كتاب وبحيرة وأسراب بط ورسائل حب

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 11 فبراير 2015 - 7:55 ص بتوقيت القاهرة

جلست فى قاعة مع آخرين أنتظر حلول دورى. تأملت فى الحاضرين باحثا عن مشترك يجمعنا غير سبب وجودنا فى هذا المكان. استرعى انتباهى أن لا أحد منا يمسك كتابا. الأغلبية الساحقة، وفيها أطفال من أعمار مختلفة، ممسكون، أو بالأحرى، محتضنون نوعا أو آخر من الكمبيوتر المحمول أو الهاتف الذكى. صعدت ببصرى من الصدور إلى الوجوه المنشغلة بالشاشات، هذا يبتسم ثم يزم شفتيه، وهذه تحمر وجنتاها وتكاد بين الحين والآخر تذوب على كرسيها، وهذا الرجل المتقدم فى العمر حائر بين نظارته ما يكاد يضعها على أنفه إلا ويخلعها متأففا، ليعود إلى عينيه يفركهما علهما يبصران. ما أزعجنى حقيقة، لم يكن انحناءات رءوس الجميع وانكبابهم على أجهزة إلكترونية، إنما هو عجزى المطلق عن معرفة ماذا يقرأون؟

•••

لم نعرف هذا العجز أو نمارسه ونحن أصغر سنا. كنا، قبل عقود من الزمن، نجلس فى كابينة الدرجة الثانية أو الأولى فى القطار وفى صحبتنا أربعة أو خمسة ركاب فى يد كل منهم كتاب. كان لهذا الكتاب وفى هذه الرحلة بخاصة وظائف متعارف عليها. كان الكتاب مثل بطاقة الزيارة التى يتبادلها الناس ليعرفوا بأنفسهم ويتعارفوا. كان وسيلتنا لمعرفة صاحبه، معرفة درجة علمه ومستوى ثقافته ونوع هواياته وربما بعض ميوله وجانب أو آخر من شخصيته.

كان الكتاب أيضا أداة تواصل محترمة وموثوق بها. كم من حوارات دارت فى كبائن قطار مصر الإسكندرية ومصر المنيا وأسيوط، وكم من علاقات قوية نسجت خطوطها فى هذه الرحلات. أنا شخصيا كنت طرفا فى علاقات، مازالت متينة ومثمرة، مع ركاب تصادف جلوسهم إلى جانبى فى رحلة بالطائرة، بدأت باهتمام من ناحيتى أو من ناحيته أو ناحيتها، بموضوع الكتاب الذى أحمله أو يحملانه. كان طبيعيا أن تكون ترسانتنا الفكرية جاهزة لحوار قد يدوم ساعة أو أكثر، وربما أياما بعدها، حول الكتاب وكتب أخرى للمؤلف أو مؤلفين آخرين كتبوا فى الموضوع نفسه.

•••

فى أيامنا هذه، أجلس فى القطار أو الطائرة وقد تنقضى الرحلة قبل أن أعرف ماذا يقرأ الراكب الجالس بجانبى. فما يقرأه لا غلاف يفصح عن جوهره أو موضوعه. يقرأ صاحبنا من صفحة إلكترونية تكاد عينه المجردة ترى حروفها، فما بالك بالراكب الفضولى الجالس بجواره. كثيرون غيرى لا يشكون. هؤلاء يستقلون القطار وينزلون منه حاملين حصيلة من المعلومات الشخصية جدا، وأحيانا المزعجة جدا وأحيانا الفاضحة جدا، عن ركاب قضوا زمن رحلة بالقطار يتحدثون عبر هواتفهم بصوت عال عن تفاصيل حياتهم اليومية وأسرار أعمالهم. اكتشفت أن الفارق حقا كبير بين مسيرة حامل كتاب ومسيرة حامل هاتف ذكى. وبين دور كل منهما فى حياته، الكتاب والهاتف، الكتاب أمين يحفظ الأسرار، والهاتف خائن يفضحها.

•••

كانا يلتقيان، مرة كل أسبوع، عند أريكة خشبية تظللها شجرة وارفة، تطل بدورها على بحيرة تنساب على سطحها أسراب من البط. تعرفا إلى بعضهما البعض يوم تبادلا كتابين بعد أن انشغلا بقراءتهما بعض الوقت، وبعد أن تحاورا حول أهم ما طرحه الكتابان. استمرا يلتقيان ويتذكران معا اليوم الذى تعارفا فيه، يوم تبادلا الكتابين. يصعب على نفسى أن أصدق أن هذا الحدث الجميل لا يتكرر فى الحاضر ولن يتكرر فى المستقبل، فالشباب لم يعد يذهب إلى الحدائق ليقرأ، ومن ذهب منهم ليقرأ فبرفقته هاتف ذكى أو كمبيوتر ليقرأ منه « كتابا رقميا»، ولن يحدث أن يعرض على جليسته تبادل جهازين إلكترونيين. ما أتعس ظروف الحب هذه الأيام!!.

كان الشباب يتبادلون إهداء الكتب، وكان كل كتاب هدية فرصة لا تعوض لكتابة إهداء به من العبارات العاطفية ما يزيد من قيمته والحرص على سلامته وإطالة عمره. كانت تندس أحيانا بين الصفحات رسائل غرامية، بلغة أظن أنها انقرضت، ولكن بقيت كنوزا احتلت علبا وصناديق تحفظ الذكريات أو توقظها فتسعد أياما خبا فيها الحب أو كاد.

•••

أدخل بيوت شباب حديثى العهد بالزواج فلا أجد، إلا فى حالات نادرة، مكتبة أو رفوفا تنتظر كتبا. لا أرى اسطوانات وأفلام وفيديوهات وكاسيتات، كتلك التى دخلت بيوتنا لتزاحم الكتب على رفوفها. يقولون، نحن لا نحتاج إلى غرفة مكتبة أو إلى رفوف، فكل ما يمكن أن يوضع فوق الرفوف ستجده فى هذا الجهاز الذى هو فى حجم الكف. نحتفظ بالكتب والموسيقى والأغانى واللوحات والمسرحيات والخطابات، كله فى بطن هذا الجهاز الذى تستهينوا بحجمه وتهزأوا بشكله.

يقولون أيضا إنه كان لغرفة المكتبة ورفوف الكتب وظيفة تدهورت مع الوقت قيمتها. كان الكتاب رمز وجاهة ومكانة، حتى المجلات الثقافية كانت تؤدى هذه الوظيفة. هذه الحقيقة أكدتها لى شخصيا جماعة من علماء الاجتماع أجرت دراسة ميدانية بهدف تقييم الأعداد الأولى من مجلة» الكتب : وجهات نظر»، توصلت إلى أن نتائج كثيرة من بينها أن بعض شباب ذلك الحين كانوا يشترون المجلة ليحملونها فى ذهابهم وإيابهم، للتباهى وعرض الرغبة فى الانضمام إلى منتديات وجمعيات ثقافية، والحصول على انتباه الجنس الآخر. نذكر أنه فى كثير من بيوت الطبقة المتوسطة، كانت غرفة المكتبة لا يدخلها إلا الضيوف المتميزون مكانة ووقارا وثقافة. كانت الكتب تنافس الفضيات المتناثرة للزينة والسجاجيد النادرة المفروشة أرضا أو المعلقة على الجدران.

•••

ضاقت المساحات والصدور فكانت الكتب أول الضحايا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved