العرب قبل الإسلام: عن أى جاهلية نتحدث؟

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه

آخر تحديث: السبت 12 يناير 2019 - 11:00 م بتوقيت القاهرة

قبل بداية الحديث عن التاريخ السياسى للإسلام منذ بدء الرسالة فى القرن السابع الميلادى وحتى انهيار الإمبراطورية (الخلافة) العثمانية فى الربع الأول من القرن العشرين، لابد من إلقاء بعض الضوء على تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. أهمية إلقاء هذا الضوء على هذه المرحلة ليس فقط لهدف علمى أو منهجى، ولكنه لهدف شعبى بالأساس، فالخطاب الإسلامى السائد فى الأوساط الشعبية هو اعتبار مرحلة ما قبل الإسلام مرحلة ظلام دامس بلا حضارة أو مقومات حياة عادلة، والحقيقة أن هذا غير دقيق، فالعالم عموما وشبه الجزيرة خصوصا عرفت الحضارة والعلم والفنون والعمارة والشعر والأدب قبل الإسلام، والملاحظ هنا هو ذلك الفرق الشاسع بين الرسالة النقية التى نشرها الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)ــ على الأقل كما يفهما كاتب هذه السطور ــ وبين الخطاب الإسلامى الشائع، فلم يُعرف عن الرسول أبدا التقليل المعمم أو الانتقاص المجحف للحضارات السابقة على الإسلام، بل على العكس تماما، فقد أكد الرسول أن رسالة الإسلام «مكملة» و«متممة» للرسائل السابقة وهو أمر تغير مع الظروف التاريخية فعمد علماء المسلمون لاحقا ــ لأسباب ربما تتعلق بتدهور الحضارة الإسلامية أمام التقدم الغربى ــ إلى التقليل بل والحط من الحضارات والرسائل الأخرى وهى أمور قد أتناولها لاحقا.
بل وحتى الآيات القرآنية التى استخدمت لفظ «الجاهلية» مثل (١٥٤ آل عمران، ٥٠ المائدة، ٣٣ الأحزاب، ٢٦ الفتح)، فقد جاءت هذه الآيات جميعا لتتحدث عن مواقف بعينها، من أجل التصحيح وفقا للرسالة الإسلامية وهو أمر بعيد كل البعد عن الحط من حضارات الآخرين كما اعتادت الخطب الإسلامية أن تفعل.
***
قبل نزول الرسالة الإسلامية فى القرن السابع الميلادى، كانت منطقة شبه الجزيرة العربية تمر بمراحل صعود وهبوط قبل وبعد المسيح، جنوب الجزيرة العربية (اليمن وبعض مناطق عمان حاليا) عرفت العديد من الحضارات القديمة مثل سبأ وحمير ومأرب، كانت حضارات متقدمة ومساهمة بشدة فى التطور الإنسانى والحضارى بمعايير عصرها، بينما كان شمال شبه الجزيرة (المسكون بالقبائل العربية) أقل تقدما وحضارة بسبب قسوة الطقس وظروف البيئة الصحراوية والتنقل والترحال الدائم للبدو. ورغم ذلك وبعد ثلاثة قرون من نزول المسيحية فإن شمال شبه الجزيرة العربية كان فى تقدم وتحضر مستمر، فمع القرن الثالث الميلادى نظم العرب أنفسهم وقاموا بإنشاء الجيوش وتنظيم حركة التجارة وبناء اقتصاد أكثر تطورا من خلال شبكة مواصلات بدائية، وعرف العرب وقتها الشعر ونظموا المهرجانات الثقافية كما عرفوا الحج نحو مكة وإن ظلت علاقتهم بممالك الجنوب مضطربة.
كانت تجارة العبيد هى البضاعة الأكثر رواجا فى تلك الفترة كما كانت فى مناطق أخرى من العالم، لكن كانت الأديان الإبراهيمية تسهم كثيرا فى ضبط علاقات المجتمعات العربية وغير العربية فى شبه الجزيرة، فانتشار المسيحية واليهودية فى الكثير من المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية لشبه الجزيرة كان من أهم ملامح التطور الحضارى للسكان فى تلك المنطقة، فعرف العرب مفهوم التوحيد والكتب المقدسة والصلوات المنتظمة وبدأت هويات دينية جديدة تتشكل إلى جانب الهويات القبلية أو العصبية. ورغم ذلك، فلم تتمكن هذه الهويات الجديدة من إعادة تنظيم المجتمع سياسيا واقتصاديا وثقافيا بشكل جذرى كون أن الرسالتين اليهودية والمسيحية إما تميزت بالمحدودية والانتقائية فى الدعوة (اليهودية)، أو التركيز على الجوانب الروحية دون السياسية أو المجتمعية (المسيحية)، ومن هنا فلم تتمكن هذه الديانات من توحيد شبه الجزيرة أو تقديمها كقوة عظمى تنافس الحضارات والإمبراطوريات المجاورة (الإمبراطورية الفارسية فى الشرق، والبيزنطية فى الشمال وحمير فى الجنوب).
***
قبل نزول الرسالة الإسلامية مباشرة كانت التركيبة المجتمعية لمنطقة شبه الجزيرة شديدة الهيراركية والقبلية، فقد كان الانتماء القبلى أهم بكثير من الانتماء الدينى، فبقدر قوة وأهمية قبيلتك بقدر ما قد تتمكن من تحقيقه فى المجتمع. كانت مكة أيضا واحدة من أهم مدن غرب شبه الجزيرة العربية وكانت مركزا للتجارة والمواصلات والتبادل الثقافى فى تلك الفترة، فى تلك الأجواء ظهر الرسول مبشرا بدعوته فى عمر الأربعين وقد كان له من المكانة ما كان لقبيلته (قريش) غير أن الرسول نفسه لم يكن سوى رجل عادى لم يكن معروفا بالسطوة والجاه بقدر ما كان معروفا بالأمانة والصدق والتواضع وقطعا رفض عبادة الأوثان.
ورغم أن الرسول محمد كان لا يقرأ ولا يكتب (رغم أن بعض الكتابات التاريخية غير الإسلامية تشكك فى تلك الحقيقة)، إلا أنه كان شخصا يتسم بسعة الأفق وبعد النظر والحس السياسى. فلأنه كان يعرف جيدا أن مجتمعا بهذه التقاليد وهذه الهيراركية وهذه العصبية وهذه الحياة القاسية من الصعب قلبه رأسا على عقب، فقد اتبع أسلوب التغيير التدريجى الذى انتهى بثورة غيرت من الأوضاع المجتمعية والاقتصادية كثيرا.
***
لم تتعامل الرسالة الإسلامية مع العرب على أنهم مجرد مفعول بهم، كما أنها لم تنكر بعض ما حققوه من حضارة، ولم تغفل أبدا تقاليدهم ولا عاداتهم، فبدأت الدعوة سلمية، تعاملت بحرص مع مواضيع الخمر والإماء والعبيد والربا وغيرها من المحرمات الإسلامية، سعت إلى التماس عناصر القوة الحربية والسياسية بشكل تدريجى، فحينما اضطر الرسول أن يهاجر ضعيفا من مكة إلى المدينة لم يكابر أو يقاوم، وحينما ذهب إلى المدينة فقد عقد الصلح المشهور ووقع الدستور الشهير ــ يفضل الكاتب أن يسميه معاهدة لأن لفظ دستور به الكثير من التزيد والمبالغة ــ وعاش بجانب اليهود وغير المسلمين حتى تمكن من العودة إلى مكة فاتحا ومسيطرا.
فى تقديرى فإن الحديث عن الغزوات كوسائل عنيفة للتغيير ومتناقضة مع المبادئ السلمية للرسالة الإسلامية، تغفل الكثير من الحقائق السائدة لهذه المرحلة التاريخية والتى لم تعرف سوى هذه اللغة فى التغيير، كان الرسول برجماتيا إلى أقصى مدى، وعرف من فنون السياسة ما مكنه من التغير والسيطرة وإقناع آلاف (لاحقا ملايين ومليارات) البشر بالرسالة الإسلامية ومبادئها.
لم يتعامل الرسول أبدا مع العرب غير المؤمنين برسالته على أنهم جهلة أو أنصاف بشر، بل احترم قوتهم ولغة بيئتهم واعترف بالحضارات السابقة للرسالة الإسلامية ولكنه عزم فى الوقت نفسه على التغيير والسيطرة وفرض منطق وثقافة جديدة غيرت ومازالت من تاريخ الحضارة البشرية.
التعامل مع الرسول إذا على أنه مجرد قائد روحى أو دينى لا يمكن أبدا أن يمكننا من فهم فترة دعوته وحكمه، فقد كان قائدا دينيا وسياسيا فى الوقت ذاته، كان بشرا وليس ملاكا، كان حقيقيا وليس مصطنعا، كان من الأرض وقد عاد إليها ولم يكن من السماء، هذا كان سر التفوق والانتصار والنجاح وليس تلك الصفات العنترية الأسطورية التى يحاول مسلمو هذا العصر إلصاقها به ظنا منهم أنها تضفى المزيد من الهيبة على الإسلام ورسوله. ما قبل الإسلام لم يكن جاهلية تامة وما بعد الإسلام لم يكن عنجهية أو تكبرا أو فوقية كما يعتقد البعض، وهذا هو محور الحديث فى المقالة القادمة.

أستاذ مساعد العلاقات الدولية الزائر، جامعة دنفر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved