صحافة الفول السودانى.. وصحافة الكافيار!

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الخميس 11 مايو 2017 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

«عندما تعطى شخصًا الفول السودانى مجانا، فلن يسعى أحد لشرائه، لكن حينما يكون سعر الكافيار مرتفعا جدا، فإن الجميع يحلم بشرائه».
هذا الأمر ينطبق على الأخبار الصحفية المتداولة هذه الأيام فى معظم أنحاء العالم، الأخبار المضروبة العادية، النمطية، وأحيانا المضروبة، تشبه الفول السودانى ونسبتها ٨٠٪ تقريبا من الأخبار المتداولة، فى حين أن عشرين فى المائة فقط تشبه الكافيار، أى أخبار حقيقية ذات قيمة وجودة عالية جدا».
الكلام السابق قاله خوان سنيور الخبير العالمى وأحد أبرز القيادات فى مجال تطوير الإعلام وأحد مؤسسى مجموعة إنوفيشن للاستشارات الإعلامية فى لندن والأستاذ الزائر بجامعة أكسفورد. سنيور ألقى محاضرة مهمة مساء الأربعاء فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة بدعوة من «منتدى المحريين المصريين».
إذا كانت الأخبار عادية ومملة ومكررة أى «فول سودانى»، فلن تأتى أى إعلانات كبيرة، والعكس صحيح تماما إذا كانت تشبه الكافيار، وبالتالى فإن التحدى الرئيسى أمام كل الصحف ووسائل الإعلام أن تركز على الكافيار وتنسى تماما الفول السودانى، كما يقول سنيور الذى شارك فى تحرير تقرير الإبداع فى الإعلام الذى يتناول أفضل الممارسات الإعلامية فى العالم.
وإذا كانت الصحافة الورقية لن تنقرض ــ كما يقول سنيور ــ فإن الوسائل أو المنصات هى التى ستتغير. فى تقديره فإن استهلاك المنتج الصحفى سيكون عن طريق التليفون المحمول الذى صار فى أيدى الجميع. لكن ذلك لا يعنى أن نخطئ التعريف، فالتليفون فى حد ذاته ليس هو الغاية، هو مجرد أداة أو وسيلة، مثله مثل زجاجة النبيذ أو أى زجاجة. فالزجاجة الجيدة جدا لا تصنع فارقا، بل الأساس هو الموجود داخلها، وهذا ما يفسر وجود زجاجة نبيذ بثلاثة آلاف يورو، وأخرى بثلاثة يورو فقط!!.
يقول سنيور إن جزءا كبيرا من ميزانية الإعلانات فى العالم بدأ يتجه إلى الأخبار والقصص الموجودة على التليفون المحمول، مضيفا أن السائق المصرى الذى نقله إلى زيارة الأماكن السياحية فى الأهرامات كان معه ثلاث تليفونات، وإن الإحصائيات العالمية تقول إن الشخص العادى يفحص هاتفه المحمول ٢٢١ مرة يوميا.
لا مستقبل إعلاميا للكمبيوتر العادى أو اللاب توب، بل لمن يتعامل مع المحمول، خصوصا أن كثيرين فى العالم صاروا يبحثون عن الأخبار فى المحمول بجنون.
الفيديو سيكون له دور كبير فى إعلام المستقبل ايضا، واليوتيوب لن يكون المنصة الوحيدة، لكن المهم أن تكون الفيديوهات ذات محتوى جيد. وكثير من الإعلانات صارت تذهب إلى هذه الفيديوهات. وهنا يؤكد سنيور على ضرورة وجود خطوط حمراء للتفريق بين الإعلان والتحرير. ويلفت الخبير الاسبانى النظر إلى أن شركات عالمية كبرى صارت تقوم بالإعلان عن منتجاتها بصورة ميكانيكية آلية، أى يتم الإعلان فى أى صفحة فيديو تتخطى المليون مشاهدة، من دون أن تسأل عن اسم أو هوية هذا الفيديو!.
ويلفت سنيور النظر إلى أهمية «النيوزليتر» أو الرسائل البريدية الإخبارية عبر الإيميل. مثلا هناك كتاب فى العديد من بلدان العالم يكتبون مقالاتهم عبر هذه الآلية. كاتب فى الأرجنتين لديه قائمة بريدية من خمس آلاف شخص يدفع كل واحد منهم دولاران نظير قراءة المقال عبر هذه الآلية الجديدة. «النيوزليتر» لا يزال مجانا فى أماكن كثيرة، لكنه لن يصبح كذلك فى المستقبل القريب، ومثال ذلك هناك ٦٥٠ ألف مشترك فى موجز الأخبار الذى توزعه مجلة التايم الشهيرة.
سنيور أشار إلى مثال للقصص الخبرية الجديدة كتلك التى كتبها صحفى فى الجارديان عن قصة حياة لاجئة سورية تدعى كريمة، تفكر فى الهجرة من بلدها إلى تركيا أو أوروبا. كتابة القصة تعتمد على تكنيك مختلف شعاره إشراك القارئ فى القصة وتطوراتها عبر طريقة تفاعلية جديدة.
كما يؤكد سينور فإن الأكثر أهمية، أن يكون هناك إبداع وابتكار وليس مجرد تقليد أو استنساخ، ومن يقبل التغيير فلن يشيخ أبدا وأخطر شىء هو الخوف، والناس تريد أمثلة للنجاح تسير وراءها، وليس خططا خمسية. لكن السؤال هو: هل معنى هذه الثورة الرقمية الإعلامية أن الصحافة الورقية قد ماتت؟!. الإجابة لاحقا إن شاء الله.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved