استراتيجية 2015 للأمن القومى الأمريكى: دروس مفيدة وكاشفة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 12 فبراير 2015 - 8:10 ص بتوقيت القاهرة

تأخر الرئيس أوباما فى تقديم استراتيجية جديدة للأمن القومى متسببا فى زيادة قلق صانعى السياسة فى الدول الحليفة والقيادات السياسية والبيروقراطية فى الولايات المتحدة. قيل الكثير فى أسباب التأخير. بعض ما قيل يمكن قبوله مثل أن أوباما كان ينتظر تطورا واحدا إيجابيا يزين به استراتيجيته الجديدة، ومن حسن حظه جاء هذا التطور أخيرا فى شكل مؤشرات جيدة عن بدء الانتعاش الاقتصادى فى الولايات المتحدة. أسباب أخرى لم تكن مقنعة مثل التغييرات الأخيرة فى وظائف وعضوية مجلس الأمن القومى وفوز الجمهوريين بأغلبية مقاعد مجلسى الكونجرس.

•••

كنت دائما واحدا من الذين اعتقدوا أنه من الضرورى الاهتمام بالوثائق التى تنشرها الولايات المتحدة وبخاصة تلك المتعلقة بالأمن القومى وقضاياه. فالاستراتيجية التى يفترض بحكم القانون أن تصدر دوريا باسم رئيس الدولة، وثيقة لا تعبر بالضرورة عن رأى الرئيس الشخصى وقناعاته حول قضايا الأمن، ولكنه بتقديمه إياها للكونجرس والأمة الأمريكية إنما يؤكد رضاءه عن محتوياتها بل والتزامه بها. هذه الوثيقة لا تكتبها أو تضع مادتها مؤسسة أمريكية بعينها، بل تشترك فى إعداد بياناتها وتوجهاتها كافة مؤسسات الدولة ذات الصلة بالأمن القومى، بما فيها المؤسسات المختصة بميزانية الدولة والشئون الداخلية والتعليم والصحة العامة، ثم تشترك جميعها فى الإقرار بدورها فى صنعها قبل تقديمها للرئيس. هكذا تتفادى الاستراتيجية الوقوع فى تناقض أو اختلاف البيانات والتوجهات، وتبتعد ما أمكنها عن تضارب المصالح فى جهاز الدولة وقياداتها الحزبية.

على النقيض من وثائق رسمية أخرى، يهتم محررو استراتيجية الأمن القومى بالتدقيق فى معانى الكلمات ودقة الاختيارات وبساطة اللغة والابتعاد قدر الإمكان عن الأسلوب البيروقراطى، وهو الاهتمام المأخوذ به عادة فى كتابة خطب رئيس الجمهورية الأمريكية. من المهم مثلا الانتباه إلى الأسلوب الذى استخدمته الاستراتيجية فى طبعتها الأخيرة عند الإشارة الضمنية إلى تغيير طرأ على السياسة الأمريكية مؤخرا فرض تأجيل مسيرة «التحول نحو الشرق»، وهو القرار الذى كاد يكون أحد أهم العلامات المميزة للسياسة الخارجية الأمريكية فى عهد أوباما. وقعت الإشارة إلى هذا التغيير بطريقة تكشف عن مرونة وهدوء صائغى الاستراتيجية وحرصهم الشديد على تفادى الاعتراف صراحة بأن سياسة التحول نحو الشرق كانت خطأ كبيرا، خطأ فى الجوهر وخطأ حتى فى العناوين والتلميحات، لما تسببت فيه من توتر فى منطقة شرق آسيا وعلاقات الصين بجاراتها، فضلا عن أن بداياتها لم تفلح فى إحداث تغيير جوهرى فى أى شأن ذى بال فى المنطقة.

•••

بمعنى آخر، أتصور أن الاستراتيجية الجديدة راعت المرونة الكافية التى تسمح لإدارة أوباما بالاعتذار عن أخطاء مارستها خلال السنوات الماضية، وراعت أيضا التزام قدر ضرورى من الصراحة والشفافية. حدث هذا عندما اعترفت الوثيقة للرأى العام الأمريكى، وللعالم الخارجى، بأن الإمكانات الأمريكية مثل غيرها من إمكانات الدول ليست لا نهائية. هى بالتأكيد وبعيدا عن منطق الانحدار، إمكانات محدودة. اعترفت أيضا أن هذه الإمكانات على ضخامتها لم تعد تتناسب مع التطورات الهائلة فى النظام الدولى، ومع تضخم المصالح القومية الأمريكية. هذه الشفافية ضرورية لدعم صدقية الدولة فى نظر المواطنين، وضرورية فى النهاية عند الطلب إلى المواطنين تقديم تضحيات أو تحمل خسائر خلال الأزمات والصراعات التى تكون أمريكا طرفا فيها.

•••

أثار انتباهى كقارئ عابر للاستراتيجية الجهد المبذول من معديها لشرح «السياق» الدولى والإقليمى وقت إعداد الاستراتيجية. أضرب مثالا، فقد بدا واضحا أن خلافا لايزال ناشبا بين معسكرين فى منظومة السياسة الخارجية حول الدرجة التى وصل إليها تردى الوضع الدولى، وحول أسباب هذا التردى وحول مستوى الارتباك الأمريكى أثناء التعامل مع هذا التردى. هناك فى أمريكا يوجد من يعتقد أن انكشاف «ضعف الدولة» فى الشرق الأوسط وإفريقيا، وتحديات جديدة من جانب روسيا فى شرق أوروبا، وأخطار حقيقية تهدد الأمن الأوروبى مصادرها متعددة وليست فقط روسية، وصعود الصين المتسارع مؤخرا، كلها عوامل جيواستراتيجية أثرت تأثيرا مباشرا فى كفاءة منظومة السياسة الخارجية الأمريكية.

آخرون يقولون إن المشكلة تكمن فى النظام الدولى ككل. فالنظام يتحول بسرعة تفوق سرعة تأقلم أمريكا مع هذا التحول، وبأكثر مما تنبأ أو توقع علماء الاستراتيجية والسياسة فى أمريكا. هذا التحول خلق حالة من التحديات المعقدة لأمريكا، ازدادت تعقيدا بتحديات داخلية تتعلق بالمرافق العامة وتحولات معتبرة فى «الشخصية الأمريكية وفى النظام الطبقى، وكلها لا تقل خطورة وأهمية عن التحديات التى يجسدها النظام الدولى فى مجمله. ومع ذلك هناك من يرون أن هذه التحديات مجتمعة لا تستحق من صانع السياسة فى أمريكا كل هذا القلق الذى ينعكس فى تصرفاته. إنما يأتى القلق فى رأيهم نتيجة ميل قادة الاستراتيجية الأمريكية للتعامل مع العالم الخارجى ككل متكامل. بينما يجب عليهم، ويقصدون قادة كافة مؤسسات منظومة السياسة الخارجية الأمريكية، التعامل مع كل قضية أو أزمة خارجية على حدة وبدون أن تطغى مشكلة على غيرها من المشكلات فتحتكر الاهتمام وتستأثر بأكثر مما تستحق من أرصدة القوة المتاحة والمحتملة. توقفت أمام تصريح للسيدة رايس، مستشار الرئيس للأمن القومى، جاء فيه ما معناه أن الفزع الظاهر فى التعامل الأمريكى مع مشكلة أو أخرى من المشكلات الطارئة والعابرة يمكن أن يؤدى إلى تجاهل المشكلات الأطول أمدا مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل وتدهور البيئة وبناء نظام دولى جديد.

فى ظنى أن وثيقة الاستراتيجية التى بين أيدينا تعكس جانبا من هذا التوجه. دليلى على ذلك أن الوثيقة رفضت أن تتعامل مع التحدى الروسى الذى يجسده الرئيس بوتين كواحد من الأخطار الثمانية العظمى التى تواجه الأمن الأمريكى والتى سردتها الوثيقة خطرا بعد الآخر. ليس هذا فحسب بل لاحظت أن الشرق الأوسط لم يحظ بالاهتمام الذى توقع كثير من المعلقين أن تبديه الوثيقة تجاهه، وعلى كل حال لم أكن واحدا من هؤلاء فقد تابعت على مدى فترة غير قصيرة مراحل متدرجة من تراجع اهتمام ولا أقول لا مبالاة أمريكية تجاه الشرق الأوسط.

•••

المقارنة السريعة بين الوثيقة الصادرة هذا الأسبوع ووثيقة استراتيجية الأمن القومى الصادرة عام 2010 تقدم تقييما غير متعمد لسياسة أوباما الخارجية خلال الأعوام الماضية. يبدو من المقارنة أن أوباما فشل فى تحقيق هدف التقارب مع روسيا وحث بوتين على المشاركة فى حل مشكلات دولية، بينما نجح فى إخراج جيوش أمريكا من العراق وأكثرها من أفغانستان كما وعد فى وثيقة 2010.

يبدو أيضا أن أوباما حقق نجاحا فى تنفيذ ما وعد به فى وثيقة 2010 عن تجاوز الأزمة المالية وحالة الكساد، إذ تصادف إعلان وثيقة 2015 مع بوادر انتعاش اقتصادى. نجح أوباما فى تحقيق هذا الهدف بينما فشل فى تحقيق وعده نقل الشرق الأوسط إلى الطريق نحو مستقبل أفضل. وقد علق محلل أمريكى على هذا الفشل بقوله إن العرب هم الذين أجهضوا حلم أوباما وأحبطوا هدفا مهما من أهداف استراتيجية الأمن القومى الأمريكى. يمكن أيضا أن نضيف إلى ما سبق فشله فى نقل بؤرة التركيز فى السياسة الخارجية الأمريكية من أوروبا والأطلسى إلى شرق آسيا والباسيفيكى.

•••

لا أحد توقع أن تخلو وثيقة استراتيجية قومية للأمن فى دولة من الدول العظمى أو الطموحة من نص أو إشارات تؤكد تمسكها برسالتها. مرة أخرى تؤكد الاستراتيجية الأمريكية تمسك أمريكا بالدفاع عن الديمقراطية، وإن أضافت هذه المرة إلى محاربة الفساد أداة أخرى فى الدفاع عن الديمقراطية وهى التوجه إلى الشباب، وربما جاءت هذه الإضافة على ضوء تجربة ثورات الربيع العربى، والمخاض الأليم الذى يتعرض له الشباب فى بلاد هذه الثورات، متحملين بشرف وجدارة مسئولية المساهمة فى نشوب هذه الثورات والإصرار على حمايتها. جديد بلا شك فى الوثائق الأمريكية الإشارة إلى الشباب كعنصر مهم فى الدفاع عن الديمقراطية.

•••

الجديد أيضا هو تبنى وثيقة استراتيجية الأمن القومى الأمريكى الدفاع عن قضايا المثليين فى كافة أنحاء العالم، باعتبارها من قضايا الأمن القومى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved