فى «الحرب الجديدة» لبناء مصر: قناة سويس المصريين..

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 12 أغسطس 2015 - 7:30 ص بتوقيت القاهرة

لم تكن الزيارة الأولى لمنطقة القناة، يوم الخميس الماضى، وبدعوة من الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى تقصَد أن توجه الدعوات باسمه شخصيا إلى جميع المدعوين، رسميين ومعنيين ومهتمين، توكيدا لارتباط هذا المشروع الحيوى بقيادته كإنجاز تاريخى يمكن أن يشكل منطلقا لنهضة شاملة تستولد مصر الجديدة المؤهلة لدخول العصر وقد استعاد شعبها جدارته بتاريخه وبحقه فى مستقبل أفضل، وبالتالى فى الدور القيادى، عربيا والمميَز دوليا.

تسنى لى من قبلُ أن أزور القناة وهى جبهة ملتهبة بنار العدو الإسرائيلى، ثم وهى شاهد على إمكان النصر الذى أُجهض فأُغرق فى رمالها فى خريف 1973، وقد تناثر فوق جنباتها حطام خط بارليف الذى انهار مع القفزة الأولى لأبطال العبور. لكن ذلك حديث ينكأ الجراح فلنتجاوزه إلى الواقع الجديد الذى سيتدخل فى صنع مستقبل يليق بمصر وتضحيات شعبها العظيم وبين عناوينه قناة السويس الجديدة.

فى الزيارات الثلاث السابقة كانت القناة معطلة يتناثر فى جنباتها حطام السفن، التى دمرها القصف والضفتان جبهتان لحرب مؤكدة سرعان ما طوى احتمالها الدخول فى سرداب التفاوض، فالزيارة وصولاً إلى كامب ديفيد.
ما علينا وحديث الماضى، وهو مؤلم، فلنعش لحظة الفرح بالإنجاز حيث شهدنا، مع العالم كله، التطور المهم الذى استولد من القناة الأصلية وعلى ضفتيها، قناة جديدة بفرعين متكاملين من المقدر أن يستولدا نهوضا اقتصاديا مؤثرا، يشمل إلى تزايد حركة النقل مناطق صناعية ومناطق حرة واسعة، مع احتمال مفتوح لإعمار مناطق واسعة من صحراء سيناء.

فى المرة الرابعة، يوم الخميس الماضى الواقع فيه السادس من أغسطس 2015، شهدنا مع العالم كله التطور المهم الذى استولد من القناة الأصلية، أو على بعض ضفافها، قناة جديدة بفرعين متكاملين يمتد الفرع الجديد منهما لمسافة 35 كلم.

هذه المرة لم يكن العسكر المقاتل بالسلاح هو البطل، بل كانت الإرادة، إرادة الشعب المصرى هى البطل. فالشعب هو الذى مول هذا الإنجاز: البعض بمدخَراته، وهو الأكثرية، والبعض بشىء مما يملك. وكان الشعور الوطنى يتقدم على الرغبة فى الربح مما جعل الشعب المصرى، بأطيافه جميعا، الفقيرة والمتوسطة قبل الأغنياء من نهابى عهود الانفتاح، يندفع إلى تمويل المشروع الممتاز بمدخراته، مراهنا على المستقبل فى مصر، وبجهد المصريين أساسا، وبعد ذلك يمكن الحديث عن الاستثمارات الأجنبية، التى يفترض أن تشارك فى تحويل الضفتين من أرض رملية إلى مناطق صناعية ومستودعات ضخمة للتبادل التجارى، دوليا، قبل الحديث عن احتمال قيام مدن جديدة بوشر ببناء بعضها بجهود طلائع المتخرجين الشباب، الذين قرروا أن يكونوا روادا فى تعمير الصحراء وتخضيرها.

•••••

الموضوع هو هذا الشعب الفقير الذى لم يتردد فى تمويل مشروع مردوده طويل الأجل ويفترض عهداً طويلاً من «السلام» مع العدو الإسرائيلى، الذى ما زال الوجدان المصرى يحتفظ له بصورة العدو، وإن أرجأ التفكير فيه هذه اللحظة بغير أن ينسى أو يغفر.

الشعب يحس هذه اللحظة بزهو: أنه قادر! وأنه استجاب إلى طلب اقتنع بجدواه فأقدم على الاستثمار بمدخراته، وكان الفقراء ومتوسطو الحال أسبق من الأغنياء إلى المبادرة بالمساهمة، التى يمكن اعتبارها نوعا من التبرع الذى شدته الوطنية أكثر من الشبق إلى الربح السريع.

الشعب، بإرادته هو الحاضر الأكبر فى هذا الاحتفال الذى أريد منه أن يكون «رسميا» محدود الجمهور، وإن كانت الصورة المشرقة ببهائها قد وصلت إلى المصريين جميعا بل إلى العالم كله.
ولعل أبرز الدلالات لهذا الحفل أن الشعب قد انتصر على الإخوان. انتصر للدولة وانتصر بها.

لقد أكد شعب مصر المؤكَد: أن مرجعه الدولة، وأن ثوراته المتلاحقة كانت من أجل استنقاذ الدولة. وأنه يميز بين «الرئيس»، إذا ما عارضه، وبين «الدولة»، وهو قد يتحرك ضد الرئيس ـ إذا رآه مخطئا ـ ولكنه لا يهدم الدولة ليتخلص منه. الدولة مقدسة أو تكاد. وبرغم ما يُقال عن ضعف الشعب تجاه الشرعية، وبالتالى الرئيس (حتى المشكوك فى نزاهة انتخابه كالدكتور مرسى) فإن تحركه يظل موضوعه «الرئيس» لا «الدولة» ــ يحافظ على الدولة العميقة والعريقة والثابتة فى وجدانه باعتبارها ضرورة حياة وعنوان تحضره وتقدمه وتمييزه بين الحاكم (ولو كان فرعونا، كما الاتهام الدائم للمصريين) وبين الدولة. فالدولة دولته ولذا يحافظ عليها مهما اشتد اعتراضه على فرعون الحاكم.

•••••

مسألة الدولة فى المشرق لم تستقر فى الوجدان كضرورة حياة، كعنوان لأهلية الشعب. ظلت إلى حد بعيد خارجه. الحاكم فيها هو الأقوى حضورا إلى حد طغيان صورته على وجودها. الشعارات تجعل الرئيس أهم من الدولة. هو الثابت مع أنها هى الأصل فى الوجود، والرئيس ليس نتيجة صراع يتغلب فيه عادة العسكر، بل هو من ثمار وجود الدولة.

لقد ثبت أن المصريين «يعبدون» الدولة لا الفرعون، بينما فى المشرق صار «الفرعون» المتبدل، المتغير بما يتناسب مع صراع القوى وأخطرها العسكر، هو الأساس والدولة بعض نتاجه، ولا يهم أن تذهب طالما هو باقٍ، ولطالما ضحى رؤساء فى المشرق بالدولة وقبِلَ الناسُ فكرة أن الرئيس أهم من الدولة، وكأنه هو من أنتجها، وليس العكس.

«المدنى» الوحيد الذى حكم فى المشرق العربى، وتحديدا فى بعض أهم دوله (سوريا، العراق، الأردن، وحتى اليمن) فى نصف القرن الأخير هو «صدام حسين»، الذى سرعان ما عين نفسه «فيلد مارشال»، لكى يستطيع السيطرة على الجيش بالرتبة الأعلى ومعها بضعة أجهزة مخابرات.

حتى اليمن حكمه عسكرى طوال ثلث قرن أو أكثر، بعد سلسلة انقلابات عسكرية أنهت فيه الحياة السياسية، وتركته عاجزا فى مواجهة الخارج، عربيا كان بكوفية وعقال ومطامع عتيقة أو أجنبيا يطمح إلى السيطرة عليه لموقعه الاستراتيجى الخطير.

التهمَ العسكرُ الأحزابَ فى المشرق العربى/والتهموا الدول.

فى مصر سيطر العسكر على الحكم منذ 63 سنة لكن الدولة العميقة ظلت قائمة.

عدل العسكر فى النظام القائم، لكن الدولة ظلت عصية على الاندثار، وظلت أقوى من حكامها مع أن بعضهم أسهم، بالصح أو بالغلط فى كتابة تاريخ جديد لمصر، بل للأمة جميعا.

أما فى المشرق فبنى كل حاكم دولته التى كثيرا ما زالت بسقوطه، لا فرق بين أن يكون قد قضى بالوفاة أو اغتيالاً.

•••••
وبالعودة إلى مصر ومشروع القناة الجديدة لا بد من التوقف أمام ظاهرة دور الشعب فى إنجاز أسباب التقدم، عندما يُسمح له بأن يشارك فعلا بجهده وحتى بماله، ولو كان قليلا، ثم يتقدم لحماية الإنجاز بدمه إذا اقتضى الأمر.

لقد عشنا، نحن المدعوين، عربا بالأساس ثم الأجانب، لحظة الفرح النادرة التى أتيحت للمصريين، وهم يشهدون مقدمات الانجاز الذين شاركوا فى تحقيقه: صحيح أن القرار للقيادة، لكنهم هم الذين تصدوا لتحقيقه. هم الذين مولوه، بقروشهم القليلة، قبل مساهمات أغنياء الصفقات والمصادفات فيه.

على امتداد الطريق كانت معالم الفرح تشيع البهجة فى الوافدين ليشهدوا الإنجاز. كان كل مصرى وكل مصرية يتصرف وكأنه صاحب المشروع. وكانت الفرحة خليطا من البهجة بتحقيق انجاز وطنى ممتاز ومن الشعور بالزهو بأنه قد ساهم بقروشه فى هذا الإنجاز، وكانت استعادة أغانى مرحلة النهوض الوطنى ــ القومى التى احتلت «القناة» موقعا مميزا فيها خير تعبير عن تعويض بعض ما ضاع من زمن ومن ربح ماضى.

وهكذا ترقرقت الدموع فى عيون الشباب والصبايا وهم يسبقون شرائط التسجيل فى إطلاق أصواتهم بالأغانى، التى كتبها صلاح جاهين أساسا وغناها عبدالحليم حافظ والسيدة أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وكثر غيرهم لبطل تأميم القناة واستعادتها إلى السيادة المصرية ثم مواجهة العدوان الثلاثى والانتصار عليه، وبناء السد العالى، والذى له اسم بات نشيدا: جمال عبدالناصر.

ها هى مصر فى طريق العودة إلى موقعها ودورها، وبفضل المصريين جميعا، الذين لولاهم لظل قرار صاحب القرار معلقا فى خانة التمنيات.

هل نحن أمام صفحة جديدة فى التاريخ العربى الحديث؟ أم أننا بعد فى دائرة التمنى؟ الجواب فى وقائع ما بعد التأميم الثانى للقناة.

رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية

اقتباس
لا بد من التوقف أمام ظاهرة دور الشعب فى إنجاز أسباب التقدم، عندما يُسمح له بأن يشارك فعلاً بجهده وحتى بماله، ولو كان قليلا، ثم يتقدم لحماية الإنجاز بدمه إذا اقتضى الأمر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved