أخيرًا.. فى لبنان حكومة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 12 نوفمبر 2009 - 11:59 ص بتوقيت القاهرة

 «وما حاجتنا إلى حكومة؟»، هكذا جاءت إجابة رئيس إحدى أهم الشركات اللبنانية العاملة فى قطاع المال والمقاولات على طلبى إبداء رأيه فى المفاوضات الجارية لتشكيل حكومة ائتلافية فى لبنان، وأضاف «ها أنت وأنا وقد عدنا للتو من جولة شملت أنحاء شاسعة من جبال لبنان ووديانها، شماله وجنوبه، مدنه وقراه.

وجدناه نظيفا بدون قمامة وآمنا بدون حوادث غير عادية، لم تصادفنا، ولم نسمع، عن كوارث بسبب حوادث طرق ومواصلات، هطلت الأمطار على مدى أيام أربعة بمعدل لم يشهده لبنان منذ سنوات، وغطى الجليد منطقة واسعة من المرتفعات ولم تنسد الطريق إلى دمشق أو يتعطل المرور خارج المدن أو داخلها.

لم نسمع عن أوبئة تنتشر أو مدارس تغلق أو طوارئ فى قطاع الصحة. نعرف أن التعليم فى مدارس لبنان وجامعاته عاد يتحسن وهكذا حال التأمينات الاجتماعية والصحية. أقول لك بكل صراحة ووضوح.. ما حاجتنا إلى حكومة إذا كان حالنا بدونها ولمدة تجاوزت مائة وثلاثين يوما لا بأس به على أقل تقدير.

وفى الأسبوع الثالث من الشهر الرابع استعد اللبنانيون للعودة إلى العيش فى ظل حكومة. حل التفاؤل محل اللامبالاة أو الرضا الصامت عندما تسربت أنباء عن أن أحزاب المعارضة وقياداتها حصلت على كل ما أرادت أو سعت لتحقيقه خلال مفاوضات طويلة ومضنية، وأن أحزاب الأكثرية الملتفة حول تيار المستقبل وزعيمه سعد الحريرى توافقت على القبول بنتائج المفاوضات بين متذمر ومنهك ومستسلم للأمر الواقع.

رحت إلى لبنان أبحث عن إجابات تروى فضولى، وفضول آخرين مهتمين بالتطورات المذهلة التى طرأت على خريطة السياسة الإقليمية، وتطورات أزمة فى لبنان طال أمدها. رحت وفى حقيبة أوراقى معلومات متضاربة وآراء عديدة وتفسيرات متناقضة للظاهرة اللبنانية خصوصا والشرق أوسطية عموما، وفيها أيضا، ومتصدرة غيرها من الأوراق ورقة سجلت عليها حتى لا أتوه بين خيوط شديدة التشابك، سؤالا واحدا ولكن بصياغات متعددة.

أما السؤال فكان يسعى لمعرفة كيف حدث ما حدث، بمعنى آخر ماذا استجد ليجعل هذه الأطراف توافق الآن على تشكيل حكومة تشترك فيها جميع أطراف الأزمة؟

بقيت ترن فى أذنى على امتداد سنوات نصيحة صديق، رحل عن عالمنا، كان يقول إن أردت فهم ما يحدث فى بلد عربى، ابدأ بالعائلات الكبيرة وكبار رجالها، ثم الطوائف والمذاهب والأحزاب، إن وجدت، وأخيرا الأدوار الخارجية. وأضاف ، ثم كرر المحاولة ولكن بالمقلوب، ابدأ بالأدوار الخارجية ثم الطوائف ثم العائلات ورجالها. وعندما تنتهى من هذه التجارب ستكتشف أنك أمام اختلافات مذهلة فى النتائج وكذلك فى التقويم النهائى. أخذت بالنصيحة أكثر من مرة، وكانت بالفعل من التجارب العقلية المثيرة.

وما إن لمست قدماى سلالم الفندق الذى استضافنى فى هذه الرحلة، كما استضافنى فى رحلات سابقة، حتى اكتشفت أن لا حاجة هذه المرة لمنهج يساعدنى فى إجراء مقابلاتى للحصول على إجابات معقولة وشافية. كنت أستعد للصعود بينما كان يستعد للنزول صديق قديم يقوم بالتدريس فى الجامعة الأمريكية فى بيروت. تصافحنا وسألته «أراحل أنت، وإلى أين؟»، فقال» نعم راحل، وإلى حيث يتوجه هذه الأيام أمثالنا من المهتمين بالشأن العربى العام وصانعى الرأى الباحثين عن بؤرة صنع السياسة الإقليمية و«فابريقة» إنتاج متغيرات سياسية ومعمل تجرى فيه حاليا تجارب صياغة مستقبل الشرق الأوسط. أنا ذاهب إلى تركيا».

سافر الصديق، ولم تمر ستون ساعة أو ما يزيد قليلا، على هذا اللقاء إلا وصرت واثقا أن ملاحظة الرجل كانت دقيقة. لم تأخذنى سوى ساعات لأعرف أن المنطقة، عربية فى حدودها الدنيا أم شرق أوسطية فى حدودها القصوى، انشغلت عن لبنان بأمور أخرى، لم يعد لبنان الشغل الشاغل للمملكة العربية السعودية أو سوريا، أو لقطر أو حتى لإيران.

كان واضحا للكثيرين من المحللين السياسيين فى لبنان أن الاتصال المباشر بين السعودية وسوريا كان العامل الكاشف عن حجم التغير المتوقع فى المنطقة، وبخاصة فى لبنان.

تقول الروايات إن تركيا استطاعت، بسهولة نسبية، إقناع سوريا باتخاذ الخطوة الأولى فى مبادرة لكسح بعض الجليد المتراكم على طريق العلاقات السعودية السورية، فقام بشار الأسد بزيارته المفاجئة إلى السعودية تحت غطاء المشاركة فى افتتاح جامعة العلوم. وبعدها مباشرة وتمشيا مع الخطة التركية بدأ العد العكسى لرد الزيارة. واكتملت الدائرة، التى أطلقتها المساعى التركية، بزيارة الملك السعودى إلى دمشق.

لم تأت المبادرة التركية من فراغ، ولم تكن بدون أساس. إذ إن مؤشرات كثيرة سبقتها كانت تشير إلى أن المنافسة السعودية السورية على إدارة الأمور السياسية فى لبنان وصلت إلى نقطة اللاغالب واللامغلوب. فقد استطاعت السعودية، باستخدامها نفوذها السياسى والمالى فى لبنان وعلاقاتها بشخصيات لبنانية فاعلة، ولكن أيضا بالاستخدام المكثف لضغوط أمريكية وأوروبية على سوريا، أن تحد بعض الشىء من النفوذ السورى فى لبنان، أو على الأقل، أن تشد من أزر معارضى هذا النفوذ.

من ناحية أخرى، استطاعت سوريا التأكيد مجددا على أنها ليست عديمة النفوذ فى لبنان، وأنها إن لم تكن قادرة بسبب الضغوط الغربية والحصار الاقتصادى وشبح المحكمة الدولية على تشكيل حكومة لبنانية موالية لها، إلا أنها مازالت قادرة على منع تشكيل حكومة فى لبنان، غير موالية لها. ومع ذلك أعربت شخصيات لبنانية فى لقاءات خاصة عن اقتناعها بأن السعودية وسوريا كلاهما شعر بضآلة المكاسب التى حققتاها خلال فترة المنافسة بينهما على النفوذ فى لبنان.

لم يكن خافيا على الأتراك، كما على غيرهم من المراقبين عن كثب والمتربصين لفرصة مناسبة للتدخل، أن أمريكا من ناحية والسعودية من ناحية أخرى، ربما شعرتا بالحاجة الماسة إلى تنشيط الدور السورى فى العراق. وقد سمعت من مصادر قريبة الصلة بالسفارات الأوروبية فى بيروت أن هناك خشية حقيقية فى عواصم عربية كبيرة وفى أنقرة وواشنطن من تعاظم النفوذ الإيرانى فى العراق، ومن خطورة الاعتماد المطلق على السيد نور المالكى وزيادة قوته على حساب قوى أخرى فى الساحة العراقية. فى الوقت نفسه كانت دمشق، حسب ظن البعض، قد أصبحت جاهزة لإعطاء مزيد من الانتباه إلى العراق الذى بات يهدد بانقساماته وزيادة النفوذ الإيرانى فيه أمن سوريا، وبالفعل ضاعفت سوريا من انتباهها للعراق ولكنها لم تهمل للحظة واحدة لبنان، بوابتها إلى العالم الخارجى.

فى هذه الأثناء، بات واضحا للكافة فى بيروت أن الولايات المتحدة غيرت تكتيكيا مواقفها فى الشأن اللبنانى، إذ لاحظت دوائر عدة أن المبعوثين الأمريكيين خففوا كثيرا من التدخل بالشكل الصارخ الذى كانوا يمارسون به مهامهم الدبلوماسية والأمنية قبل شهر أو شهرين، وتردد أن أمريكا بعثت برسائل ـ بعضها غير سرى ـ على لسان كبار قادتها وممثليها فى لبنان، تعلن فيها أنها أصبحت تؤيد تشكيل حكومة وحدة وطنية، بمعنى لا يشوبه شك، أنها لا تمانع من مشاركة حزب الله، رغم إصرارها على أنه حركة إرهابية، فى حكومة لبنانية ستعترف بها وتتعامل معها، وستحاول من ناحيتها إقناع إسرائيل بجدوى هذه السياسة الجديدة.

وقد جاء تصريح هيلارى كلينتون يؤكد هذا التوجه الجديد حين أعلنت أن «الوقت قد حان للشعب والقيادة للعمل من أجل لبنان، وأن يؤلفوا حكومة تمثل التنوع الكامل للبنان بحيث يمكن اتخاذ قرارات تحسن مستقبل لبنان»..

وسمعت ما يؤكد هذا التغيير فى الموقف الأمريكى من سياسى لبنانى مخضرم خلال اتصال هاتفى إذ قال إنه يلاحظ للمرة الأولى منذ زمن طويل أن المسئولين الأمريكيين المقيمين فى لبنان يكتفون بالاستماع وطمأنة القوى الضعيفة وسد بعض الثغرات التى يخشى أن تستغلها قوى خارجية أو داخلية بهدف تعطيل التوصل إلى اتفاق بين القوى السياسية اللبنانية.

لا يطاوعنى القلم لأغادر هذا الجزء من تقريرى عن التطورات الجديدة فى لبنان، قبل أن أنقل عن شخصية إعلامية لها وزن فى المنطقة ـ ولها مصادرها القوية ـ رأيا همست به مؤكدة أنه «مجرد رأى» يحمل فرصة الخطأ كما يحمل فرصة الصواب، أما الرأى فهو أن السوريين ربما بلغهم أو توصلوا إلى أن إيران بدأت تتصرف فى لبنان تحت عنوان «أنا الأكبر».

إنه العنوان الذى ضحت سوريا بالكثير لتحتفظ به لنفسها منذ رحيل عبدالناصر ولتمنع أى دولة أجنبية، عربية أو غير عربية، من ممارسته أو العمل فى لبنان تحته.

النصيحة التى أسديت لى تتضمن ضرورة الاهتمام بالعائلات الكبيرة كمدخل لفهم السياسة فى الدول العربية، ومنها لبنان، كانت مفيدة فى زمن سيطرت فيه «العائلة» الممتدة على الحياة السياسية اللبنانية، وربما مازالت مفيدة فى فهم السياسة فى دول عربية أخرى بحكم أن أسماء معينة أفرزتها مرحلة عشوائيات نظام حرية السوق راحت تورث الثروة والسلطة معا.

المؤكد فى لبنان أن «العائلة» كوحدة سياسية بدأت تفقد دورها منذ نهاية الحرب الأهلية فى أواخر الثمانينيات لأسباب غير قليلة أهمها على الإطلاق بدء ظهور حركات جماهيرية أو قيادات وزعامات «شعبوية» جمعت حولها أتباعا من جماهير الفقراء والمهجرين والشرائح الجديدة فى الطبقتين الوسطى والعاملة.

ففى مرحلة من المراحل ظهر السيد موسى الصدر على رأس حركة المحرومين، وأغلب المنتمين إليها من الشيعة. وكان الصدر وحركته السبب الرئيس فى انحسار دور العائلات الإقطاعية الكبيرة التى احتكرت العمل السياسى باسم الشيعة، واحتلت صدارتها عائلات عسيران، والأسعد، والخليل، والحسينى.

وبعد غياب الصدر، هذا الغياب الذى لن ينساه الشيعة اللبنانيون ولن يغفروا للجماهيرية الليبية مسئوليتها عن اختفائه بينما كان فى زيارة لليبيا، تولى المحامى نبيه برى رئيس حركة أمل التحدث باسم الطائفة وتمثيلها سياسيا، إلى أن ظهر حزب الله ليسحب منه هذا التفويض. ويوجد الآن من يقول إن حزب الله لا يستغنى عن نبيه برى رغم الادعاءات العديدة عن سلبياته التى قد تؤثر على مكانة الحركة السياسية للشيعة وسمعتها فى الخارج.

يراه البعض غطاء لحزب الله فى العمل الداخلى، ويراه آخرون حامل بريد ينقل الرسائل من حزب الله وإليه، ومفاوضا نيابة عنه فيما يطلب منه التفاوض بشأنه، ومستمعا لآراء عواصم أجنبية لأنه خلافا لقادة حزب الله، يستطيع التنقل بحرية وأمان بحكم وظيفته كرئيس للمجلس النيابى اللبنانى.

الأمر الثابت على كل حال هو أن نبيه برى لعب دورا مهما خلال الفترة التى تعذر فيها تشكيل حكومة، إذ كان بحكم رئاسته للهيئة التشريعية، يمتنع عن دعوة المجلس للانعقاد للتصديق على تشكيل حكومة لا تحظى برضاء المعارضة فى الداخل أو سوريا وربما إيران فى الخارج، وبصفته قائدا من قادة المعارضة كان قريبا من دمشق، وإن لم يتمتع، حسب رأى بعض السياسيين فى سوريا ولبنان، بحظوة كبيرة لدى السوريين الذين يقال إن بينهم من ينظر إليه كرجل كل المواسم. بمعنى آخر، ما كان يمكن أن «تتحلحل» الأزمة السياسية بدون جهود نبيه برى وكفاءته فى إدارة السياسة فى لبنان.

بالقدر نفسه من الأهمية، لعب وليد جنبلاط دورا فريدا لا أتصور أحدا غيره كان يمكن أن يلعبه لتسخين أزمة إلى حد الاقتراب من الانفجار أحيانا ولتبريدها بل وتجميدها إن شاء فى أحيان أخرى.

ومهما قيل عن هذا الزعيم الدرزى مدحا أو ذما، يبقى واضحا جليا أنه الوحيد بين قادة لبنان، وربما القادة العرب، الذى استشرف أحداثا وتغيرات، وتنبأ بها قبل وقوعها بأسابيع طويلة. أذكر كيف فاجأنا جميعا، وفى وقت مبكر للغاية، بقوله إنه يتوقع سلسلة من خيبات الأمل، فى عالمنا العربى وفى الخارج بالنسبة للوعود التى قطعها على نفسه أوباما، بل لعله تنبأ بأن الرجل سيفشل ولن يحقق شيئا فى الشرق الأوسط. أعرف أنه لم يخف عن أصدقائه المقربين توقعاته بأن السعودية وسوريا سيتفقان، وسيكون الاتفاق بينهما على حساب «ائتلاف الموالاة» الذى يتزعمه تيار المستقبل، وكان جنبلاط نفسه وحزبه أكثر أعضاء الائتلاف عداء لسوريا.

وأذكر أحاديثه العديدة عن أن مصر بعد أن انحسر دورها عربيا ولبنانيا لن تعود قريبا إلى لبنان، وإن عادت، وقد حاولت بالفعل، فلن تكون مؤثرة أو فاعلة إلا فى أضيق الحدود، فالفراغ الذى تركته الدبلوماسية المصرية عندما تراجعت ملأته قوى أخرى. قال ذات مرة استطرادا لحديث عن دور مصر «الزمن الجميل ولى.. زمن اليوم صراعات وتفتيت منطقة وتفتيت دول المنطقة» وتساءل «أين الناس.. أين الشعوب».

كذلك تنبأ جنبلاط ذات يوم أن الرئيس المنتخب ميشيل سليمان لن يتحمل طويلا ضغوط الخارج أو الضغوط المقبلة من جنوب لبنان وبخاصة فى شقها العسكرى والأمنى، وأنه سيضطر إلى التمسك بصيغة الحكومة الائتلافية التى تصر عليها قوى المعارضة بزعامة حزب الله.

مرت الأيام وتحققت جميع تنبؤات وليد بك، وقد استعد وحزبه لهذا اليوم بخروجه من تحالف الموالاة، موحيا بهذا التصرف إلى أنه مع نوابه فى البرلمان يستطيعون منع سعد الحريرى وتيار المستقبل من تشكيل حكومة لا تشترك فيها المعارضة.

ورغم أهمية الأدوار التى قام بها كل من نبيه برى، الرجل الذى وقف مع سوريا ضد الفلسطينيين فى بداية الحرب الأهلية اللبنانية، ووليد جنبلاط ابن كمال جنبلاط، الرجل الذى وقف مع الفلسطينيين والتيارات الوطنية واليسارية ضد سوريا، إلا أن رجلا ثالثا أصبح بالنسبة للكثيرين اللبنانيين والعرب، بل الأجانب، بمثابة اكتشاف أثمرته فى الشهور الأخيرة الأزمة السياسية فى لبنان.

فجأة وجدنا أنفسنا أمام رجل غريب الأطوار، فريد الخصال، عنيد المراس، حتى أن سمير جعجع وهو أشد خصومه بين الموارنة وصفه بأنه نابليون لبنان، وقال عنه الوسطاء الذين تدخلوا مرارا بينه وبين سعد الحريرى خلال المفاوضات العسيرة لتشكيل حكومة ائتلافية، إنه فى كل مرة استأنف الرجلان مفاوضاتهما بعد فترة تعثر وتوقف، كان ميشيل عون يبدأ من أول السلم متجاهلا كل ما تحقق قبل التوقف.

كان الشائع فى بيروت بين قلة من صانعى الرأى أن عون يخدم «أجندة» حزب الله بقبوله التحالف معه فى المعارضة، وأنه يلعب مع حزبه دور الغطاء السياسى الذى يدعم شرعية حزب الله داخل الساحة السياسية فى لبنان. الشائع الآن مختلف تماما. لقد استطاع ميشيل عون أن يحصل على ثقة العديد من اللبنانيين. يقول المناصرون له والمتفائلون باحتمالات دوره فى المستقبل إنه حقق إنجازين مهمين، أولهما أنه نجح فى تهدئة التوتر الطائفى عندما سحب معه أغلبية المسيحيين الموارنة ليعقدوا حلفا مع أغلبية المسلمين الشيعة، وليشكلوا جبهة واحدة «عابرة للطوائف».

أما الإنجاز الثانى فهو أنه، حسب رأى هؤلاء، أسهم فى إضعاف سطوة «العائلات» التى قادت لمدة طويلة المسيحيين اللبنانيين، وتسبب بعضها فى نكسات للطائفة وانقسامها. لم تعد عائلة الجميل تتحكم إلا على أقلية متناهية الصغر من الموارنة، ولم يتبق من عائلة فرنجية إلا سليمان الصغير، وهو الشاب الذى نجح فى أن يكون حلقة وصل فى مرحلة حاسمة بين سعد الحريرى والرئيس بشار الأسد، وهو المؤهل الآن ليلعب أدوارا أخرى فى المستقبل.


ويصر أنصار عون والمعارضة على أنه لم يعد يوجد بين قيادات المسيحيين الموارنة شخص أو تيار يهدد زعامة عون المتصاعدة. يشهد الكثيرون بأن الفضل فى نجاح الجنرال عون يعود أولا إلى عناده وصموده فى وجه تحديات كبيرة، منها مواقف بعض الدول العربية الكبرى، وبخاصة بعض الدول الممولة تقليديا للسياسة اللبنانية.

عون، الزعيم العائد حديثا من فرنسا، المنفى الذى اختاره له السوريون، أجبر أخيرا جميع خصومه على احترامه والاعتراف بأهمية دوره فى المشاركة فى صنع مستقبل لبنان. كان سرا ولم يعد كذلك، أن الوسطاء السعوديين ضغطوا على سعد الحريرى الرئيس المكلف ليستجيب لطلب عون منح حزبه حقيبتى الطاقة والاتصالات فى الحكومة القادمة. والملفت للانتباه، أن عون لم يطالب بوزارة الاقتصاد أو المالية، وقد عاتبه حليفه نبيه برى مذكرا إياه بخطأ كان ارتكبه هو نفسه حين تنازل للرئيس الأسبق رفيق الحريرى عن وزارة المالية، فكان ما كان من هيمنة الحريرى على الحياة الاقتصادية والسياسية فى لبنان.

ومع ذلك نستطيع أن نتفهم موقف عون وإصراره على حقيبتى الطاقة والاتصالات، إذ إن هاتين الوزارتين هما اللتان تحصدان للحكومة دخلها الأكبر وتمولان العديد من أنشطتها، وبالتالى فإن من يتحكم فى هاتين الوزارتين يكون فى الواقع قد أمسك بمصدر هائل للنفوذ داخل الحكومة القادمة.
تحيط بحزب الله هذه الأيام أسئلة وعلامات استفهام كثيرة، لا يخفيها صمت مبالغ فيه من جانب قيادات الحزب أو حساسية المتعاطفين أو انفراط الأعداء والخصوم.

هذا الهدوء لا يعنى أن الحزب لا يعمل ولا يفاوض ولا يحرك الأمور فى لبنان. يبدو لغير العارفين مستسلما وهو فى الحقيقة يتعمد أن يبدو مسالما ومستعدا لشراكة مستقرة فى حكومة لا يسيرها ولكن يمنع تسييرها من خارجها كما يمنع تبنيها سياسات لا تخدم مصالحه ومصالح الطائفة التى يمثلها ومصالح حلفائه فى الخارج كالمقاومة الفلسطينية على سبيل المثال. كذلك لا خلاف كبيرا حول حقيقة أنه نجح فى تثبيت قواعده على الأرض، بخاصة فى الجنوب اللبنانى، ورسخ مبادئ وتقاليد عديدة اجتماعيا واقتصاديا فى مناطق تخضع لإرادته ونفوذه، وفى الوقت نفسه صاغ علاقة فريدة بين حزب معارض يجمع بين صفتى «المقاومة المسلحة» والحزب السياسى وبين المؤسسة العسكرية، وبخاصة مع رئيس الدولة الجنرال ميشيل سليمان. ويتردد فى وسائط إعلامية ودوائر سياسية أن الحزب قرر أن يقدم صورة جديدة، وإن غير مختلفة جذريا مع حقيقته، تسهل على الشركاء السياسيين الآخرين، بخاصة المسيحية المارونية، التعامل معه والقبول به شريكا فى الحكم.

هذه الشراكة فى الحكم يعتبرها حزب الله والمتعاطفون معه أكثر من ضرورية لأنها أحد أهم ضمانات سلامته ولعلها تصبح ذات يوم الحماية المتاحة ضد مؤامرات إسرائيل ومحاولاتها عزله قبل ضربه.

وفى رأيى، ولعله رأى آخرين مطلعين على تطورات الأمور الإقليمية والداخلية، أن إدارة أوباما تميل إلى دعم كل ما يمكن أن يؤدى إلى مشاركة حزب الله فى الحكم فى لبنان، على أمل أن تكون هذه المشاركة السبيل السلمى الوحيد «لتسييس» الحزب، بمعنى اندراجه تدريجيا فى عمليات المساومة والتراضى والتوافق السياسية، تمهيدا لإقناعه بالتخلى عن سلاحه للمؤسسة العسكرية باعتبارها أقوى حلفائه، على الأقل حتى الآن.

ولا يبدو هذا الرأى بعيدا جدا عن الصواب إذا وضعناه فى سياق سياسة إقليمية أوسع تمارسها إدارة أوباما فى تعاملها مع قوى التشدد الإسلامى فى جميع أنحاء الشرق الأوسط ووسط آسيا.
أليست هذه السياسة الجديدة التى تمارسها مع حزب الله هى نفسها التى تمارسها الآن علنا مع طالبان أفغانستان والإخوان المسلمين فى العالم العربى، وتمارسها خارج إطار العلانية مع حماس الفلسطينية والتيارات الدينية وبخاصة معتدلة التشدد فى العراق. ومع ذلك يبقى أمر العلاقة مع حزب الله رهن مزيد من الرصد والتحقيق.

الآمال كبار فى لبنان، أمل فى استقرار سياسى وأمنى لأمد غير قصير، وأمل فى اقتصاد أقل عسرا، وأمل فى وفاق دولى وإقليمى ملتزم أمن لبنان وسلامته. وعلى كل حال لا جديد فى هذه الآمال عند شعب يعيش المحن متفائلا ويقاوم الموت برغبة هائلة فى الحياة.

الجديد الوحيد فى لبنان، هو الحديث المتصل والمثير عن تركيا العائدة إلى لبنان كما إلى غيره من دول «المشرق» بعد غياب دام قرنا أو أكثر.





هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved