رئاسة مصر تسترهـن المستقبل العربـى بين دكتاتوريتين .. إسلامية أو عسكرية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 13 يونيو 2012 - 8:24 ص بتوقيت القاهرة

يتابع المواطن العربى فى مختلف أقطاره التطورات المتتابعة التى تشهدها مصر، بالمفاجآت الخطيرة التى حفلت بها وتسببت فى خيبة أمل مريرة، بحيث اغتالت آماله فى التغيير بالثورة وصدمته بأن سجنته داخل احتمالين أحلاهما مر: إما الحكم بالشعار الدينى وإما إدامة نظام الطغيان بواحد من أركانه العسكريين الذين لم يعرف عنهم عشقهم للديمقراطية ولم يشتهر عنهم تصادمهم مع الرئيس المخلوع بسبب رفضه الانحراف السياسى أو الإفساد العام، بل إنه كان قريبا منه إلى حد ائتمانه على مصيره عبر اختياره رئيسا لحكومته الأخيرة التى أسقطها الميدان.

 

ومع الاحترام الكامل لرأى الناخب المصرى إلا أن المواطن العربى خارج مصر يرى أن هذا الناخب لم يمكن فعلا من الاختيار الحر ومن التعبير عن رأيه حقيقة، إذ حوصر فى دوامة من القرارات والمناورات التى ابتدعت تعديلا دستوريا لم يكن بريئا من الغرض، ثم مدت فى الفترة الانتقالية بأمل انقسام الميدان واختلاف قواه التى ضخت الأمل بالتغيير فى أرجاء الوطن العربى بمشرقه ومغربه جميعا.

 

ولقد رأى المواطن العربى، خارج مصر، أنه هو الآخر وفى مختلف دياره محاصر بخيار بين المر والأمر منه، أى بين مرشحين كلاهما قادم من الماضى وغير مؤهل لان يأخذه إلى المستقبل... فكلا المرشحين الباقيين فى ميدان المنافسة على رئاسة مصر الثورة لا يجسدان الطموح إلى التغيير بالخروج من الأمس المثقل بأسباب الاضطهاد والعنت إلى الغد المبشر بالأمل.

●●●

لقد كانت الثورة فى مصر أجمل من الأحلام، بملايينها التى احتشدت فى الميدان ــ وبالوعى العظيم الذى ضبط حركتها وصاغ شعاراتها التى دوت فى مختلف أرجاء الوطن العربى ووصلت أصداؤها إلى أربع رياح الأرض، مؤكدة جدارة الإنسان العربى فى مصر أساسا ومن ثم فى خارجها بصياغة حياته وفق طموحاته وبحقه المشروع فى أن يصنع دولة لوطنه تليق بكرامته الإنسانية وبوعيه وقدراته الفعلية التى طالما «اعتقلها» نظام الاستبداد.

 

وليس سرا أن أجيالا من العرب خارج مصر ربطت ولا تزال تربط مصيرها بتقدم مصر ذات التأثير العميق فى الوجدان العربى والفكر الإنسانى، وذات التجربة الرائدة فى بناء الدولة، وذات الدور الذى لا يمكن إنكاره والتقليل من خطورته فى اقتحام الغد بالثورة.

 

ثم إن اللحظة الراهنة، بكل المخاطر التى تحملها على الوجود العربى، دولا وشعوبا تلقى على مصر الثورة أعباء إضافية ثقيلة، إذ إن مسارها ثم الصيغة النهائية للحكم فيها وهوية النظام الذى ستنتجه سيكون له تأثير حاسم على صورة المستقبل العربى عموما.

 

فليس سرا أن مناخا تختلط فيها الخلافات السياسية بالتوترات الطائفية والمذهبية والمصالح الخارجية ذات التأثير الواضح على السياسات الداخلية سيجعل المعركة على الرئاسة فى مصر محطة غاية فى الخطورة على صورة المستقبل فى مختلف أرجاء الوطن العربى وليس داخل القطر المصرى وحده.

 

إن المواطنين العرب فى مختلف ديارهم يحملون الخيار المصرى، فى هذه اللحظة، المسئولية عن تطور الأوضاع داخل بلادهم، التى يتهدد بعضها خطر الحرب الأهلية وتلوح فى آفاق البعض الآخر نذر التقسيم أو الفوضى الدموية.

 

وليس سرا أن الغالبية الساحقة من الجمهور العربى، لا تجد فى أى من المرشحين اللذين ابقاهما الدور الأول من الانتخابات الرئاسية لوحدهما فى مجال المنافسة، ما يطمئنها إلى مستقبل مصر بذاتها، فضلا عن دورها الحيوى والذى لا بديل منه فى المستقبل العربى جميعا.

 

ومع التسليم بالحق المطلق لشعب مصر فى اختيار رئيسه ديمقراطيا فإن ما سبق الانتخابات الرئاسية وما رافقها ويرافقها الآن لا يبعث على الاطمئنان عربيا، خصوصا وان المواطن العربى فى مختلف دياره يتابع تعاظم حركة الاحتجاج البديهى داخل الشارع المصرى على حصر الخيار بين من يراه المصريون امتدادا لعهد الطغيان أو ارتدادا تحت الشعار الدينى عن أهداف التغيير الثورى فى اتجاه المستقبل الأفضل.

 

لقد شارك العرب فى مختلف ديارهم إخوانهم المصريين أحلامهم وتمنياتهم بانتصار «الميدان» بشعارات إسقاط الطغيان على «الماضى» بوجهيه: الدكتاتورية العسكرية المعززة بدعم المتسلقين والانتهازيين من نهابى الثروة الوطنية تحت لافتة الانفتاح، والتنظيمات الإسلامية التى لا تبشر بالتقدم فى اتجاه الغد، مهما زينت شعاراتها، وتظل بأصولها وتوجهاتها وخطابها واضحة الانتساب إلى الماضى.. حتى لو تم تشذيب اللحى وتعطيرها بالطيب.

 

ذلك أن التنظيمات حاملة اللواء الإسلامى، عموما، لم تستطع القطع مع الماضى السحيق، وتأكيد انتسابها إلى المستقبل المفتوح على الفكر الإنسانى وعلى الحداثة عموما، حتى لو حمل أقطابها ألقابا علمية محترمة وتخلوا عن الزى الشرعى إلى البدلة وربطة العنق واستخدام اللغة الإنكليزية فى محاولة إقناع الجمهور بأخذهم بأسباب الحداثة.

 

أما العسكر فقد آن لهم أن يتقاعدوا وان يخرجوا نهائيا من ميدان العمل السياسى، خصوصا أن الأبرز من وجوههم، وبالتحديد المرشح الآن لرئاسة مصر، ليس آتيا من ميدان الجهاد فى فلسطين أو من أجلها، وليس صاحب مشروع نهضوى متميز ينقل الجيش من مؤسسة لحماية النظام إلى طليعة لإسقاط الطغيان وإعادة مصر إلى دورها التاريخى كقاطرة إلى المستقبل، يمكنها أن تغير الواقع المتردى فى مجمل أنحاء الوطن العربى ومعه أفريقيا وبعض آسيا.

 

●●●

 

ومن باب التذكير فقط تمكن الإشارة إلى أن العرب فى مختلف أقطارهم قد استقبلوا ثورة 23 يوليو 1952 ليس لأن قادتها كانوا من الضباط، بل لأنها قد تصدت ونجحت فى تغيير الواقع المهين لكرامة الأمة، بعد الهزيمة القاسية فى ميدان فلسطين، وأنها نجحت أيضا فى تأكيد هوية مصر وفى إعادتها إلى لعب دورها القيادى الذى لا تنافسها فيه أية دولة عربية أخرى.

 

وبالتأكيد فإن الشعبية العارمة، عربيا، والتى تمتع بها جمال عبدالناصر، لم تأته فترفعه إلى موقع متميز فوق سدة القيادة لأنه كان ضابطا قام بانقلاب عسكرى، بل لأنه أسقط حكم طغيان ثم اندفع إلى استعادة هوية مصر ودورها بما أهلها لان تسترد حقها المشروع فى قيادة الأمة.

 

وبرغم كل الانتقادات التى وجهت إلى جمال عبدالناصر ومشروعه الذى قفز بمصر إلى الموقع الذى تستحقه بجدارة عربيا وإقليميا ودوليا، فإن موقعه فى الوجدان العربى ما زال متميزا. لقد صارت مصر، وصار العرب، معه وفى ظل قيادته غير ما كانت وكانوا قبله. لقد تحولوا جميعا من رعايا فى دول قابعة للمستعمر الأجنبى يُذلها الاحتلال الإسرائيلى إلى شعوب ناهضة تطالب بحقها فى الحرية والتقدم والمنعة والدور.

ومهينة هى محاولات تبييض صورة أحمد شفيق بالقول إنه ــ وهو الذى ظل الابن الشرعى للنظام الدكتاتورى حتى يومه الأخير ــ يشكل البديل الأفضل من ذلك النظام ومن الإخوان المسلمين الذى قاتلوا جمال عبدالناصر وقاتلهم طيلة عهده.. وربما كان ذلك القتال بين الخطايا المميتة للطرفين، لكن ذلك حديث آخر.

 

●●●

المهم، أن المواطن العربى «لن يعطى صوته»، ولن يمحض ثقته لأى من المرشحين المتنافسين الآن ــ حصرا ــ على رئاسة مصر.. بل إنه يرى فى كليهما خطرا على مصر وعلى مستقبله فى بلاده، فليس بين الاثنين من يطمئن إلى غد مصر وبالتالى إلى الغد العربى جميعا.

 

بل إن هذا المواطن يخاف الآن على مصر ومنها، فى ظل قيادة أى من المرشحين لرئاستها.. ولعله فى موقفه هذا يقارب المواطن المصرى المحصور خياره بين هذين المرشحين، وليس بينهما من يطمئنه إلى غده.

 

هل من الضرورى الاعتذار عن هذه الصراحة فى التعبير عن خيبة الأمل العربية فى النتيجة المأساوية التى فرض على ثورة الميدان أن تنتهى بها؟

 

ربما كان الاعتذار واجبا.. فالأمر يتصل، أولا وأخيرا، بأصوات المصريين وبمساءلة أبنائهم لهم عن التقصير فى حماية غدهم المهدد الآن بمخاطر الضياع أو الشقاق وكلها لا تطمئن إلى المستقبل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved