اللقاء الأخير مع الكاتب الكبير

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الجمعة 13 يوليو 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

يوم الثلاثاء قبل الماضى كان الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة جالسا فى صالة اجتماعات التحرير بالدور الأول بجريدة «الشروق»، وبجواره الكاتبان الكبيران فهمى هويدى وجميل مطر، وبينهما المهندس إبراهيم المعلم.

 

فى الجهة المقابلة كنت أجلس أنا والمدير الفنى للجريدة الزميل حسين جبيل، الجلسة استمرت حوالى ساعتين.

 

الأستاذ سلامة ــ قليل الكلام بصفة عامة ــ وعندما يتحدث يوجز لا يستطرد أو يسترسل ويدخل فى القضية مباشرة.

 

المهنة كانت هما دائما عند سلامة، من أول ضرورة تدريب المحررين خصوصا الصغار منهم نهاية بتدقيق الخبر والتأكد من صحته مرورا بأهمية القراءة والاطلاع لأى شخص يرغب فى العمل الصحفى.

 

فى هذا اليوم من الواحدة ظهرا وحتى الثالثة عصرا قبل تسعة أيام كانت المرة الأخيرة التى أرى فيها الأستاذ سلامة.

 

كان فى الفترات الأخيرة يكافح المرض ببسالة نادرة، المرض ورغم ضرواته، لم يستطع أن ينال من ابتسامته الخافتة أو تعليقاته الساخرة، لكنه كان يحرمنا نحن فى «الشروق» أياما كثيرة من رؤيته.

 

سلامة أحمد سلامة كان كاتبى المفضل منذ كنت أدرس فى إعلام القاهرة منتصف الثمانينيات، طريقته السلسلة فى الكتابة وأسلوبه السهل والبسيط، يشعرك أنه قريبك، لا يتعالى عليك ولا يتفلسف، ويستعرض عليك كقارئ ثقافته أو معلوماته.

 

عندما كنا طلابا ندرس الصحافة كان سلامة مثلا أعلى لمعظم جيلنا، كانت سعادتنا أن نقرأ له، وعندما تعرفت عليه فى دبى بعد فوزه بجائزة الصحافة العربية قبل حوالى ثمانى سنوات، كان ذلك حدثا فى حياتى.

 

أفضال «الشروق» علىّ كثيرة، لكن إحداها العمل فى جريدة يرأس مجلس تحريرها سلامة أحمد سلامة، ومعه نخبة من ألمع الكتاب والصحفيين فى مصر والوطن العربى.

 

سلامة ــ رحمه الله ــ لم يكن كاتبا فذا فقط أو الرجل الذى يكتب بطريقة السهل الممتنع، لكنه كان مدرسة فى الوطنية.

 

نعرف كتابا كثيرين يمارسون الكتابة والوطنية بالصراخ والعويل لكن فقيدنا كان صاحب مدرسة ترى أن أفضل خدمة للوطن أن تقدم للقارئ فى الخبرالصحفى المعلومات الصحيحة والكاملة، وأن تقدم له وجهة نظر هادئة ومنطقية فى العمود والمقال والرأى من دون تشنج.

 

عمود سلامة «من قريب» بالأهرام كان الأجرأ فى كل الصحافة المصرية، فى زمن لم يكن كثيرون يجرأون على قول لا للحاكم وبطانته، وبعد الثورة وعندما صارت شتيمة «الحاكم السابق» هواية مفضلة لكل الذين كانوا يمدحونه.

 

عندما تأسست «الشروق» انتقل سلامة بعموده الشهير إلى «الشروق» وتزينت «ترويسة» الجريدة باسمه. ومثلما كان فى كل مكان

 

رأينا سلامة فى «الشروق» فارسا نبيلا لا يطعن من صاروا ضعفاء خصوصا بعد قيام الثورة.

 

يوم الثلاثاء الماضى اجتمع مجلس تحرير الجريدة، ولم يحضر سلامة لأن المرض اللعين عاود مهاجمة جسمه النحيل.

 

مساء أمس الأول الأربعاء تم نقل كاتبنا الكبير إلى العناية المركزة بأحد مستشفيات المهندسين، حاولت زيارته لكن تعليمات الأطباء كانت قاطعة بالرفض، وبعدها بقليل جاء الخبر الصادم: لقد انتقل سلامة أحمد سلامة إلى جوار ربه.

 

الصحافة المصرية والعربية المحترمة سوف تفتقد هذه القامة المهنية السامقة، لكن العزاء الوحيد أن هذا الفارس النبيل ترك مدرسة ضخمة من المحبين والمريدين والتلاميذ.

 

أستاذ سلامة افتقدك بشكل شخصى وخالص العزاء لأسرتك ولتلاميذك ومحبيك فى كل مكان.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved