فتح فى طورها الجديد: مؤتمر الحزب الحاكم... والقرار للسيد الرئيس!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 11 أغسطس 2009 - 8:18 م بتوقيت القاهرة

 
لم يشذ المؤتمر السادس لحركة فتح الذى انعقد أخيرا، فى بيت لحم داخل فلسطين المحتلة، ووسط ظروف يسيطر عليها الارتجال والتعجل والرغبة فى إثبات الذات عبر استنفار مختلف أنواع العصبيات الجهوية والقبلية والعشائرية والتنظيمية، عن أى من مؤتمرات «الحزب الحاكم» فى أى دولة عربية أو من دول العالم الثالث.

كان انعقاد المؤتمر هو الهدف. تم تجاوز كل الشروط الضرورية لكى يكون المؤتمر فرصة لمراجعة شاملة للتجربة المأساوية للعمل الوطنى الفلسطينى عموما، وفتح منه فى موقع « القائد» و«الرائد» فى ماضى الكفاح المسلح، وفى حاضر «السلطة» اللاغية للكفاح والسلاح.

كما تم التساهل فى قبول الشروط الإسرائيلية لكى ينتظم المؤتمر فى سياق «العملية السلمية» التى أفقدت أهدافها أو تم حرفها عنها، فجاءت القيادات والكادرات التى كانت منسية، أو التى كانت قد نسيت عضويتها فى تنظيم استغرق فى «السلطة» حتى استنزفته، إلى مؤتمر تم ترتيب انعقاده على عجل، وفى ظروف من التهيب والحذر وخوف التصادم مع الاحتلال، لكى يقروا ما كان قد تقرر فى غيابهم، ومن دون الحاجة إلى آرائهم وبالتالى إلى أصواتهم!

لم تكن «فتح» هى فتح التى عرفها الفلسطينيون وسائر العرب فى الستينيات والسبعينيات قائدا للكفاح المسلح، وقيادة لمنظمة التحرير الوطنى الفلسطينى، برغم ارتفاع بعض شعارات الزمن الجميل من خلف منصة الرئاسة التى تصدرها أحد أبرز رجالات اتفاق أوسلو الذى وضع نقطة الختام للكفاح المسلح وكل ما يتصل بالتحرير، وهو «الرئيس المطلق» لمختلف الهيئات والمجالس التى صارت «إدارات» حكومية.

«فتح» الآن هى «فتح» السلطة. والمؤتمر محكوم بأن يكون أقرب إلى مجلس نيابى معين يناقش برنامجا لحكومة محكومة بالانضباط تحت سقف الاحتلال والاتفاقات المبرمة التى يشكل اتفاق أوسلو ذروتها، أما ما بعده فهو أدنى فأدنى إذ إنه محكوم بما يقرره المحتل، بدءا من الإذن بانعقاد المؤتمر وصولا إلى الإذن بدخول الأعضاء أو رفض السماح بدخولهم.

أو اشتراطه تحديد درجة ارتفاع الصوت خلال المناقشات، فضلا عن تحكمه بجدول أعمال المؤتمر، حتى لا ينسى الأعضاء أنهم إنما اجتمعوا بإذنه ومن أجل تشريع الوضع القائم فى ظل سيطرته غير المحدودة. فلا يأخذهم التوهم أنهم لبوا النداء لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر وقبل اختتام مؤتمرهم العتيد.

لا حاجة إلى أوراق عمل. لا حاجة إلى تقارير تفصيلية عن حال التنظيم ــ الأم. لا حاجة إلى البحث فى ظروف حياة الفلسطينيين فى أقطار الشتات.

كذلك لا حاجة لمراجعة وقائع المرحلة الفاصلة بين المؤتمر الخامس وهذا المؤتمر والتى تزيد على عشرين عاما. المراجعة جلابة هموم. المراجعة ولادة خلافات. المراجعة قد تؤدى إلى صدامات وانشقاقات. فالمراجعة تعنى المحاسبة، بصيغة او بأخرى. وطالما أن القرار عند «الرئيس» وحده، فالمراجعة تعنى محاسبة من لا يحاسب ولا يجوز أن يحاسب بل ولا يجوز أن يمس من قريب أو بعيد.

المس بالرئيس يعنى إهانة تاريخ فتح. أليس هو وريث الزعيم القائد المؤسس؟! من يضمن ألا تتجاوز المحاسبة شخص الرئيس لتصل إلى القائد الراحل الذى أضفى عليه الاغتيال الإسرائيلى، فضلا عن إنجازاته خلال مرحلة النضال، هالة من القداسة؟!
إنه مؤتمر الحزب الحاكم، وبالتالى فأى نقد، ولو اتخذ طابع المراجعة، قد يهدد السلطة، وقد يوفر المزيد من الذخيرة للأخوة ــ الأعداء فى التنظيمات الأخرى، ولا سيما أولئك الأخوة من حماس، الذين انشقوا بغزة واحتموا بالسلطة عليها خلف جدار الاحتلال الإسرائيلى.

وفى مؤتمر للحزب الحاكم يتصدره رئيس كل المؤسسات، بدءا بمنظمة التحرير المنسية، مرورا بالمجلس الوطنى الفلسطينى، وصولا إلى الهيئات القيادية لحركة فتح، المجلس المركزى، المجلس الثورى، وانتهاء بحكومة السلطة، لا يجوز أن يتجاوز النقاش العموميات، وإلا تعرض البنيان كله للتصدع... من يجرؤ على تحمل مسئولية انهيار كل الماضى على الحاضر بما يقضى حكما على المستقبل، مستقبل فتح( وضمنها السلطة) وبالتالى فلسطين؟!

إنه مؤتمر الحزب الحاكم لصاحبه السيد الرئيس. لا ضرورة لتقرير شامل يغطى فترة العشرين سنة من الانقطاع والتباعد والخلافات التى بلغت حد الحروب الإعلامية. وليس من اللائق مساءلة السيد الرئيس سياسيا أو تنظيميا أو ماليا وسط هذه التظاهرة الحاشدة التى تلاقى فيها أكثر من ألفين وثلاثمائة عضو (أصيل أو معين) جاءوا من أنحاء الأرض الأربعة للتلاقى فى فلسطين ومن أجلها، وبعضهم يدخلها لأول مرة منذ ولادته.

إنه مؤتمر للحزب الحاكم. والحزب هو السيد الرئيس. والسيد الرئيس تحمل بشخصه المسئوليات جميعا طوال السنوات السابقة، فهل تجوز مكافآته عن القيام بأعباء العمل والمهمات الجسام منفردا، بتعريضه للمحاسبة؟!

إنه مؤتمر للحزب الحاكم، وأى حديث عن الثورة وعن الكفاح المسلح وعن التحرير «تجاوز» أو «خروج عن الموضوع» أو «مزايدة رخيصة»، خصوصا إذا ما كان السائل قد اجتاز العديد من الحواجز التى نصبها الاحتلال الإسرائيلى على امتداد خط السير من عمان إلى بيت لحم داخل الأرض المحتلة.

إنه مؤتمر للحزب الحاكم، يعقد بإذن إسرائيلى، نتيجة وساطة أمريكية معززة ببعض المساعى العربية الحميدة، مع اشتراطات واضحة بألا ينكأ جراح الماضى بالعودة إلى أحاديث الكفاح المسلح والشروط الثورية لقيام الدولة الفلسطينية على كامل الأراضى التى كانت خارج قبضة الاحتلال فى 4 يونية 1967.

إنه مؤتمر للحزب الحاكم. صحيح أن فتح لم تكن «حزبا» بالمعنى المعروف للأحزاب فى أى يوم، ولكنها الآن حزب حاكم، وبالتالى فإن الحكم يعوض أى نقص فى البرنامج السياسى، أو حتى فى العقيدة، وثمة مساحة للكلام، بطبيعة الحال.

فمن الضرورى إشاعة مناخ من الديمقراطية فى القول طالما أن القرار هو حق حصرى لصاحب القرار. وسيكون غبيا من يقف فى هكذا مؤتمر ليسأل «السيد الرئيس» عن التحرير وعن الكفاح المسلح وعن الميثاق الوطنى، وعن كل أدبيات المرحلة السابقة على اتفاق أوسلو، بل حتى عن مدى الالتزام الإسرائيلى بذلك الاتفاق البائس، فضلا عن خريطة الطريق.

أو عن مآل الجهود التى بذلت لوقف بناء جدار الفصل العنصرى، أو احتمالات نجاح المساعى الدبلوماسية لإقناع حكومة بنيامين نتنياهو بوقف بناء المزيد من المستعمرات أو بوقف حيلة «التوسع الطبيعى» للمستعمرات لاستيعاب عشرات وربما مئات الألوف من وحوش المستوطنين المستقدمين من أربع جهات الأرض!

إنه مؤتمر الحزب الحاكم. وهو يعقد برعاية دولية شاملة لتأمين الغطاء الضرورى لتنازلات جديدة سوف تتم تحت غطاء من الشرعية الثورية لقيادة فتح ممثلة بأعلى هيئاتها، المؤتمر العام. ولقد استلزم عقد هذه المؤتمر، الذى تم بسرعة قياسية، ووسط تسهيلات غير مسبوقة، جهودا دولية عربية خارقة، تولتها الإدارة الأمريكية الجديدة بعد اطمئنانها إلى انه لن يخرج عما اتفق عليه من شروط تسمح بانعقاده، وبعد ضمانات ملزمة بألا يخرج بمقررات من شأنها أن تعقد مساعى التسوية أو تنسفها، والعياذ بالله.

إنه مؤتمر للحزب الحاكم. وبالتالى فلا مجال للمزايدات. إن الأمن هو البديل العملى عن الثورة. والسلطة هى البديل العملى عن الدولة، أليست هى الإطار الناجح للكيان السياسى المنشود. ثم ان مشكلة القدس عويصة ومعقدة وتحتاج إلى مجهود استثنائى للفتوى التى يمكن ان تفصل بين الحقوق المشروعة لكل من اليهود والمسلمين والنصارى فى هذه المدينة المقدسة.

أما قضية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم التى طردوا منها قبل ستين عاما او يزيد فهى تذكر بكلمات مؤثرة لواحد من مؤسسى إسرائيل الكيان هو ديفيد بن غوريون، الذى قال ذات مرة: ان ثمة مشاكل كبرى ومعقدة لا يمكن حلها، لذلك فمن الأفضل ان تترك لتشيخ ثم تموت!

ليس أسهل من «المزايدة» على حركة فتح، فى هذه اللحظة! وليس أسهل على حركة فتح من ان ترد على كل من يسألها حول قصور المؤتمر عن معالجة القضايا الفعلية للشعب الفلسطينى بالقول: انها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قضية فلسطين، ومن حصيلة نضال هذا الشعب العظيم على امتداد حقبة ما بعد اتفاق اوسلو وإقامة «السلطة»!

لقد واجه المؤتمر مجموعة من حقائق الحياة التى حكمت مساره ونتائجه من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
إن « فتح» اليوم هى جديدة تماما. انها مصابة بطاعون «السلطة». وهى بالتالى غير فتح التى عرف الفلسطينيون والعرب، خصوصا خارج فلسطين.

ان «فتح» الداخل كانت أقوى بصمودها قبل السلطة، منها اليوم، وهى مثقلة بأغلال السلطة وقيودها والمسئوليات اليومية الملقاة على عاتقها، والتى تشمل وجوه الحياة جميعا واحتياجات شعب الداخل من فلسطينيى الضفة وقطاع غزة (الأسير، منذ ان تسلمت زمام الأمور فيه حركة حماس، حسبما تقوله فتح).

ان حركة «فتح» الداخلة فى صراع مصيرى مع حركة حماس، التى تريد أن تدعى لنفسها «العودة إلى الجذور» قد تجد المخرج فى المزيد من التنازلات بدلا من أن تلجأ إلى «المزايدة» المستحيلة فى ظل التمسك بالسلطة، وهذا مقتل لما تبقى من تراثها النضالى التاريخى، لكنها تراهن على أن حماس لا تقل تعلقا عنها «بالسلطة» على غزة، ثم ان العرب هم ــ بمجموعهم ــ مع فتح ونهجها.

وليسوا مع حماس التى يرونها خطرا على أنظمتهم، وبالتالى فهم محكومون بالتحالف مع فتح، مع إدراكهم أنها تفرط فى القضية المقدسة التى كاد يذهب بها تفريطهم أو تحريضهم للسلطة على التفريط.
رحم الله محمود درويش الذى غاب قبل أن يشهد فصل الختام الحزين، والذى نسى المؤتمرون الإشارة إلى ذكراه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved