تجليات محمود درويش

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 12 أغسطس 2018 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

 

لم يكن يشك أحد من الذين عانوا النزوح الإجبارى من أراضيهم وبيوتهم تحت إرهاب السلاح ومذابحه الجماعية، أنه سوف يعود إليها بعد أيام وأسابيع.
أغلقوا الأبواب واحتفظوا بمفاتيحها:
«سوف نرجع عما قليل إلى بيتنا
عندما تفرغ الشاحنات حمولتها الزائدة!».
كانت نكبة عام (١٩٤٨) بأجوائها ونتائجها صدمة هائلة.
«لا تكتب التاريخ شعرا، فالسلاح هو المؤرخ».
بأبسط وأوضح المعانى وأكثرها عمقا ونفاذا فى الضمير الإنسانى صاغ «محمود درويش» تجربة أسرته فى ديوان: «لماذا تركت الحصان وحيدا؟».
لم يكن بوسع الأسرة المشردة أن تجمع حاجياتها وتركت خلفها حصانا ودجاجات فى بيت تصورت أنها سوف تعود إليه.
نزحت مع من نزحوا من قرية «البروة» بالجليل إلى مخيم لاجئين فى لبنان قبل أن تتسلل بعد نحو عام عائدة إلى الجليل، حيث عاشت فى قرية أخرى بالقرب من بيتها القديم، الذى لم تعد إليه أبدا.
فى كل بيت فلسطينى تجربة مماثلة غير أن موهبة الشعر أضفت على روايته ملحميتها وخلودها.
من قلب المأساة الفلسطينية ولدت ظاهرة شعراء الأرض المحتلة، وكان هو علمها الأكبر.
بعد هزيمة (١٩٦٧) تبدت تلك الظاهرة أمام الرأى العام العربى كأنها أقرب إلى عوالم السحر فى لحظة ألم عميق وشبه يأس.
كان ميلادها تعبيرا عن المخزون الإنسانى والحضارى الفلسطينى وقدرته على الإبداع والإلهام فى أحلك الظروف.
لم تنشأ من فراغ، ولا احتكرها شاعر واحد مهما بلغت قيمته.
بالتاريخ والسياق تبدت أسماء أخرى ذات شأن مثل «راشد حسين» و«فدوى طوقان» و«معين بسيسو» و«توفيق زياد».
كان الروائى والمناضل «غسان كنفانى» من موقعه فى بيروت أول منصة مسموعة أشارت إلى شعراء الأرض المحتلة، الذين بزغوا بعد نكسة «يونيو».
وكان الناقد الأدبى «رجاء النقاش» من موقعه فى القاهرة أول من كتب عنها بتوسع، لفت الانتباه إليها ودعا لاحتضانها.
بوصف «محمود درويش» فإنه: «من علم أجنحتى الطيران».
عندما يجر الحديث عن ظاهرة شعراء الأرض المحتلة، فإن اسمى «محمود درويش» و«سميح القاسم» يتصدران الذاكرة، كأنهما توءم ملتصق، أو «شطرا برتقالة» كما عنونا مساجلات بينهما، وتجربة واحدة وشاهد واحد على العذاب الفلسطينى.
رغم التوءمة نشأت أوضاع التباس ومناكفة بين الشاعرين.
الأول رحل قبل عشر سنوات بالضبط.. والثانى لحقه إلى الموت فى تمام الذكرى السادسة تحت قيظ أغسطس.
عالمهما تداخل بصورة مثيرة فى روح القصيدة.
فـ«درويش» الذى كتب: «عابرون فى كلام عابر» هو نفسه «سميح» الذى كتب: «كل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جنهم».
تجربة «درويش» أخذت زخمها من إطلالته على العالم، التى انعكست على بنية قصائده وروح التجديد فيها.
كان سفيرا فوق العادة للقضية الفلسطينية أمام الضمير الإنسانى، فهو صوتها المسموع والمتحدث باسم عذاباتها، غير أنه حاول إلى أقصى طاقته إثبات أن شاعريته لا تلخصها أناشيد الحماسة.
طور قصائده من الغنائية إلى الرمزية ومن صخب التعبئة إلى عمق الفلسفة مستفيدا من إطلالته على العالم واتساع قراءاته وحواراته.
فى تجربته اقترب من زعيم منظمة التحرير الفلسطينية «ياسر عرفات»، وكان الأقرب إلى قلبه.
أضفى بقصائده على الكفاح المسلح شرعيته الأخلاقية دون أن يحمله.
كانت قضيته، مع أبناء جيله من شعراء الأرض المحتلة، أن يقولوا للعالم: نحن هنا ولنا قضية، اغتصبت أرضنا وجرت جرائم وحشية ضد الإنسانية، ونحن نستحق الحياة.
كتب بأسلوبه النثرى الرفيع، الذى يضاهى شعره رفعة وتأثيرا، وثيقة الاستقلال الفلسطينى التى أعلنت فى الجزائر بثمانينيات القرن الماضى، وأثارت جدلا وخلافا عميقين قبل أن يقدم «عرفات» على توقيع اتفاقية «أوسلو».
شأن أى مبدع حقيقى فإنه لم يخذل شعره ولا قضيته كما يعتقد فيها.
«لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة، لكن عرشك نعشك
فاحمل النعش لكى تحفظ العرش، يا ملك الانتظار
إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار».
وقد كان.
لا أدرى كيف استقبل «عرفات» تلك القصيدة الأقرب إلى مرثية للقضية الفلسطينية، ولا كيف قرأ الأبيات التى قال فيها ابنه الروحى أن عرشه هو نعشه؟
عندما قال الزعيم الفلسطينى بعد الوصول إليه بالسم: «بل شهيدا.. شهيدا.. شهيدا» ربما كانت فى مخيلته هذه الأبيات.
لعله أراد أن يرد: «لست هذا الرجل».
كان «درويش» مأخوذا فى تجربته الإنسانية بـ«الأم الشاهدة» «لا تعتذر إلا لأمك».
وكان مأخوذا فى تجربته الشعرية بـ«الأم الملهمة» «ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى».
لم يكن الطفل الصغير ينام قبل أن تأخذه أمه فى أحضانها وهى تنشد من الذاكرة، أو تبدع على السجية أزجالا وتهاليل.
عندما مات قبل عشر سنوات إثر عملية جراحية فى القلب كانت «الست حورية» فى الثالثة والتسعين من عمرها.
«وأعشق عمرى لأنى إذ مت،
أخجل من دمع أمى».
كان مسكونا بشىء ما غامض يقول له إنه سوف يموت قبل أمه.
«فأنا لا أريد
من بلادى التى سقطت من زجاج القطار
غير منديل أمى وأسباب موت جديدة».
فى قصيدة «خذنى معك»، التى كتبها «القاسم» بعد رحيله:
«تسأل صارخة دون صوت وتسأل أين أخوك؟».
«تزلزلنى أمنا بالسؤال؟ فماذا أقول لها؟».
لم يكن ما أنشده «القاسم» تخيلا شعريا بقدر ما كان تجربة حقيقية عليها شهود وتسجيلات.
ضمته «حورية» إلى أحضانها وهو بين دموعها يرثى عمره.
طرحت أسئلة الفراق وأجابت عليها زجلا وهو لا يدرى ماذا يقول.
«قولوا لأمى الله يصبرها
وعلى فرقتى ما أقوى جبايرها».
«أنا أبكى على ابنى ياللى فارقنى
فارقنى فى ليل ما ودع فيه حدا».
كان ذلك مشهدا تراجيديا يليق برحيل شاعر عظيم. فقد لاحق الشعر الدموع.
إن أية قراءة حقيقية فى أعمال وأدوار الشاعر الفلسطينى الأكبر «محمود درويش» لابد أن تستوعب خبايا وتعقيدات علاقاته مع ثلاث شخصيات: الأم الشاهدة والتوءم المناكف والزعيم المتناقض.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved