فى مناجاة الموجة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 13 أغسطس 2017 - 9:20 م بتوقيت القاهرة

عندما تنادى الموجة وتفيق الشواطئ من استرخائها الخريفى أو الشتوى أو الربيعى والقادمون يحزمون الحقائب بملابس هى ما خف ودل، إلا عندنا حيث يرسم السواد الأيام الماضية والكثير من القادم ولا يبرز بين الألوان إلا الرمادى، عندنا تختلف حقيبة الموسم الصيفى وتحتوى على الكثير من الخليط المهجن العاكس لفكر هو الآخر مهجن أو ربما مشوش.
***
تعود الموجة لتنادى عشاقها وهى تفتقد الضحكات التى كانت، وزحمة القادمين المفترشين للشواطئ المخلصين لحمامات شمسهم عندما أصبحت «موضة« فى مجتمعات تحتقر الملونين وتنظر لهم بدونية مقيتة تعشق كل ما هو أشقر وأبيض وملون! تحمل الموجة الرسائل العديدة للنوارس فهى القادرة دوما على الجذب ببياض لا يشبه إلا قلوب بعضنا أو بعضهم! 
***
تتذكر الموجة كيف كان القادمون لها أو عشاقها هم خليط من الكل، يتساوى البشر فى حقهم فى البحر أو كانوا هكذا حتى تعولمت الشواطئ وتخصخصت وأصبح الاستحمام فى البحر ليس حقا للمواطن فى أوطان لا تعترف أصلا بأى حق ولا تعرف معنى المواطنة!
***
تشتاق الموجة للقادمين الذين كانوا يحملون ملابس السباحة وبعض طعام شهى لبساطته وفرشة متواضعة ليصبح الرمل هو فراشهم والشمس غطاؤهم، واذا قست الشمس عليهم أحيانا فهناك «شمسية « متواضعة انتحلت ألوانها الناصعة بعد عدد من الصيفيات المستمرة وبقائها عرضة للشمس لساعات النهار الطويلة. 
كانت الضحكات حينها أكثر، فالحياة تنتعش ببساطتها والشاطئ ملك للجميع والبحر ينتظرهم ليقول لهم ها أنا أساويكم كما ساوتكم الكتب السماوية حقا وضاع فى دروب الكتب قراؤها ومرتادوها ومدعو احتكارها!
***
كان البحر حقا والموجة هى الأكثر عدالة فى عالم تنقصه أو يفتقد أى نوع من الإنصاف، والأسماك ملك لصياديها البسطاء منهم والأثرياء بسناراتهم وقواربهم الفاخرة، وكان عددهم أقل وكانوا أقل قدرة أيضا على الإجهار بالفحش فى وجه الفقر والعوز.
*** 
راحت الموجة تبحث عن روادها وهى تتابع من بعيد جرافات ضخمة ترفع الرمل الأبيض النقى وتعيد رسم الشواطئ وتغرز مدنا وأسوارا وأسواقا ومقاهى وملاهى ونوادى ليلية أيضا، حتى ضاجت الموجة من القادمين الجدد لم تعرف أسماءهم ولا وجوههم ولا حتى روائحهم الباريسية الفائحة التى تلوث رائحة ملح البحر وزفار السمك. 
***
كان القادمون يدركون أن الشاطئ هو خاوى البحر لا يفترقان والرمل لا يبارح الموجة ويداعب الأسماك بين الفينة والأخرى. أما الآن فكثير من السفن الضخمة واليخوت الفاخرة تصطف لتحجب الأفق عن الناظر وتقطع أوصال الموج وتزعج أسماكه وقواقعه بأصوات عالية وصراخ لا يتماشى مع سكون لا يعرفه إلا القادم من جزيرة أو ربما كانت جزيرة!
***
وقف الأسمنت فى حاجز بل سورا مانعا بين اليابسة والماء ففصلهما وراح يزحف كالسرطان ليملأ الشواطئ ويسورها ويخصصها ويبعد عنها غير القادرين على الدفع. 
تقول صديقتى القادمة من الدول التى لا تزال باقية على بعض الاحترام للحق فى الشاطئ للجميع بأنها وهى مستلقية تقرأ كتابها على أحد الشواطئ الإيطالية الذى تخيلته أنه تابع لفندق الخمس نجوم الذى تسكنه، قدم عدد من النسوة من القرية القريبة وافترشن الشاطئ أمام نزلاء الفندق الفخم متحدين الأمن والآخرين، رافعين يافطات تقول «الشاطئ ليس ملك لأحد« وهو ليس قطاع خاص بل هو للجميع، بعد أيام تنتصر النسوة ويعود الشاطئ لملاكه الحقيقيين.
***
كان الصيف موسم اصطياف للجميع وكانت البيوت والشقق تتفاوت فى الأسعار حتما، وكذلك الفنادق إلا الشواطئ بقى كثيرا منها هو الآخر للجميع لأنه حق حتما فى مدن وبلدان تعيش نصف أعوامها فى صيف حار بل قاتل، ولكنهم وكما فعلوا بكل شىء آخر حولوا الشواطئ لمصدر للثراء السريع وطرحوها كمادة للبيع والشراء فى أسواقهم الفاسدة أصلا، فكان أن أصبح لا مفر للفقير إلا أن تبكيه الموجة وتبقى فى انتظاره فلا يستطيع الوصول ولا حتى اختلاس النظر من بعيد وذلك بعد أن سوروا البحار ودفنوها فراحت الجزر والشواطئ تبحث عن الموجة الحزينة فهى لم تلوثها ناطحات السحاب ولا السيارات الفاخرة واليخوت بل بقيت أمينة على تلك المحبة القديمة بينها وبين فقرائنا القابضين على الجمر، الواقفين فى انتظار لحظة يختلسونها نحو الموجة.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved