خطأ الأولويات الاقتصادية فى عام السيسى الأول

صفوت قابل
صفوت قابل

آخر تحديث: الجمعة 12 يونيو 2015 - 9:00 ص بتوقيت القاهرة

من واقع ما نعيشه فى مصر أننا تعودنا أن نسمع من المسئولين عن المشروعات التى ستجعل حياتنا تتحسن إلى الأفضل ولو بعد 30 سنة كما قال وزير التخطيط، ولكننا لم نتعود ان نراجع ما قيل لنعلم نسبة ما تحقق من الوعود وحتى نطمئن إلى سلامة السياسات وصدق الحكام، وبمناسبة مرور عام على تولى الرئيس السيسى الحكم رسميا من المفيد ان نراجع ما حدث فى الاقتصاد باعتباره مؤشرا على توجهات الحكم الجديد والى أين يذهب بنا، ويمكن تحديد العناوين الرئيسية التى تحدد رؤية السيسى لمشاكل الاقتصاد وكيفية مواجهتها فى الآتى:

• ان مشاكل مصر الاقتصادية كبيرة وأن مشروعاته للنهوض بمصر تحتاج تريليون جنيه، أى نحو 250 مليار جنيه كل عام من سنوات فترته الرئاسية، وعقب كارثة انهيار شبكة كهرباء مصر الخميس 4 سبتمبر وانقطاع الكهرباء عن غالبية الوطن، خرج الرئيس السيسى فى خطاب للشعب ليشرح حقيقة ما حدث، وارتكز حديث السيسى على ان شبكة الكهرباء متدهورة وتحتاج إلى 130 مليار جنيه على مدى خمس سنوات، وهوما يوضح قناعة الرئيس بأن المشكلة هى فى نقص الموارد وهو ما يستدعى البحث عن موارد مالية سواء من الداخل أو الخارج، أما أولويات الإنفاق وكيفية الإنفاق والسياسات المطلوبة لذلك فتأتى فى المرتبة التالية، رغم ان لنا تجارب سابقة فى رصد المليارات لمشروعات مثل توشكى ثم ثبت فشلها.

• والعنوان الأكثر وضوحا فى المجال الاقتصادى هو الكم الكبير للمشروعات الكبيرة والجديدة التى أعلن عنها الرئيس وحكومته، ويأتى مشروع ازدواج قناة السويس كأيقونة هذه المشروعات، ورغم ان السؤال ما زال مطروحا عن العائد من هذه التوسعة ومتى إلا ان الأحداث قد تجاوزت ذلك إلى البحث فى كيف يكون الاحتفال بإنهاء التوسعة.

• ومن المشروعات التى أعلن عنها الرئيس السيسى وحكومته، هناك المرحلة الأولى لإنشاء 3000 كيلومتر من الطرق ووفقا لتصريحات رئيس هيئة الطرق فسيتم تنفيذ ١٠ كيلومترات يوميا بإجمالى إنفاق ١٠٠ مليون جنيه، لأن الكيلومتر الواحد سيتكلف ١٠ ملايين جنيه، وستتكلف المرحلة الأولى 23 مليار جنيه، وهناك استصلاح مليون فدان كمرحلة أولى لاستصلاح 4 ملايين فدان والتى قال السيسى ان المرحلة الأولى فقط تتطلب 250 مليار جنيه، وهناك مشروع إقامة منطقة استثمارية فى الأرض حول مطار القاهرة الدولى والتى قال رئيس الشركة القابضة للمطارات إن البنية التحتية للمشروع تتكلف وحدها ٥ مليارات جنيه، وفى 23 أغسطس 2014 أعلن رئيس الوزراء طرح مشروع المخطط الاستراتيجى للساحل الشمالى الغربى وظهيره الصحراوى، وأن هذا المشروع هو المشروع القومى الثالث من سلسلة المشروعات القومية للتنمية على مستوى الجمهورية، بعد مشروع تنمية محور قناة السويس، والمثلث الذهبى للتعدين فى الصحراء الشرقية، وأضاف محلب أن «هذه المنطقة تمثل مستقبل التنمية لمصر حيث يمتد نطاق الساحل الشمالى الغربى من العلمين وحتى السلوم لمسافة نحو 500 كم، بنطاق وظهير صحراوى يمتد فى العمق لأكثر من 280 كم، ليشغل مسطحا نحو 160 ألف كم2 تقريبا، وسيتم إنشاء مدينة العلمين الجديدة على مساحة 88 ألف فدان تقريبا، وكل هذه المساحة الكبيرة من المؤكد ان خطواتها الأولى ستتكلف هى الأخرى المليارات وهو ما لم يعلن عنه، وأترك للقارئ مهمة جمع هذه المليارات لنصيح معا « يا للهول» من أين كل هذه المليارات فى اقتصاد يئن من عجز ميزانيته ونضوب استثماراته؟ ثم السؤال الأكثر أهمية ماذا تحقق من كل هذه المشروعات.

• وكان من الواضح ان موازنة الدولة لن تتحمل هذه المليارات لأنها أصلا تعانى من عجز تبحث عن مصادر تغطيته، ولن تستطيع البنوك أيضا تقديم غالبية هذه المليارات وكلما قدمت المزيد من أرصدتها فإن ذلك سينعكس سلبا على قدرتها على إقراض الحكومة، وواضح ان الدولة تدرك ذلك فوفقا لما قاله السيسى فى احتفال بدء مشروع القناة «عرفتوا ليه أنا عايز فلوس على جنب؟ لأن موازنة الدولة مش مستحملة» المشكلة إذا فى هذه النقود التى يريدها رئيس الجمهورية على جنب، من أين يأتى بها، واضح ان الأمل كان معقودا على صندوق تحيا مصر الذى يريد الرئيس ان يجمع من خلاله 100 مليار جنيه، ورغم كل الدعاية له فأعتقد ان ما تم جمعه حتى الآن لم يصل إلى 10 % من المطلوب رغم التهديد الضمنى للرئيس لرجال الأعمال بأنهم (حا يدفعوا حا يدفعوا) ولا أكون متشائما إذا قلت بصعوبة ان يدفع رجال الأعمال هذا المبلغ.

• ثم جاء المؤتمر الاقتصادى والذى عقدت الحكومة عليه الآمال فى تدفق الاستثمارات الأجنبية وحشدت العشرات من المشروعات لعلها تجذب لها الممولين، ويلاحظ ان غالبية المشروعات التى أعلن عنها كانت مشروعات عقارية وعلى رأسها العاصمة الجديدة.

•••

مما سبق نجد ان العام الأول للرئيس السيسى قد شهد طرح العديد من المشروعات الكبيرة والتى تحتاج إلى مليارات والتى كان الاعتماد الكبير فى توفيرها على مساعدات الخليج وتبرعات رجال الأعمال المصريين من خلال صندوق تحيا مصر، وهو ما لم يتحقق فى مجمله.

ونظرا لتواضع النتائج فعلى الرئيس والحكومة مراجعة مخططاتهم، فلماذا لا تكون الأولوية لإصلاح ما هو متواجد حيث يحتاج إلى نفقات أقل ويسهم سريعا فى زيادة الإنتاج، فبدلا من إعلان القوات المسلحة عن إنشاء مصنع جديد للحديد والصلب، لماذا لا يتم إصلاح مصنع حلوان للحديد والصلب، وهناك مصانع المحلة والنصر للسيارات وغيرها من مصانع القطاع العام التى تحتاج إلى التطوير بدلا من الإنفاق على الرواتب وتحمل المزيد من الخسائر.

ورغم مرور عام فلم يتحقق إنجاز فى إصلاح مليون فدان، بل لم تتحدد كيفية التصرف فى هذه الأراضى وهناك الآراء المتناقضة فى مدى توافر المياه والبحث عن مستثمرين (عرض وزير الزراعة على وزير التجارة الروسى المساهمة فى مشروع المليون فدان عند زيارته لمصر فى مايو 2015) لذلك لماذا يغير الرئيس وحكومته الأولوية إلى التصدى لظاهرة التعدى على الأراضى الزراعية والتى وصلت إلى مليون فدان فهذه تعطى نتائج أسرع من البحث عن مصادر تمويل استصلاح مليون فدان وكيفية توزيعها.

وبالإضافة إلى مراجعة الأولويات عليهم التركيز على المشروعات الإنتاجية وليس العقارية وليكن الهدف التحول إلى اقتصاد إنتاجى وليس اقتصادا ريعيا، ثم الاهتمام بالسياسات قبل البحث عن مصادر الأموال، واعتقد ان الرئيس قد أدرك خلال هذا العام خطأ الاعتماد المبالغ فيه على رجال الأعمال وخطأ تقديم المزيد من التنازلات وليس الحوافز مثل خفض العديد من الضرائب، كما ان الإصلاح المتكامل لبعض المشروعات أفضل من فتح العديد من المشروعات وعدم القدرة على استكمالها، فالقضية الأساسية الآن بعد عام من حكم السيسى هى تحديد الأولويات الاقتصادية ومحاولة عزل الاقتصاد عن الفوضى السياسية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved