السباحة فى بحيرة الشيطان».
وكانت دليلتها فى تلك الجولة صديقة على ولع بتلك الخزعبلات. وكانت المرافقة حاملا وقال لها معظمهم إنها ستنجب ولدا، لكى ينالوا البخشيش. لكنها وضعت بنتا. ولأن غادة السمان هى ابنة تجاربها، لا الخيال الواسع فحسب، فقد رصدت الظواهر الغريبة رصدا ميدانيا، وجربت البنج المخدر وقرأت عن التناسخ وصادقت مزدوجى الشخصية وعاشت فى مصحة للمجانين وخضعت للتنويم المغناطيسى وتأكدت أنه يمكن أن يحدث. وأظنها كانت ستكسب من المال أضعاف ما ترزق به من الأدب لو اشتغلت وسيطة روحية. وكانت الخلاصة التى خرجت بها من سبرها لأغوار النفس البشرية أننا صعدنا إلى القمر لكننا لم نهبط، بعد، إلى قاع الإنسان.
أذكر أننى سألتها عن الحسد. زردت أنها لا تخشاه. ولذلك فهو لا يؤذيها. أما التميمة إلى تطرد بها الأرواح الشريرة فهى التمتمة باسم حبيبها. وسألتها عن علاقتها مع الزمن، وردت أنها لا تخافه أكثر مما يخافه أى «ذكر» عربى فى مثل سنها وله مهنتها. وقالت إنها تعلمت كيف تصادقه وتوظفه لحسابها فلم يخذلها. وأرسلت لى صورتين، واحدة لها وهى فى بداية عهدها بالأمومة، تحمل طفلها فى حضنها. والثانية صورة بعد ذلك بعشرين سنة، وابنها شاب رياضى يحملها بين ذراعيه مثل طفلة. لقد كبر الولد طولا لكنها لم تتغير وحافظت على مقاييس عارضة أزياء. تطل على قرائها بتلك النظرة الجاذبية فى الصور وكأنها رفعت عينيها للتو عن الورقة.
أكتب عن غادة السمان لأن هؤلاء القراء الذين يرافقونها جيلا بعد جيل، هم الذين خصصت لهم مقالها الأخير. وهى قد ذكرتهم بالأسماء واحدا واحدا وواحدة واحدة، وحاورتهم حول ما ورد فى تعليقاتهم على آرائها. إن القارئ هو رأسمالها الذى تعتنى به عنايتها بنفسها وكتاباتها. وكم صدق الأديب المغربى الباهى محمد يوم قال إن «غادة السمان هى مؤسسة فى حد ذاتها». عاشقة مزمنة تستيقظ عند الفجر لتقرأ ثم لتكتب وتطبع وتنشر وتوزع وتدلل قراءها، بالتخاطر أو عبر الإلكترون، دون أن يشاهدوها فى حفل توقيع أو معرض للكتاب أو مناسبة أدبية. غياب ببهاء الحضور.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved