تعالوا نحلم

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 13 مايو 2015 - 9:10 ص بتوقيت القاهرة

ننسى أحيانا أنه قبل أربعين أو ثلاثين عاما كنا نعيش بدون هذا الجهاز الصغير، واسطتنا الأكفأ مع الآخر، جمادا كان هذا الآخر أم إنسانا. نعيش معه ونتعامل كما نتعامل مع ابتكارات أخرى نظن أحيانا أنها كانت معنا منذ قديم الزمن، أو أنها كالطبيعة لم نبتكرها. هكذا نتعامل مع العجلة والتروس وملايين الأشياء المشتقة منها، ونتعامل مع لمبة الكهرباء والقلم الجاف والتليفزيون والمرآة. ننسى أننا اخترعناها لحاجتنا إليها، هى من إبداعات عقول بشر مثلنا وليست من صنع الطبيعة أو من قوى خارجها. لن يتوقف سعى الإنسان لاختراع ما يلبى حاجاته ويرضى تطلعاته ويجدد معنى وجوده.

ومع ذلك لا نتوقف عن انتقاد حالنا التى أثمرتها هذه الابتكارات. نقول فصلتنا «الشاشات» جسديا عن بعضنا البعض. نشكو من أننا لم نعد نتحادث وجها لوجه وإنما من خلال شاشة هنا وشاشة هناك. نشكو من أننا لا نتسامر أو نتبادل كلام الحب ومشاعره أو نناقش مشكلات العمل والسياسة إلا عبر شاشات وآلات تصوير بإرادتنا حينا وبغيرها معظم الأحيان. ننتقد ونشكو ويستمر سعينا لاختراع المزيد. راحت صحيفة أمريكية تسأل بعض المشاهير إن كانوا يحلمون باختراعات أخرى، ورحت من ناحيتى أسأل بعض الشباب إن كانوا لم «يشبعوا» بعد من هذه الطفرة الهائلة فى أدوات التواصل والحياة الحديثة التى يعيشون معها وبها وربما لها، وإن كانوا يريدون أكثر، وما هو هذا الذى يريدون. قرأت عجبا وسمعت الأعجب.

•••

نريد أن «نوجد» فى مكانين فى وقت واحد، قالت إحداهن، «أحيانا أتمنى أن يبتكروا سائلا أشربه أو جهازا صغيرا جدا أبتلعه أستطيع بفضل أيهما أن أكون مع شخصين فى مكانين مختلفين. هكذا اختراع يحل لنا كمراهقين مشكلة الاختيار بين بديلين أو بين عرضين. نريد ألا تفوتنا فرصة المشاركة فى حفل أو سهرة لارتباطنا بموعد فى مكان آخر. نريد أن نعمل ونمرح فى آن واحد. أريد أن أكون مع زوجى وأطفالى فى بيتنا وأكون فى الوقت نفسه مع «الشلة» فى مكان آخر.

قالت أخرى إنها تريد اختراعا يسمح لها بأن تكون شاهدة على لحظة غروب الشمس ولحظة غروبها فى آن واحد، ويسمح لها بأن تقضى الليل فى موقع بأقصى الغرب مستمتعة بمباهج السفر والسهر وأطايب الأكل والشراب وأحلى الأصحاب، وتقضى النهار فى موقع آخر بأقصى الشرق، تعمل بجد واجتهاد. تعيش نهارها وليلها فى آن واحد.

•••

أحد المشاهير الذين سألتهم الصحيفة الأمريكية عن اختراع يحلمون به، قال إنه يحلم بجهاز يزرعونه فى جسمه، تكون مهمته إصلاح ما يفسد فى الجسم أولا بأول. يعنى مثلا أنه إذا أصاب الرجل تعب وهو يركض فى الحديقة يقوم الجهاز فورا بتهدئة سرعة الركض أو تزويد الجسم بطاقة إضافية. يعنى أيضا انه إذا شعر الإنسان برغبة شديدة فى تناول الطعام أثناء اجتماع، قام الجهاز بتهدئة المعدة أو إثارة رغبات أخرى تلهيه عن التفكير فى الطعام. يريد أيضا أن يقوم هذا الجهاز بخفض شرهه للأكل فى حال تجاوز الحدود وتهدئة أعصابه حين يغضب وتبريد انفعالاته حين يغالى فى الانغماس فى الفرح أو يتهور فى التعبير عن الحزن. يريد من الجهاز أن ينظم ضربات القلب وضغط الدم. وفى حال عجز الجهاز عن إصلاح خلل كارثى بالجسم، يكون فى مكنته إرسال إشارة استغاثة إلى أقرب مشفى أو طبيب.

••• 

أعرف أنه لا يجوز أن يشكو الإنسان المعاصر من نقص المعلومات المتاحة فورا ومجانا، فالمعلومات التى توفرها له الشبكة الإلكترونية لم يحدث أن كانت فى أى يوم من التاريخ بهذه الوفرة. الآن هذا الإنسان يشكو من هذه الوفرة، أنا شخصيا أشكو من صعوبات تواجهنى عند اختيار المعلومة الأصدق والأقوى من بين مئات المصادر التى تتيحها لى الشبكة، ولم أجد بعد الحل المناسب. لذلك أعجبنى اقتراح ابتكار «تطبيق» معين يضاف إلى تطبيقات الكمبيوتر يضمن تحقيق هذا الحلم، حلم اختيار المعلومة الأصدق والأدق والأقوى من بين معلومات تملأ مليارات الصفحات التى تزخر بها شبكة الإنترنت. هكذا أضمن مثلا ان أحصل على أشهى «أكلة» فى المطبخ الهندى، وأحسن دراسة تحلل الأسباب الحقيقية للحرب فى اليمن، وأروع قصيدة أنتجها الأدب الصينى المعاصر وأظرف نكتة ابتدعتها خفة الظل المصرية. بعبارة أخرى، أضمن أن أحصل على الأكفأ والأعلى جودة وسط أكوام من المعلومات المتواضعة والأفكار السقيمة.

•••

جاء عفوا أو عرضا فى السطور السابقة ذكر اليمن فتذكرت أننى قرأت عن اقتراح باختراع رائع. يتمنى صاحب الاقتراح أن يبتكر أحد العباقرة تركيبة كيماوية يحقن بها الإنسان العادى فتجعله واعيا كل الوعى وكل الوقت لحقوق بنى جلدته من البشر ومفعما بشكل دائم بالمشاعر الإنسانية الراقية. يتمنى هذا الحالم أن تفرض هذه التركيبة الكيماوية السائلة على من يحقن بها الالتزام بكرامة أى إنسان آخر تضعه الظروف فى طريقه، فلا يجرح شعوره ولا يؤلمه ولا يذل كرامته، ولا يحرمه من حنان أولاده، ولا يسجنه ولا يعذبه ولا يهدم بيته ولا يدمر ممتلكاته.

•••

شخص لا يحلم كالأقدمين بإكسير يعيد للإنسان شبابه بل كغيره من ملايين المعاصرين يحلم بإكسير يعيد للإنسان إنسانيته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved