العبقرى

محمد زهران
محمد زهران

آخر تحديث: السبت 12 مارس 2016 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

دائماً نفرط فى استخدام صفة العبقرية لننعت بها الكثيرين ممن لا يستحقونها خصوصاً إذا كانوا يحسنون شيئاً نجهله أو نهابه، من هذه الأشياء التى يهابها الكثيرون علوم الرياضيات، فإذا كان من سنتحدث عنه اليوم من أعظم علماء الرياضيات و إذا كانت فرنسا أرسلت بعثة لتبحث عنه و تقنعه بتدريس الرياضيات عندها فى جامعة باريس يصبح الحديث عن العبقرية أمراً حتمياً!

هذا الفتى الفذ محمد بيومى من دهشور و قد سافر إلى فرنسا لدراسة الهندسة و الرياضيات عام 1826 و عندما عاد عُين مدرساً بمدرسة المهندسخانة ببولاق، تتلمذ على يديه الكثير ممن حملوا لواء النهضة فى مصر فيما بعد مثل محمود باشا الفلكى (المسمى على إسمه الشارع الشهير فى غرب القاهرة من ميدان التحرير)، و الطريف هنا أن أغلب الطلاب كانوا أكبر سناً من الأستاذ ليس لدخولهم معترك التعليم متأخرين و لكن لعبقرية الأستاذ الذى أصبح كبيراً للأساتذة.

فى مدرسة المهندسخانة تألق هذا العالم الفذ فى تكوين جيلاً من الأساتذة العظام بعده، و نرى هنا صفتين أساسيتين نتمنى أن نراهم فى جميع أساتذتنا، أولاً كان يساعد زملاءه من الأساتذه على تحسين مستواهم العلمى و لا يعتبر أنه فى منافسة بل جميعهم فى مهمة مقدسة و هى التعليم و دفع عجلة العلم و النهضة بالوطن، ثانياً عندما يعود بعض المبعوثين للخارج دون أن يستكملوا دراستهم لسبب أو لآخر كان يتولى بنفسه تأهيلهم و تعليمهم حتى يصبحوا أساتذة بدورهم ... إنها عبقرية العلم و عبقرية التعليم و عبقرية الزمالة ... إنها العبقرية التى تأخذ بيد الطالب حتى تجلسه على مقعد التدريس أو تؤهله لدخول الحياة العامة كمهندس على أعلى درجات الكفاءة... فكم من أساتذة فى هذا العصر تفخر بعدد الطلاب الذين تخرجوا من تحت أيديهم، و لكن العبرة ليست بالعدد و لكن بالتأثير، هل أثر الأساتذة فى تلاميذهم نفس تأثير محمد بيومى فى تلاميذه؟ هل أعطوهم الوقت و الجهد الكافى إذا كانوا يشرفون على رسالاتهم للماجستير أو الدكتوراه؟ لا ننكر أنه لدينا أساتذة أجلاء و لكننا نطلب العلا للجميع و ليس للبعض دون الكل.

بالإضافة إلى عمله فى المهندسخانة عُين محمد بيومى فى (ديوان المدارس) سنة 1837، مهمة هذا الديوان هى تنظيم نهضة التعليم، فكان هذا الديوان أول وزارة للمعارف فى مصر و مبتكر نظام التعليم الابتدائى، ما أعطى محمد بيومى هذه المكانة قد لا تكون أبحاثه في مجال الرياضيات و لكن فهمه العميق لهذا العلم و قدراته المتميزه في التدريس و إسهاماته في إدارة العملية التعليمية، و هنا أحب أن أنتهز هذه الفرصة لأقول لكل الناس إن إسهامات المعلم لا تقل عن إسهامات العالم فأرجو ألا ننجرف وراء "كم بحثاً نشرت" على حساب "كيف أثرت في طلابك" خصوصاً و أن العلم و التعليم هما أساس النهضة.

هذا العالم الجليل الذى كان من أعلم علماء الرياضة هو أول مترجم (عن الفرنسية) و مؤلف فى الرياضيات و الهندسة باللغة العربية، و قد شجع هذا كثيراً من زملاءه على التأليف فى هذا المجال، نستطيع أن نقول كما قال عبد المنعم شميس فى كتابه "عظماء من مصر" أن محمد بيومى كان يقفز إلى المجد قفزاً، و قال عنه على باشا مبارك إنه كان مرجعاً لكثير من نوابغ المهندسين المصريين.

للأسف كانت نهاية هذا العالم مأساوية على يد عباس باشا الأول الذى أغلق كل المدارس بعد نفوق حصانه و عجز الأطباء البيطريين عن علاجه و أصدراً أمراً بتعيين (أو لنقل نفى) رفاعة الطهطاوى ناظراً لمدرسة الخرطوم الإبتدائية و تعيين الكثير من أساتذة المهندسخانة فى تلك المدرسة و منهم محمد بيومى!!
أرسلت فرنسا بعثة لتعرض على محمد بيومى القدوم إلى باريس و التدريس هناك بل و كتب أحد أعضاء البعثه كتاباً بالفرنسية بعنوان "محمد بيومى فى المنفى"، للأسف لم أستطع الوصول لهذا الكتاب، لا أدرى إن كان محمد بيومى قد رفض العرض أم قبله و لكن القدر لم يمهله، فهناك فى الخرطوم توفى هذا العالم بضربة شمس و أعتقد أن مكان قبره فى الخرطوم مجهول اليوم ... للأسف.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved