ما عملنا شى اليوم

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 13 فبراير 2019 - 11:55 م بتوقيت القاهرة

أحاول منذ مدة أن أقارن عدد المرات التى شاركت فيها فى فرح فى الفترة الأخيرة مع مشاركتى مجالس العزاء فيربح العزاء. أعد زياراتى لأصدقاء أصابهم مرض أيا كان بالمقارنة مع لقاءات جمعتنى بأصدقاء لسبب اجتماعى فيبدو لى أننى أصبحت أكثر سؤالا عن من يمر بظروف صحية حرجة. تدخل صعوبات الحياة اليومية على سلاستها، ثمة اختبارات لا تتوقف، تمتحن قدرة أحدنا على مواجهة مطبات وكأننا سيارة مسرعة فى الشارع لم يرَ سائقها العائق فيتوقف بحدة قد تهز باقى الركاب على غفلة.
***
هذا ليس استيقاظا من سذاجة اعتقادى أن الحياة جدول هادئ. ولا هى واقعية مفاجئة أجبرتنى على رؤية صعوبة أن يسرى جدول الماء فى طريقه دون شوائب. هذه فقط لحظة فى منتصف الطريق أقف فيها لألتقط أنفاسى وأنظر خلفى وأمامى وحولى فأرى أن ما كنت أظن أنه «عادى» أى لا حاجة للتوقف عنده، إنما هو أكثر ما أتوق إليه وأتمنى أن يستمر. حياة يومية رتيبة بمواعيد للعمل وللمدرسة، ووقت للغذاء يتبعه وقت لمشاكستى مع أطفالى حول واجباتهم المدرسية، ثم ربما زيارة أحد الأصدقاء ومشاكسة أخرى مع الأطفال حول النوم المبكر. يوم يمكن وصفه بأنه روتينى لا حماس فيه، يوم ممل بتفاصيل يومية لا نذكرها حين يسألنا أحدهم عن يومنا. يعنى أن تسألنى والدتى، جدة الأولاد «شو عملتوا اليوم؟» وأجيب «ولا شى، ما عملنا شى اليوم».
***
هذا الـ «ولا شى» هو فى الحقيقة كل شىء. هو جبل شاهق فى علوه، عميق فى ثباته. أوقات محددة لبدء النهار بغض النظر عما يحدث فى الخارج وفى داخلى. أقوم فى الصباح لأن ثمة وقتا محددا للمدرسة، أغلى القهوة وأشربها فى فنجان عملاق بينما أتحرك فى البيت استعدادا لمواجهة الشارع. رائحة الخبز الذى أضع فيه جبنة بيضاء تدخل على صوت السكين التى تقطع الخيار قطعا طويلا ورشيقة. هل من صباح أكثر رتابة؟ ثم الطريق للمدرسة والتوقف أمام البوابة «يللا يللا تأخرتوا»، ثم الرحلة اليومية إلى مكان عملى. يوم أقضيه هناك يتخلله هروب من العمل إلى عالم افتراضى أقرأ فيه أخبار السياسة والناس، وتدخل على فيه بعض الرسائل سواء الجماعية أو الشخصية لسؤالى عن وصفة لطبق سورى، أو لدعوة على العشاء. بعد الظهر محدد برحلة العودة إلى المنزل ثم التحايل على الأولاد أن درس الإعراب هو تمرين مرح. «تخيلوا أن لا لغة فى العالم فيها صيغة المثنى! أليست لغتنا شديدة الخصوصية؟» أقول لهم بحماس. «هى شديدة التعقيد»، يرد ابنى بضجر.
***
فى شهر رمضان مثلا، أتعمد أن أفرض على جميع من فى البيت مسلسلا أو اثنين. يتذمر الأولاد، فهذا جيل يختار ما يريد مشاهدته ويحمله من على الانترنت. لا يفهم أولادى أننى أجهز الغرفة انتظارا للمسلسل، يفاجؤهم تحكم قناة التلفزيون فى المشاهد، فهم من جيل يشاهد ما يريد فى أى وقت بشكل فردى من على شاشة صغيرة. أنا لا أفهم كيف يستغنون عن الاصطفاف على الكنبة فى مواجهة الشاشة الجماعية، كيف لا يهمهم أن يعلق أحدهم على الأحداث وينهره الآخرون لأنهم لم يسمعوا باقى الحوار بسبب تعليقه.
***
«ما عملنا شى اليوم» يعنى أن الغذاء كان طبقا من الخضار المطبوخة مع الأرز الأبيض، حتى دون إضافة الشعيرية له، ويعنى أن وجبة العشاء عبارة عن خبز بلدى وجبنة، تزينه حلقات من الطماطم والخيار. «ما عملنا شى» يعنى زيارة الجدة والجد لنا قرب موعد نوم الأولاد، وجلوسهما معهم بينما يزور الكبار، أى الأب والأم، بيت أحد الأصدقاء.
***
أحاول طوال الوقت أن أعبر عن تثمينى لما هو عادى وروتينى، لا أريد أى حماس أكبر من حماسى بموسم الفول الأخضر الذى أشترى منه كمية سوف أخزنها بعد أن أغليها سريعا وأستخدمها لاحقا فى الطبخ. أو حماسى بموسم الحمضيات حين ترسل لى صديقة صندوقا من البرتقال الطازج من أرض عائلتها فى الريف، فأهرع إلى صنع المربى وأعبئه فى أوان زجاجية أصفها على رف يمكننى أن أراه كل صباح. لا يمكن أن أصف حماسى لموسم تغيير الفصول الذى يقتضى تغيير محتوى رفوف خزائن الثياب. لا أعرف كيف أصف تعلقى بالروتين، وانتظارى لما هو متوقع، أريده أن يحدث دون تغيير، أتمسك بتراتبية الأحداث كما عرفتها فى صغرى وكما أمارسها اليوم.
***
هل بإمكانى أن أعترف أننى لا أريد مفاجآت، دون أن أتهم بأننى إنسانة مثيرة للضجر؟ لا أريد أى شى يغير من يومى مع عائلتى وأصدقائى. لا أريد أن يمرض من أحب ويموت، لا أريد أن يتشاجر زوجان من الأصدقاء من حولى، لا أريد أن يهدم مقاول فيلا قديمة فى شارعى ويزرع مكانها عمارة قبيحة، لا أريد أن يعوض أولادى لعبة «القطة العمياء» بألعاب إلكترونية. أنا صدقا لا أريد حماسا لا أرى له ضرورة وفعلا أريد ما هو عادى. أريد تفاصيل يومية لا يشوبها تغيير مفاجئ وأريد أن أجيب أمى حين تسألنى عن يومى أو عن أسبوعى أنه «ما صار ولا شى».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved